الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 86، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء القدرية المجوسية الذين ينفون ملك الله عن أفعال العباد، بينما يثبت أتباع الرسل ملك الله وقدرته. كما ينتقد نفي الحكمة والأسباب من قبل بعض مثبتة القدر.
يناقش المؤلف مذهب القدرية المجوسية ويبين أنه يؤدي إلى نفي كمال ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته. كما ينتقد فكرة نفي الأسباب والقوة والطبائع في أفعال الله.
يشرح كيف أن الخلل في عقيدة أهل البدع في باب القدر يؤدي إلى خلل في معاني الحمد والربوبية والألوهية والأسماء والصفات، مع ذكر أمثلة للفرق التي ضلت في هذا الباب.
يؤكد أن الخلل في باب القدر يؤدي إلى خلل في جوانب عقدية متعددة، ومنها ما يتعلق بالحمد، مشيراً إلى أن هذا هو المحور الذي يسعى الكلام إلى الوصول إليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمؤمنين من ملكه، كما يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلًا تحت ملكه وقدرته، ويثبتون له كمال الحمد أيضًا، وأنه المحمود على جميع ذلك، وعلى كل ما خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل». وأما نفي الحكمة والأسباب من مُثبت القدر، وهم في الحقيقة لا يُثبتون له حمدًا كما لا يُثبتون له الحكمة، فإن الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئًا لشيء، فيزيد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله. فأما من لا يفعل شيئًا لشيء البتة، فلا يُتصور في حقه الحكمة. وهؤلاء يقولون: ليس في أفعاله وأحكامه تعليل، وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع مصالح، فإنما اقترنت بها اقترانًا عاديًا، لا أن هذا كان لأجل هذا، ولا شاء السبب لأجل المسبب، بل لا سبب عندهم ولا مسبب البتة. إنه إلا محض المشيئة وصرف الإرادة، ترجح مثلًا على مثل بلا مرجح أصلًا. وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوة تكون أسبابًا لحركاتها، ولفي العين قوة امتازت بها على الرجل تبصر بها، ولفي القلب قوة يعقل بها امتاز بها على الظهر. بل جعل سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل، تخصيصًا لمثل على مثل بلا سبب أصلًا ولا حكمة. فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحكمة، كما لم يثبت له أولئك كمال الملك. وكل القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة. ولهذا كان منكر الأسباب والقوة والطبائع يقولون: العقل نوع من العلوم الضرورية، كما قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما. وقد نص أحمد على أنه غريزة، وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما. وأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سببًا، وأبطلوا مسميات هذه الأسباب الأسماء جملة، وقالوا: إنما في الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها، بل اتفق اقترانها بها أمرًا اتفاقيًا، كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات. والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي. وهم فريقان: أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة، وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنصنا وإجماع، فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة الشبهية. أورد المؤلف رحمه الله ههنا هذه الفقرات والعبارات في ذكر والتنبيه على مذهب القدرية المجوسية كالمعتزلة والرافضة ومن وافقهم في هذا المذهب، وهو نفي وإخراج أفعال العباد من خلق الله، وعلى وجه الخصوص زعمهم أن الله لا يخلق الشر البتة، وينفون أن يكون الله خلق وأوجد في كونه شيء من الشر. وهؤلاء سموا بالمجوسية لأنهم شابهوا المجوس في إثبات خالق للخير وخالق للشر. ومن كان هذا حاله كالمعتزلة والرافضة بفرقهم، فهم على هذا المذهب، فهم لا يثبتون لله حمدًا كاملًا، بل حمدهم ناقص قاصر. بل معاني إثبات كمال ربوبية والألوهية والأسماء والصفات كذلك ناقص. فمن أثبت ربًا يقتصد معاني ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته في الخير دون الشر، أثبت ماذا؟ ربًا ناقصًا ليس بكامل. فكيف يكون حمد هذا الرب الناقص؟ سيكون كذلك حمدًا ناقصًا. وهذا هو الذي أراد أن يصل إليه الإمام ابن القيم رحمه الله: أن أثر الخلل في عقيدة أهل البدع في باب القدر يتبعه خلل في معاني الحمد، بل ومعاني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وهكذا كذلك الفرق الأخرى التي ضلت في باب القدر، وهم القدرية الجبرية كالكلابية والأشاعرة والماتريدية، وكثير من الصوفية، فأكثر الصوفية جبرية في باب القدر، فهم على مذهب الكلابية والأشاعرة والماتريدية. وهؤلاء كما ذكر رحمه الله ينفون الحكم والعلل عن أفعال الله سبحانه وتعالى، فهم لا يثبتون عللًا وحكمًا في أفعال الله. فإن سئلوا قالوا: إنما هو كما ذكر رحمه الله اقتران شيء بشيء، وخلق مثل على مثل، والمعنى أنه ليس هناك حكمة. فعندهم كما ذكر رحمه الله حتى في الأشياء الظاهرة تغابي وتعامي عن معالي العلل والحكم، لا يكاد يصدقها إنسان فضلًا عن مسلم فضلًا عن من عرف عظيم حكمة الله في خلقه. ولذلك كما ذكر رحمه الله: ليس عندهم في الأجسام طبائع وقوة تكون أسبابًا للحركات وحكمًا فيها، فيرون أنه ليس في العين قوة تمتاز عن الرجل، فتُفسر بها. يقول: العين والرجل سواء. كيف سواء؟ يقول: إنما هي أمثال جعل الله لهذا مثل وهذا مثل، فكأنها أجزاء من جسد ليس فيها حكم ولا علل. وهذا لا شك أنه غاية في التعامي والتغابي في معنى العلل والحكم. فكيف بما شرع الله في دينه وشرعه وفي كونه الواسع العظيم؟ فمن كان هذا منطقه وهذا مذهبه وعقيدته، لا شك أنه سيزيل معاني عظيمة وجليلة من معاني الحمد في شرعه وكونه. ومن كان هذا حاله لا يتصور منه أن يحمد الله حمدًا كاملًا يليق بجلال الله وعظمته. بل كذلك إثباته لمعاني الربوبية والأسماء الصفات والألوهية سيكون كذلك قاصرًا ناقصًا، لأنه لم يثبت للرب العظيم معاني العلل والحكم التي يكون بها إثبات كمال ربوبيته وألوهيته وكماله بأسمائه وصفاته. فإذا كان كذلك، فالخلل في باب الأسماء في باب القدر يستلزم منه خلل في جوانب عقدية كثيرة، ومنها ما يتعلق بالحمد. وهذا هو الذي أراد أن يصل إليه.