طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 23

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 23

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 23، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم التوكل على الله وعلاقته بالأسباب

يشرح المقطع مفهوم التوكل على الله وفقًا لمنهج أهل السنة، ويبين أهمية الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله. التوكل الصحيح يتطلب معرفة الله حق المعرفة.

حقيقة الافتقار والاستغناء بالله

الاستغناء بالله يتم بالافتقار إليه، والافتقار درجات تتدرج مع توفيق الله للعبد. الافتقار والاستغناء متلازمتان ولا يتحقق الاستغناء إلا بالافتقار.

تفاصيل العبودية ونعت الفقير

يناقش المقطع مفهوم العبودية وحدودها، ويشرح نعت الفقير بثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره. بعض العبارات تحتاج إلى تفصيل لتمييز المعاني الصحيحة.

حفظ الافتقار إلى الله وتفاصيله

حفظ الافتقار يعني صيانته من أن يكون فيه ما ينافيه، مثل الالتفات إلى غير الله. يتضمن حفظه من كل سبب يفسده وكتمانه قدر الإمكان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغناء. قال يحيى بن معاد: «الفقر أن لا يستغني بشيء غير الله، ورسمه عدم الأسباب كلها». قال: قلت: يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية وتفردي بالأزلية. معنى كلامه ظاهر، رحمه الله. يعني أن الاستغناء بالله والافتقار إليه لا يتم، لا يتم الافتقار إلى الله إلا بأن تستغني به سبحانه وتعالى وحده عما سواه، ورسمه أي وصفه عدم الأسباب كلها. هنا يقول: عدم الأسباب ظاهر كلامه ليس بجيد، ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله حمله على المحمل الحسن بتغليب حسن الظن، فقال: يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، إلى آخر كلامه. ومعنى لا تعتمد على الأسباب، ولكن اعتمد على مسبب الأسباب، وذلك أنك إذا اعتمدت على مسبب الأسباب الذي بيده كل شيء، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فإنك لا ترى الأسباب شيئًا، وجودها كعدمها. فمهما أقبلت أو أدبرت فأنت لا تبالي بها. لكن لا شك، وهذا كذلك من العقيدة، لا تترك الأسباب، بل ينبغي الأخذ بالأسباب كما أمر الله سبحانه وتعالى، سواء الأسباب الشرعية أو الأسباب الكونية. فجعل الله عز وجل أسبابًا وأمرنا بتحصيلها. ولهذا كان الناس في الأسباب طرفان ووسط، فمنهم من غلا فيها، ومنهم من بالغ في نفيها، وقول أهل السنة هو الوسط، أثبت وجود الأسباب، ولكن نهوا عن الاعتماد عليها. فيأمرون بالأخذ بالأسباب مع الاعتماد والتوكل على الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل»، ليس توكل بدون عقل، وهو الأخذ بالسبب. والمعنى: خذ بالأسباب الذي تحفظ به ناقتك حتى لا تشرد عليك، وتوكل على الله. أما تتركها غير مربوطة ثم تقول: توكلت على الله، أنت وإنما توكلت، هذا لا يسمى توكلًا، وإنما ماذا؟ تواكلًا. التوكل أن تأخذ بالسبب، وماذا؟ وتتوكل على الله. ولهذا كم مرة معنا في دروس سابقة، أكثر من مرة، لا يتم التوكل إلا بثلاثة أمور. ما هي هذه الأمور الثلاثة؟ نعم، من الجواب: لا يتم التوكل إلا بثلاثة أمور. من يجيب؟ الأول عند من؟ ما نريد رمية من غير رامي، نريد رمية من رامي. ها، ما هي عندك؟ نعم، الأخذ بالأسباب واحد منها، الأخذ بالأسباب واحد منها، لكن أولها وأعظمها معرفة الله سبحانه وتعالى بربوبية، أولوية، أسماء وصفات. هذه المعرفة هي التي تورث الثقة، تعلق القلب ثقة به، التوكل عليه. إذا لم يعرف الله سبحانه وتعالى حق المعرفة لم يتحقق التوكل، فلهذا قال ابن القيم رحمه الله: لا يتصور توكل عند معطل، ولا فيلسوف. المعطلة ما يتصور منهم توكل أبدًا، ولا المتفلسفة، فسائر أهل الأهواء الذين ظلوا في عقائدهم لم يعرفوا الله حق معرفته، فلهذا لا يتصور منهم توكل صحيح. والثاني هو الأخذ بالأسباب، والثالث هو الاعتماد على مسبب الأسباب لا الأسباب. هذه ثلاثة أمور لا يتم التوكل إلا بها، وهنا يصح: «وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد». كيف تفوض أمرك إلى الله إذا أنت لم تعرف الله عز وجل في أسمائه، صفاته، ربوبيته وألوهيته؟ فإذا فهمنا هذا علمنا أن قول أهل السنة في الأسباب قول عزيز. وأكثر الوعاظ والزهاد الذين ينقل عنهم العلماء عبارات الزهد والوعظ عندهم خلل في العقيدة، كثير منهم، كثير منهم. لا نقول أكثر، لكن من باب الزيادة في التحري والإنصاف، كثير منهم عنده خلل في العقيدة. ومن هؤلاء يحيى بن معاذ الرازي، فقد نقل عنه أنه كان عنده شيء من الإرجاء، فذكر بعض أهل التاريخ أنه كان عنده شيء من الإرجاء، وإن كان هو من نسبت إليه المعاذية، أحد فرق المرجئة، فهذا أشد. فقد نسبت إلى يحيى بن معاذ الرازي، ووعظهم ذكره أنه هذا. فلذلك يحتاط الإنسان ويحذر من بعض العبارات الموهمة والمشبوهة التي ترد عن بعض الوعاظ، لأنه يوجد فيهم الكثير ممن ليس عنده صفاء في باب العقائد، وهذا بسبب الانشغال بالعبادة وتغليبها والزهد والوعظ على العلم. وهذه ثمرة ذلك قد تحصل منهم فلتات وسقطات في بعض المسائل. فإذا عبارة يحيى بن معاذ ها هنا حملها على المحمل الحسن وحسن الظن بها يكون بتفسير الإمام ابن القيم رحمه الله هنا، وإلا ظاهرها نفي الأسباب، وهذا ليس بصحيح لا شك. قال رحمه الله تعالى: وسئل محمد بن عبد الله الفرغاني عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به، أيهما أكمل؟ فقال: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، وإذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل؟ لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر. قال قلت: والقائل هو الإمام ابن القيم رحمه الله. قال: «الاستغناء بالله وعين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد، لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به، فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه، فهي حقيقة واحدة ومقام واحد، يسمى غنى بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، وفقرًا بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله عز وجل، فهي همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفره عن الغير غنى، وسفرها إلى الله فقر. فإذا وصلت إليه استغنت به لكمال فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول، وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول». وهذا ظاهر. والمعنى أنه لا فرق بين الاستغناء والافتقار، لأن الاستغناء إنما يتم بالافتقار، إذا اعترفت بفقرك وافتقارك إلى الله سبحانه وتعالى استغنيت به عما سواه. ولهذا قال رحمه الله: «أحدهما سفر إلى الآخر»، أي أن الفقير المعترف بفقره يسافر إلى من يغنيه فيتصل به، فإذن هما شيء واحد، هما شيء واحد لا يقعان إلا متلازمان. وإن كان في الحقيقة هما فعلان، ولكن هذان الفعلان متلازمان، من تحقق منه الاعتراف بالفقر لابد أن يتحقق معه الاستغناء بالله سبحانه وتعالى. أنت تفتقر إلى الله وحده تعترف بذلك، فتتجه إليه وتستغني به عما سواه. وهذا إذا تم الافتقار الكامل، وأما إذا كان جزئيًا فلا يتم الاستغناء. ماذا؟ الكامل يكون كذلك الاستغناء جزئيًا، الاستغناء جزئيًا. ولذلك تجد الكثير من الناس إلا من رحم الله افتقاره إلى الله في أمور الآخرة، وأما في أمور الدنيا فافتقارهم إلى الدنيا، وهذا خطأ. بل يكون الافتقار إلى الله في الأمرين معًا، في أمور الآخرة وفي أمور الدنيا، لا نفصل الدنيا عن الآخرة، ولا نفصل الدين عن الدنيا، وهذا هو مذهب أهل السنة. فصل الدين عن الدنيا. وقوله: «فقر آخر غير فقرها الأول»، كما تقدم أن الفقر درجات. فأنت تفتقر إلى الله عز وجل فتعترف بفقرك إذ أوجدك من العدم، ثم تفتقر إليه أن أوجدك على هذا النقص، فتعترف بنقصك وحاجتك إلى خالقك ومدبرك، فأنت كذلك تلجأ إليه. وبعد لجوءك إليه وتوفيق الله عز وجل، فأنت تفتقر أنه لولا أن الله منّ عليه واختصك بهذا التوفيق لما وفقت، وهذا افتقار آخر. وهكذا إذا وفقت افتقرت افتقار آخر أن يثبتك الله على هذا الخير الذي وفقت إليه، فأنت لا تزال تنتقل من افتقار إلى افتقار، وتستغني بالله عز وجل وحده أن يثبتك على هذا الاستغناء به جل وعلا. قال: وسئل رويم عن الفقر، فقال: «إرسال النفسي في أحكام الله تعالى». وهذه عبارات متقاربة تدل على معنى الفقر من أوجه مختلفة، فأحدهم ينظر إلى الفعل، وأحدهم ينظر إلى الوصف، وأحدهم ينظر إلى بعض أوصاف هذا الفقر. قال قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، وإن أراد الحكم الكوني القدري فلا يصح هذا على الإطلاق، بل لا بد فيه من التفصيل كما تقدم بيانه. وإرسال النفسي في أحكامه التي يسخطها ويضيقها، أو إرسالها في أحكامه التي يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن العبودية. وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره. أما العبارة الأولى فكما ذكر رحمه الله، وهذه من العبارات المشتبهة المنقولة عن بعض هؤلاء الوعاظ والزهاد، ولهذا فصل فيها وبين أنه إن أراد الحكم الشرعي فصحيح. أنك ترسل نفسك في أحكام الله تعالى، معناه تتابع وتدين ولا تتمرد، وهذا صحيح. الله أمرنا بذلك، إن الحكم إلا لله، أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وغير ذلك. فهذا صحيح بهذا الاعتبار. أما إن أراد الحكم الكوني القدري، وقد تقدم معنا قبل أيام في دروس سابقة أن هذا مذهب من مذاهب أهل الضلال، وذلك أنهم ينفون القدرة للإنسان، ينفون قدرة الإنسان، وهذا قول من؟ قول القدرية، غلاة القدرية. نفاه غلاه، هل القدرية ينفون قدرة الإنسان؟ المرجئة الذين ينفون قدرة الإنسان، وأكثر الوعاظ والزهاد ماذا؟ مرجئة، غلوا في باب الرجاء مع الله سبحانه وتعالى، غلوا في باب الرجاء مع الله سبحانه وتعالى. لهذه العبارة بهذا المعنى ليست بصحيحة. فلا يصح أن يقال: «ارسل نفسك في أحكام الله القدرية الكونية»، لأن معناه ماذا؟ معناه أن لا ترد القدر بالقدر. ونحن أمرنا شرعًا أن نرد القدر ماذا؟ بالقدر. فكما أنك ترد النار التي أحرقت بيتك وهو من قدر الله بأن تطفئها، وفعلك في إطفائها ماذا؟ من قدر الله. فكذلك أنت مأمور في الأقدار الأخرى أن تردها بقدر الله. ابتليت بشيء لا يحبه الله، فلا تقول: قدر الله علي ذلك، إذن الله رضي لي بهذا، هو أعلم بما هو أفضل لي، وهذا خطأ. بل هذا معناه الخروج من الدين، يبقى الكافر على كفره، والعاصي على معصيته، والفاسق على فسقه، وهذا ليس بالصحيح. فكما أنك ترد الجوع بالشبع، ترد العطش بالري، وترد كذلك القحط بالسقية، وترد الحريق بإطفائه، والغريق بإنقاذه، وكل هذا من قدر الله الأول والثاني. فكذلك فيما ابتلاك الله في الأمور الدينية قدرًا، فإذا ابتلاك الله في الأمور الدينية قدرًا، فأنت ترد هذا القدر بالقدر، ترد هذا القدر بالقدر. ابتليت برفيق سوء، اترك رفيق السوء وابحث عن رفيق صالح، وهكذا. وهذا هو قوله رحمه الله، وقد تقدم معنا كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في رد هذه الشبهة. فإذا كلامها هنا فيه إطلاق، فإن قيده في أحكام الله الشرعية كان صحيحًا، وإن أراد أحكام الكونية فهو باطل، بل هو من عقيدة المرجئة. قال رحمه الله تعالى: قلت: حفظ السر كتمانه، صيانة له من الأغيار، وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرف ولا يؤمن عليه. وأداء الفرض قيام بحق العبودية، وصيانة الفقر حفظه عن لوثي مساكنة الأغيار. ومعنى الأغيار يعني المغاير. فنعت الفقر ثلاثة: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره. فبين رحمه الله حفظ السر أي كتمانه، وصيانته له مما ينافيه من غيره، وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرف ولا يؤمن عليه. يعني أنك تحفظ ما أمرت بحفظه لأجل أن يبقى على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. وهذا كذلك من العبارات التي فيها ما فيها. فإن أراد بحفظ السر الشرع المأذون فيه، وما كذلك أمر بحفظه على الوجه الشرعي، فهذا صحيح. وإن أراد به ما يظنه المتصوفة ومن ضل في هذا الباب من أن لله أسرارًا جعلها لبعض الناس، يسعهم معها الخروج عن الشريعة أو كشف الغيب أو غير ذلك من المعاني الباطلة، فهذا ليس بالصحيح. فيقولون: الشيخ الفلاني عارف بالله، عنده سر الله. إيش سر الله؟ يزعمون أنه يعلم الغيب أو يزعمون أنه يستطيع أن يصل إلى ما لا يصل إليه إلا الله، ونحو ذلك من العبارات الضالة. فلذلك كذلك هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل، تحتاج إلى تفصيل. وقوله: «أداء الفرض قيام بحق العبودية»، يعني واضح أن الفقير هو الذي يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه. فإذا أدى ما فرض الله عز وجل عليه أثبت أنه مفتقر إلى الله. وصيانة فقره أي حفظه من أن يكون فيه ما ينافيه، بأن يلتفت إلى غير الله، أو كذلك يفعل ما ينافي الافتقار إلى الله. وهذا هو قوله: «وحفظه عن كل سبب يفسده، وكتمانه ما استطاع»، يعني حفظ هذا الافتقار من أن يصيبه ما يعكره ويفسده بالالتفات لغير الله. نقف إلى هنا إن شاء الله، والله تعالى.