الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرجة الثانية من الفقر تعني الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، مما يعلي من صفاء العبودية. هذه الدرجة تؤكد أن محبة الله الكاملة لا تنافيها محبة أخرى إذا كانت لله.
محبة الله هي المحبة الحقيقية التي ترفع العبد إلى مقامات العبودية العالية. محبة المخلوق إذا زاحمت محبة الله تصبح حبسًا ونارًا تلظى.
التعلق بالدنيا والهوى يضر بالقلب ومحبة الله، ويحذر من أن حتى القليل من الهوى يمكن أن يضر بالقلب. إخلاص القلب لله وحده أمر مهم.
الدعاء لله تعالى بالهداية والبعد عن هوى النفس، والشكر لله على نعمه يعبر عن التوجه الديني والتقوى. الحمد لله رب العالمين يشير إلى الاعتراف بفضل الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النافع الماتع «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قال فصل تفسير الدرجة الثانية من الفقر. قال: «وقوله: الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية من رؤية الأعمال. قال: من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحص من أدناس مطالعة المقامات، فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى، والأولى كالوسيلة إليها؛ لأن في الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه، وأن يؤثر عليه غيره في حال من الأحوال، ويوجب له هذا الخلوب وهذه المعاملة صفاء العبودية وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الوداد والمحبة، فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه، قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته له جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه. كما قيل: لقد كان يسبي القلب في كل ليلةٍ ثمانون بل تسعون نفسًا وأرجحه يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح وقد كان قلبي ضائعًا قبل حبكم فكان بحب الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن جنابك ينزح قال: حرمت مناي منك إن كنت كاذبًا وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح وإن كان شيء في الوجود سواكم يقر به القلب الجريح ويفرح وإن لعبت أيدي الهوى بمحبكم وإن لعبت أيدي الهوى بمحبكم فليس له عن بابكم متزحزح فإن أدركته غربة عن دياركم فحبكم بين الحشاء ليس يبرح وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه فلم يره إلا لحبك يصلح هو غيركم نار تلضى ومحبس وحبكم الفردوس أو هو أفسح فيا ضيم قلب أتعلق غيركم ويا رحمة مما يجول ويكدح ومعاني هذه الأبيات أن القلب إذا فرغ لله عز وجل لم يكن له مكان لغيره، مهما شغلت الجوارح، أو كان محبًا فهو محب من جانب واحد، أو هي محبة لا تنافي المحبة الكاملة الحقيقية. فحب العبد لله سبحانه وتعالى إذا كملت عبوديته لله هي محبة ذاتية، فليس أحد يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، وما سوى الله يحب لله أو محبة فطرية أو جبلية لا تنافي محبة الله المحبة الذاتية. فالمحبة الذاتية هي التي يكون بها الأمر والنهي والإقبال والإدبار، فأنت تحب ولدك لكن لا يمكن أن يكون حبك لولدك أو حبك لزوجتك أو حبك لوالديك على حساب محبة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو قوله سبحانه: «لا تجدوا قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله»، فلا يمكن أن تقدم محبة المخلوق مهما بلغت على محبة الله؛ لأن محبة الله هي المحبة الحقيقية، محبة عبد بخالقه مولاه، محبة فقير لغني لا حياة له بدونه. وبهذا تستطيع أن تتأمل هذه الكلمات في هذه الأبيات، وأن محبة غير الله لو وجدت فيها في الحقيقة إذا صارت تشغل عن الله فهي «نار تلضى ومحبس» لماذا؟ لأن الإنسان إذا حبس عن الله وعن الراحة وكذلك اللذة التي يجدها العبد بين يدي الله، صارت تلك المحبة حبس ونار تلضى. فسجدتان تسجدهما لخالقك مولاك تحقق معنى العبودية لله، وأنت ترتقي في مقامات العبودية العالية وكذلك درجات الإيمان الرفيعة، تتلذذ بمناجاة ربك والانكسار والافتقار بين يديه خير لك من لهوك مع والدك المحب أو زوجتك أو حتى مع والديك وأنت تبر بهم، فهذا له وقت ومكان، وذاك له وقت ومكان. ولا شك أن محبة المخلوق مهما بلغت إذا زاحمت محبة الله صارت محبس ونار تلضى. قال رحمه الله: «والله عز وجل لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله، وهو إناء واحد والأشربة متعددة، فأي شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتلئ الإناء بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليًا، فأما إذا صادفه ممتلئًا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه». كما قال: «أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكن». والشاعر قال هذا في حب محبوب من حب الدنيا، ولكن أراد به مؤلف رحمه الله حب الله سبحانه وتعالى الذي إذا صدق العبد فيه لم يزاحمه أي حب، لم يزاحمه أي حب. فلذلك يحتاج العبد لأجل أن يتمكن حب الله في قلبه أن يخلي قلبه من هوى غيره سبحانه وتعالى ومن حب غيره سبحانه وتعالى، فإذا أخليته فإنك عند ذاك تستطيع أن تضع حب الله سبحانه وتعالى بالإقبال إليه. ومحبة الله يتدرج العبد فيها بقدر قربه من الله، كلما تقرب إلى الله أكثر قربه الله منه أكثر وتمكن حبه من قلبه أكثر وأكثر. وهذا هو ما جاء في الحديث القدسي بحديث «بيريره»: «ما تقرب إلي عبدي بشيء بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي حتى أحبه»، الحديث. فيه أنه كلما تقرب شبرًا تقرب ذراعًا، تقرب ذراعًا تقرب باعًا. فأنت كلما تقربت من الله تقرب الله عز وجل منك، حتى أنك لا تبصر إلا بالله، ولا تسمع إلا بالله، ولا تبطش إلا بالله، وكل شيء يكون بالله. والمعنى أن جوارحك تسخر في محبة الله وفي مرضات الله بتمكن الحب والعبودية في القلب. قال رحمه الله: «فقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إناءه من كل شراب مسكر وكل شراب غير شراب المحبة والمعرفة؛ فمسكر ولابد». والمعنى: إذا جعلت محاب أخرى فهي كالشراب المسكر الذي يسكر القلب، فسكر القلب بالتعلق بغير الله كما أن سكر العقل بذلك الشراب المسكر، فكذلك للقلب مسكر يضعفه، وكذلك يزاحم غيره. فإذا أردت عقلًا صافيًا نقيا فعليك بماذا؟ باجتناب المسكرات التي تشوش على العقل ذاك الصفاء. وكذلك إذا أردت قلبًا صافيًا نقيا فعليك أن تخليه من تلك المسكرات، مسكرات الهوى من المحاب التي في الدنيا تزاحم محاب الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». والمعنى: إذا كان القليل حرمه الشرع لأجل ألا يصير كثيرًا فيضر بالعقل، فكذلك القليل من الهوى يضر بالقلب فلا تستصغره. فأول الذنب نكثة، أول الذنب ماذا؟ نكثة، وهي بداية الانحراف، بداية الانحراف نقطة واحدة لا تكاد تراها ولكنها هي بداية الانحراف والخروج عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي به تكون محبة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وأين سكر الهوى والدنيا إلى سكر الخمر؟ أي أعظم. وكيف يومع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى؟ لا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضي المسكين بالدون وباء حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن، صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون». وهذه هي حقيقة من أشرب قلبه بهوى نفسه بمتاع الدنيا الزائل، سواء كان مالًا أو كان غيرها من أنواع الشهوات التي تصرف القلب عن محبة الله سبحانه وتعالى. ولهذا حرم الإسلام أنواعًا وأصنافًا من المحرمات؛ لأنها تضر بعبودية العبد لربه ومولاه سبحانه وتعالى. وكلما عظم هذا المزاحم عظم جرم ذاك الذنب، حتى تصير بعضها شركًا وكفرًا وردة لقدر تلك المزاحمة. فلما صارت المزاحمة درجات صارت الذنوب والمعاصي والمخالفات كذلك درجات توجب دركات من غضب الله سبحانه وتعالى وعذابه وعقابه. وهكذا كذلك لما كانت المحبة يتوصل إليها بأنواع الطاعات، كانت الطاعات كذلك درجات موجبة لرضوان الله سبحانه وتعالى ونعيمه في تلك الدرجات عنده سبحانه وتعالى. فالمهم هو أن يخلص العبد قلبه من الهوى الذي ينافي الافتقار إلى الله والغنى وحبه سبحانه وتعالى وحده. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ورشدنا وأن يبعدنا عن هوى أنفسنا. والحمد لله رب العالمين.