الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 81، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ آراء الإمام ابن القيم حول تقسيم الناس إلى أربع طوائف في الإيمان بقدرة الله وحكمته. يصف الطوائف الأربع وآرائهم المختلفة في هذا الشأن.
الفرقة الرابعة آمنت بالكتاب كله وأقرت بالحق جميعه، وهم أهل البصر التام وأولى لهم العمل مطلقا. يؤكد على أهمية الإيمان بخلق الله وأمره بقدره وشرعه.
يشرح أهمية تكرار إثبات الحق ودفع التهم الكاذبة عن دعوة أهل السنة. يؤكد أن تكرار النصائح ليس لأجل صاحب الحق بل لأجل من لم يسمعها أو ينتفع بها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «والناس في هذا المقام أربع طوائف، الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته، فلا يثبتون له تعالى قدرة ولا حكمة، كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلا مختارا، وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار. وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية، وهم من أشد الناس تناقضا، إذ لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار. وإنما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى الرب تعالى إرادة ولا حكمة. وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل والكتب، وهم مخالفون لصريح العقل والفطرة، قد نسبوا الرب تعالى إلى أعظم النقص، وجعلوا كل قادر مريد مختار أكمل منهم. والمعنى: إذا كان يقولون أن المخلوقات، وهي فيها نقص، قادرة مريدة مختارة بما يرون في هذه الدنيا، فكيف يحيلون ذلك أن يكون لله عز وجل؟ قال: «وإن كان من كان، بل سلبهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير، لأن عباد الأصنام أثبتوا لله الكمالات وأشركوا معه غيره، وأما هؤلاء فأثبتوا الكمالات للمخلوقات ونفوها عن الله عز وجل، فجعلوا المخلوقات عندهم من الصفات أعظم مما عند الخالق. ولهذا كان كما قال رحمه الله: عندهم من التناقض الشيء الكبير، كيف يثبتون خالقا ثم يثبتون للمخلوقات من الصفات ما هي منفية عن الخالق؟». قال رحمه الله تعالى: «وشر من قول النصارى: إنه تعالى عن قولهم ثالث ثلاثة، وإن له صاحبة وولدا، فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة وفعلا اختياريا وحكمة، ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به. وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية، وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا معنى. وهؤلاء شرٌّ من تلك الفرق الأربع، ولهذا ابتدأ بها رحمه الله كما سيأتي». قال رحمه الله تعالى: «والطائفة الثانية أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات، وجحدت حكمته وماله في خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه، التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها. فحافظت على القدر وجحدت الحكمة. ومعنى حافظت على: إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى وعموم مشيئته، ولكن جحدت الحكم. قالوا: هؤلاء هم النافون للتعليل والأسباب والقوى والطبائع في المخلوقات، فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء. وليس في القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبب ولا باء تسبيب. وكل لام توهم التعليل فهي عندهم لام العاقبة، وكل باء تشعر بالتسبيب فهي عندهم باء المصاحبة. وهذا تكذيب للشرع وتعطيل للنصوص، فالنصوص الشرعية وهكذا كذلك الفطر السوية تقضي إثبات الحكم لله عز وجل. كيف يمكن أن يقال أن المخلوقات خلقت بغير حكمة؟». قال رحمه الله تعالى: «وهؤلاء سلطوا نفاة القدر عليهم بما نفوه من الحكمة والتعليل والأسباب، فاستطالوا عليهم بذلك، وجدوا مقالا واسعا بالشناعة، فقالوا وشنعوا. والعمر الله إنهم لمحقون في أكثر ما شنعوا عليهم به، يعني بين القدرية والجبرية، فهؤلاء جبرية وأولئك القدرية المعتزلة. قال: إذ نفي الحكمة والتعليل والأسباب له لوازم في غاية الشناعة والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء، يعني نفي العلة والحكمة يستلزم أشياء شنيعة، وهذا من أبطل الباطل». قال رحمه الله تعالى: «والطائفة الثالثة أقرت بحكمته وأثبتت الأسباب والعلل والغايات في أفعاله وأحكامه، وجحدت بكمال قدرته، فنفت قدرته على شطر العالم، وهو أشرف ما فيه من أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم. بل عندهم هذه كلها لا تدخل تحت مقدوره تعالى، ولا يوصف بالقدرة عليها، ولا هي داخلة تحت مشيئته ولا ملكه. وليس بمقدوره عندهم من يجعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والموفق موفقا، بل هو الذي جعل نفسه كذلك. وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس كانت بغير مشيئته واختياره، تعالى الله عن قولهم. وهؤلاء سلطوا عليهم مفات الحكمة والتعليل والأسباب، فمزقوهم كل ممزق، ووجدوا طريقا مهيعا إلى الشناعة عليهم وإبداء تناقضهم. فقالوا وشنعوا ورموهم بكل داهية، إذ نفي قدرة الرب تعالى على شطر المملكة له لوازم في غاية الشناعة والقبح والفساد، والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء. ونفي التزامها تناقض بين، فصار مذبذبين بين التناقض، وهو أحسن حاليهم، وبين التزام تلك العظائم التي تخرج عن الإيمان. كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك. وهؤلاء هم القدرية النفاة أو طائفة من القدرية النفاة كالمعتزلة والرافضة وغيرهم. قال: فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فآمنوا بالكتاب كله، وأقروا بالحق جميعه، ووافقوا كل واحدة من الطائفتين على ما معها من الحق، وخالفوهم فيما قالوا من الباطل. فآمنوا بخلق الله وأمره بقدره وشرعه، وأنه سبحانه المحمود على خلقه وأمره، وأن له الحكمة البالغة والنعمة السابقة، وأنه على كل شيء قدير، فلا يخرج عن مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها، كما لا يخرج عن علمه. وكل ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته. وآمنوا مع ذلك بأن له الحجة على خلقه، وأنه لا حجة لأحد عليه، بل لله الحجة البالغة، وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، بل كان تعذيبهم عدلا منه وحكمه، لا بمحض المشيئة المجردة عن السبب والحكمة كما يقوله الجبرية، وهي الطائفة الثانية. ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم، بل يؤمنون به ولا يحتجون به، ويعلمون أن الله سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه، وأن المعاصي من نفوسهم الظالمة الجاهلة، وأنهم هم جناتها وهم الذين اجترحوها، ولا يحملونها على القضاء والقدر. ما علمهم بشمول قضائه وقدره لما في العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان، وأن مشيئة الله سبحانه محيطة بذلك كإحاطة علمه به. قالوا: إنه لو شاء لا يعصى، لما عصي، وأنه سبحانه أعز وأجل من أن يعصى قسرا، والعباد أقل من ذلك وأهون، وأنه ما شاء الله كان، وكل كائن فهو بمشيئته، وما لم يشاء لم يكن، وما لم يكن فلعدم مشيئته، فله الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله القدرة التامة والحكمة البالغة. فهذه الطائفة هم أهل البصر التام، والأولى لهم العمل مطلقا. والثانية والثالثة عور، أما الأولى لأنهم نفوا كل شيء بالقدر، وأما الثانية لأنهم أثبتوا بعض القدر ونفوا بعضه، والثالثة كذلك أثبتوا ما نفاه الثانية ونفوا ما أثبته الثانية، فكانوا عور. ولا يتم الإيمان بالقدر كما تقدم معنا حتى يتم الإيمان بأربعة مراتب، ما هي هذه المراتب الأربع؟ العلم والمشيئة والقدرة والخلق. فلذلك من لم يثبت هذه المراتب الأربعة فإنه لم يؤمن بالقدر حقا وصدقا. فمن نفى هذه الأربعة كان مشابها للفرقة الأولى، ومن نفى بعضها وأثبت بعضها كان مشابها للفرقة الثانية أو الثالثة. نعم، الكتابة تدخل في العلم، والكتابة والمشيئة والخلق والقدرة، تدخل في المشيئة والقدرة. فهذه الأربعة بالاستقراء علم أن من ضل بالقدر ضل في واحد من هذه الأربعة. فإذا نفاها كلها فهو ليس بمؤمن بالقدر، وهو كافر بالله عز وجل. وإذا أثبت بعضها ونفى بعضها فهو يعتبر مبتدعا ضالا كالجبرية والقدرية. ومن أثبتها كلها فهو المؤمن حقا وصدقا، وهو المؤمن بالقدر. وهذا هو نصيب الفرقة الرابعة كما ذكر رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «والثانية والثالثة عور، كل طائفة منهما لهم عين، ومع هذا فسر العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها أو كاد، لأن ما أثبتوه حتى ما أثبتوه لم يثبتوه على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وهذا لازم كل معطل، لازم كل معطل أنه لا يثبت الشيء على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى، سواء كان في باب القدر أو باب الأسماء والصفات أو غيرها من الأبواب الأخرى. فهذا الذي نفى الحكمة والتعليل ثم أثبت علم الله سبحانه وتعالى السابق وكتابته ومشيئته، لم يثبتها على الوجه الذي أراده الله. لو أثبتها على الوجه الذي أراده الله لم ينفي الحكمة. والعكس عند القدرية النفاة، فإنهم كذلك حين نفوا المشيئة، فنفيهم للمشيئة تعطيل لما أثبتوه من القدر. ولهذا تجدهم يستلزمون هذا اللازم فيمن يثبتونه حتى بباب الأسماء والصفات، مثلا المعتزلة يثبتون الأسماء دون الصفات، ولكنهم يعطلون هذه الأسماء عن الصفات، فإثباتهم للأسماء صار حقيقة ليس على الوجه الذي أراده الله، بل إثبات فيه تعطيل. وهم يقولون: سميع بلا سمع، حليم بلا علم، بصير بلا بصر. إذن ما فائدة اسم بصير إذا كان بلا بصر؟ ما فائدة اسم سميع إذا كان بدون سمع؟ وهكذا. والكلابية والأشاعرة والماتريدية حين أثبتوا بعض الصفات كالصفات السبع ونحوها، أثبتوها كذلك معطلة. فهم مهما ادعوا أنهم أثبتوا شيئا لأنهم نفوا والآخر أثر نفيهم على إثباتهم. وهذا هو قول رحمه الله: أن العمى سرى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فلا يتم. وتأمل قول أهل السنة: لا يتم الإيمان بالقدر حتى يتم الإيمان بهذه المراتب الأربعة، لأنه إذا لم يثبتها سرى هذا التعطيل على ما أثبتوه. قال رحمه الله: «ولا يستنكر تكرار هذه الكلمات من يعلم شدة الحاجة إليها وضرورة النفوس إليها، فلو تكررت ما تكررت، فالحاجة إليها في محل الضرورة. والله المستعان». والمعنى كأنه يقول ويعتذر عن تكرار ما كتبه ها هنا أو ما يكتبه ويتكلم به أهل السنة في إثبات مباحث القدر وتكرار ما يكتب في هذا الباب، فهو كما قال رحمه الله لأجل أن يبالغ في إثبات هذا الحق. فلذلك ينبغي أن نعلم هذه فائدة من الفوائد التي نستفيدها من أساليب إثبات العلم، تكراره لا لأجل صاحب الحق، ولكن لأجل صاحب الباطل. فأحيانا تضطر أنك تكرر الشيء المعلوم لأجل أن تثبته وتقرر ثبوته وتؤكد ذلك، مثلا مكافحة الإرهاب والفكر المنحرف، قد إذا تكلم فيه بعض دعاة أهل السنة وبالغوا في الكلام فيه، يظن بعض من يسمع ذلك ويتكرر أن هذا مما لا حاجة له، وأنه قد حصل زيادة فيه، وهذا ليس بصحيح. لأنك لا تنظر إلى نفسك، ولكن انظر إلى من ينتفع بهذا الخطاب وهذا التكرار ممن قد لا ينتفع بالخطاب الأول ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع ولا العاشر، لكونه لم يسمع الأول أو الثاني أو الثالث. وأمر آخر كذلك أنت تقرر شيئا تريد به عدة معاني من المعاني، أنك تريد أن تظهر التميز بين دعوة أهل الحق ودعوة أهل الباطل. فيوجد من أعداء الإسلام من يريد أن يلبس هذا اللباس الباطل على أهل السنة وأهل الحق، فأنت حين تستمر بهذا التحذير لا أحد يستطيع أن يلبسك هذا اللباس. من أراد أن يلبسك هذا اللباس كذب، وقيل له: أنت تريد أن تلبس لباس من هو من أشد الناس إنكارا عليه. لما يأتي اليوم في مثل هذا الوقت يأتينا رجل اشتراكي ما عرف الدين ولا المساجد، ويقول: هؤلاء هم الإرهاب، وهؤلاء أصحاب الفكر الإرهابي، وهو ما عرف الإسلام ولا عرف أصلا أهل الإرهاب، إنما مثل الببغاء سمع كلاما يقوله بعض الصحفيين أو الكفار، أخذه ورماه على من أمامه في المساجد. هذا يعتبر غاية في البغي والعدوان. وأعظم من هذا أن ترمي من تصدى لهذا الفكر المنحرف وبذل الأنفس والأموال والأعراض والوقت في الحفاظ عن الدين، حين لم تقف معهم لا دولة ولم تقبض معهم أي جهة، فعلوا هذا لله سبحانه وتعالى. وما أحد استطاع أن يكشف عوار هذه الفرق المنحرفة مثل أهل السنة والجماعة، لأنهم هم أعلم الناس وأبصر الناس بذلك. كالطبيب طبيب الذي يعرف الأدواء أمراض الجسد، هو الذي يشخص الأمراض، وهو الذي يستطيع أن يشخص العلاج. وعلماء أهل السنة والجماعة هم أطباء هذا الباب، فهم الذين يعرفون الأمراض، وهم الذين يشخصون العلاج. فلما يأتي إنسان بعيد كل البعد عن هذا الباب، فيضع وصف المرض لغير صاحبه، أو يشخص العلاج بغير صوابه، كيف يستمع لمثل هؤلاء؟ كيف يستمع لمثل هؤلاء؟ ولهذا قد يحتاج أن صاحب الحق يكرر النصائح، يكرر النصائح. أولا: لأجل النصيحة للناس، فقد يكون في المجتمع من لم يسمع النصيحة الأولى أو الثالثة أو العاشرة. والثاني: يدفع عن هذه الدعوة المباركة التهم الكاذبة والتلفيقات الظالمة. وهذا مثال يقرب المعنى. وهكذا باب القدر، فالإمام ابن القيم رحمه الله أكثر في هذا الكتاب من الكلام على هذا الموضوع لأجل الرد على هؤلاء، وكذلك تأكيد ما عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب، حتى لا يلتبس هذا الباب. إلى هنا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.