طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 93

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 93

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 93، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية الكل يوم هو في شأن

يفسر المقطع آية الكل يوم هو في شأن بأنها تشير إلى تصرف الله التام في ملكه وتغيير أحوال خلقه بمقتضى حكمته. يُبين أن الله سبحانه وتعالى يحمد على كل شيء لكونه محمودا في ملكه وقدرته.

علاقة الحمد بالملك ورفع الأعمال

يتناول المقطع علاقة الحمد بالملك حيث يبين أن الملك والحمد متلازمان في حق الله تعالى. كما يتطرق إلى موضوع رفع أعمال العباد إلى الله في ساعات معينة مع التشكيك في صحة الإسناد لبعض الآثار.

معنى تبارك الله وعلاقته بحمد الله

يفسر المقطع معنى تبارك الله وعلاقته بحمد الله تعالى، حيث يشمل تبارك الله حمد الشكر والعبودية وحمد الثناء والمدح. يذكر أن الله يحمد نفسه لينبه عباده على أن كل ما خلقه وأمر به يستحق الحمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتنبيه في درس الدرس الماضي، الدرس السابق حصل لسان، إيش كانت الكلمة؟ الذي كان شيء، كان المفروض أن أقول فيه للإنسان: قلت لله ما اختاره الله لنفسه خير مما يختاره الله لعبده. أنا قلت: خير مما يختاره الله لنفسه، الصواب: لعبده. طيب، يعني حول هذا كان السابق اللسان. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام من القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: وفي تفسير الحافظ ابن مردويه، من حديث الحماني، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين». والحديث أشار في التعليق أنه رواه كذلك ابن ماجة، وابن حبان من حديث أبي الدرداء مرفوعًا، وقد حسنه غير واحد، ورجح بعض الحفاظ الموقوف، فهو بين أن يكون موقوفًا مرفوعًا. فما كان موقوفًا فله معنى حكم الرفع، والشاهد منه أن الله عز وجل، من كماله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، تدبيره لأمر خلقه، أنه سبحانه وتعالى يغير من أحوال خلقه ومخلوقاته بما يشاء، بما تقتضيه حكمته، وهذا هو قوله سبحانه: أو من معاني تفسير قول الله عز وجل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، والمعنى: في شغل. وكذلك أحوال تتغير في خلقه، وهو إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، وهذا يكون بمقتضى حكمته. قال: وفيه أيضًا من حديث حماد بن سلمة، قال: حدثنا الزبير أبو عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن مسعود: «إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه، أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة، تعرض عليه أعمالكم بالأمس، ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب، فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، وتسبح حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن، فلا يبقى خلق لله بالسماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحونه ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن من الرحمة، فتلك ست ساعات، ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات، يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، فتلك تسع ساعات، ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فتلك ثنتا عشرة ساعة»، ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، ثم قال: «هذا شأنكم وشأن ربكم عز وجل». وذكره الطبراني في «المعجم الكبير» من وجه آخر، وهذا إسناد لا يصح، في أسانيده من ضعف، ومن هو مجهول، وانقطاع، وقد روي موقوفًا ولم يصح، وأشبه ما يكون بالإسرائيليات. ولكن المقصود هو إثبات أن الله عز وجل له شأن مع خلقه في اليوم والليلة، وهكذا كذلك في سائر أمورهم وعمرهم، وهذا لا شك، وبعض ما فيه تدل عليه بعض الأحاديث الصحيحة. فترفع أعمال العباد في بعض الساعات، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نزول الملائكة وعروجهم حين ترفع الأعمال، وذلك عند صلاة العصر والصبح، يعني كما ترون عند غروب وشروق الشمس، قبل الغروب وقبل الشروق. ومعناه أن الملائكة تنزل خاصة بالليل، وملائكة تنزل خاصة بالنهار. وقد ذكر هذا المعنى في هذا الأثر، فمعناه بالجملة له أصل، ولكن بهذا التفصيل ليس صحيح، ومثل هذه الأحكام تحتاج إلى دليل صحيح صريح تثبت به مثل هذه الأحكام. ولكن الشاهد هو تفسير الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فهو بمعنى ما جاء في أثر أبي الدرداء الذي روي موقوفًا ومرفوعًا. قال رحمه الله تعالى: وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفًا تامًا. وهذا التصرف الذي أشار إليه رحمه الله فيه ما هو خير، وفيه ما هو غير ذلك، وما هو ليس كذلك، فهو باعتبار ما يقع للعبد، وأما فعل الله فكله خير كما تقدمت أمثلة كثيرة توضحه وتجليه. قال رحمه الله تعالى: والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان، وكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجه عن حمده وحكمته. ولهذا يحمده سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده. ولهذا من الدعاء أننا نسبح ونحمد، نسبح الله ونحمده، لأنهما متلازمان، فهو الذي يستحق التسبيح، التنزيه عن كل نقص وعيب، وهو الذي يستحق الحمد، لأن أفعاله وصفاته كلها كمال موجب لأهل الحمد. والله جل وعلا يحمد لكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ويحمد لعظيم إنعامه على خلقه، فكل معنى المحامد له سبحانه وتعالى. ومن كان هذا حاله وشأنه فلا يكون في أفعاله وفي أمره ونهيه وقضائه وقدره إلا ما يستحق الحمد، فهو كله مما يحمد عليه. ولهذا يحمد الله عز وجل على الشر كما يحمد على الخير، لا باعتبار أنه شر، ولكن باعتبار لطف القضاء فيه أولًا، وعظيم حكمته بما علمه وما لا نعلمه ثانيًا. والعبد الذي عرف معنى العبودية واستيقن بكمال ربه ومولاه وخالقه، وأنه يختار له خير مما يختاره لنفسه، يكون هذا في قلبه يقينًا، مع برد وسلام وتسليم لكل قضاء الله وقدره. قال رحمه الله تعالى: ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به، حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعهم التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، يعني إذا قلت: تبارك الله رب العالمين، شمل الحمدين جميعًا، حمد الشكر والعبودية، فيحمد الله لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وحمد الثناء والمدح كذلك. قال: ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، والمعنى أن خلقه وأمره كله مما يستحق الحمد، ولهذا أتبع بهذا. والله تعالى أعلم.