الخطبة بعنوان فقه الصيام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 9 رمضان 1444هـ الموافق 31 مارس 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين أهمية الصيام في الإسلام وأنه سبب للارتقاء في درجات الإيمان، ويوضح حكم الجماع في نهار رمضان وكفارته. يُشدد على ضرورة إصلاح الصيام بالإمساك عن المفطرات والمحرمات.
ذكر أن الناس مع رمضان والصيام على خمس مراتب، تبدأ بمن يشبهون البهائم وتنتهي بمن وفقهم الله للصيام الحقيقي. يجب على المسلم أن يحرص على إصلاح صيامه بالإمساك عن المفطرات والمحرمات.
يجب على المسلم أن يعين نفسه على سلوك طريق الخير والطاعة في رمضان، ويبتعد عن أسباب الفساد. يجب على المسلم أن يجتهد في هذا الشهر بفعل الطاعات والقربات.
المقطع يتضمن دعاء لله سبحانه وتعالى بأن يهدي المسلمين ويصلح أحوالهم، ويطلب الإصلاح لولاة الأمور والمسلمين في مختلف البلدان. التأكيد على اتباع رضا الله وتقواه.
فقر الصيام في سلم الإيمان والارتفاع في درجات الإسلام، أيها المسلمون عباد الله، يحرص كل مسلم منا على أن يفتِ إسلامه ويبرهن إيمانه بصدق الإقبال على الله جل وعلا في هذا الشهر بإصلاح الصيام، وذلك بالإمساك عن سائر المفطرات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، أولها وأعظمها الجماع، فإن الجماع من أعظم المفطرات، فإنه لا يفطر فحسب، بل يكون على صاحبه كفارة مغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أدركني إني هلكت. أو قال: هلكت. وفي رواية: احترقت. قال: ما صنعت؟ قال: أتيت أهلي في نهار رمضان. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ التاسع من شهر رمضان لعام ألف وأربعمائة وأربعين من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، نحن في شهر عظيم وموسم كبير من مواسم الخيرات ومواضع الاجتهاد في الطاعات، جعله الله سبحانه وتعالى سببًا لنا في دخول أبواب رحمته والبعد عن أبواب سخطه وغضبه. جعله الله سبحانه وتعالى لنا سببًا للارتقاء في سلم الإيمان والارتفاع في درجات الإسلام، وللاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات. وهذا قليل من كثير من حكم وأسرار الصيام، إذ جعل الله عز وجل هذا الصيام سببًا لجلب التقوى والوصول إلى مرضاة الله، وإصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح القلب وإصلاح الجوارح، وإصلاح الأبدان وصحتها، وإصلاح الأُسر والمجتمعات، وإصلاح أحوال الناس في جوانب كثيرة من حياتهم. فرمضان يومه يوم آخر، وشهره شهر آخر، يختلف عن سائر أيام وأشهر العام. لذلك، عباد الله، يجب أن يكون له موضع في حياتنا يختلف عن سائر مواضع الأيام التي تمر علينا في الأعوام. لا بد أن يظهر من أقوالنا وأفعالنا وظاهرنا وباطننا وأحوال أعمالنا وقلوبنا ما نبرهن به على أننا فعلًا وصدقًا نريد ما عند الله. فلذلك، أيها المسلمون والمسلمات، الواجب علينا وقد وفقنا الله عز وجل لمثل هذا الموسم العظيم أن نبادر بأنواع الطاعات وصنوف القربات، وأن نجتهد في كل لحظة وحين فيه بأن نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نطهر قلوبنا من الخواطر السيئة والمقاصد الدنيئة، وأن نطهر أعيننا وجوارحنا من كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى. ذكر العلماء أن الناس مع رمضان والصيام على خمس مراتب. المرتبة الأولى: فهم الذين أشبهوا البهائم، فلم يعرفوا لهذا الشهر قدره ولا لهذا الصيام فضله، فعند ذلك هم عن هذا الشهر معرضون، وعن صيامه وفضائله غافلون. والصنف الآخر: عرفوا فضل هذا الشهر وفضائل الصيام، ولكنهم وقفوا عند الإمساك بالصيام عن الطعام والشراب والشهوة، بل وربما أثقلتهم ذنوبهم ومعاصيهم، فكانوا يخدشون صيامهم ويخدشون كذلك ما فرض الله عز وجل عليهم في هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. والصنف الثالث: وفقوا للحفاظ على صيامهم بالصيام عن المفطرات من الطعام والشراب والشهوة، ولكنهم ما صبروا أن يحفظوا جوارحهم عن الحرام وعن الوقوع فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». والصنف الرابع: وفقهم الله أن تصوم جوارحهم عن المحرمات، وتصوم أجسادهم عن المفطرات، ولكنهم أيضًا اجتالتهم الشياطين في الخواطر السيئة والمقاصد الدنيئة في قلوبهم. والقسم الخامس: فهم الذين وفقهم الله بالصيام عن سائر المفطرات، وصيام أجسادهم وجوارحهم عن المحرمات، وصيام قلوبهم عن الخواطر السيئة والمقاصد الدنيئة التي تنافي حب الله وتعظيمه وصدق التوبة والإنابة إليه. هؤلاء هم الذين صاموا الصوم الحقيقي، وهو صوم النبيين والصديقين والصالحين من عباد الله. أيها المسلمون عباد الله، ليحرص كل مسلم منا على أن يفتِ إسلامه ويبرهن إيمانه بصدق الإقبال على الله جل وعلا بهذا الشهر بإصلاح صيامه، وذلك بالإمساك عن سائر المفطرات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، أولها وأعظمها الجماع. فإن الجماع من أعظم المفطرات، فإنه لا يفطر فحسب، بل يكون على صاحبه كفارة مغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فدل هذا الحديث على أن فعل هذا من أعظم الكبائر في نهار رمضان، فلا يجوز للمسلم أن يأتي أهله في نهار رمضان. ومن وقع في ذلك، فإنه فعل كبيرة من الكبائر، لم يفسد صومه بحسب، بل عليه توبة عظيمة وكفارة مغلظة. ومما يدخل في معنى الطعام والشراب: الحقن المغذية التي تقوم بمعنى الطعام والشراب، وكل ما كان بمعنى الطعام والشراب مما أدخل إلى جوف الإنسان، فإنه مفطر من المفطرات. وليس من المفطرات الحقن التي تدخل إلى الجسد وليس فيها معنى الطعام والشراب، سواء كانت لخفض الحرارة أو كانت علاجًا من العلاجات أو لتخفيف الألم أو حتى على القول الصحيح كانت لغسيل الدم، مثل ما يصنعه أصحاب الغسيل الكلوي وغير ذلك، فإنه لتنظيف الدم وليس هذا فيه معنى الطعام والشراب. وهكذا أيضًا من المفطرات، عباد الله، إنزال الشهوة، وهو ماء الرجل أو ماء المرأة بأي صورة من الصور على وجه العموم، فإنه مفطر من المفطرات لحديث أبي هريرة في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله». ومن الشهوة الإنزال بإجماع أهل العلم، فلا يجوز لمسلم أن ينزل ماءه، ذكرًا كان أو أنثى، على وجه العموم. ومن فعل ذلك، صار مفطرًا آثمًا، عليه التوبة وقضاء هذا اليوم. وهكذا أيضًا من معاني المفطرات، عباد الله، أن النساء جعل لهن حكم خاص، وهو أن من أصابها الحيض أو النفاس، فإنه يجب عليها أن تفطر ولا تصوم، رحمة من الله سبحانه وتعالى فيما صحت به سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيضًا مما يجب فيه الفطر: كل موضع يكون فيه الضرر على المسلم، فيجب عليه أن يفطر، سواء أكان مريضًا أو كان مسافرًا أو كان ما كان، إن وقع عليه ما يضر بجسده أو بدينه، فإنه يجب عليه أن يفطر؛ لأجل أن يدفع هذه المضرة، وعمومات الشريعة تدل عليه. عباد الله، يجب علينا أن نتفقه بإذن الله، وأن نبصر بأمور شرعه فيما يعيننا على أداء هذه العبادة على أكمل وجوهها. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، أيها المسلمون، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فيجب على المسلم أن يعين نفسه على إيجاد الأسباب التي تعينه على سلوك طريقه الخير والبر والطاعة والاجتهاد فيه، وعن البعد عن كل سبب يوقعه في الخدش بصيامه وطاعته وقربه من ربه. ومن ذلك: التساهل في التعامل مع وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، فإن الكثير منها -إلا ما رحم الله- قد ملئ خصوصًا بهذا الشهر بالبرامج الفاسدة التي تفسد على المسلم صيامه وتخدش بما يكون عليه المسلم في رمضان. والحذر من رفيق السوء، حسيًا كان أو معنويًا، فإن الصاحب ساحب. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عنه: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». أيها المسلم، وأيتها المسلمة، برمضان، فإنه إن لم يجرك إلى المحرمات، جرك إلى الملهيات والتوسع في المباحات، بما حرمك فضل هذا الشهر العظيم والموسم الكبير من مواسم الخيرات والاجتهاد في الطاعات. ألا وإن من قرناء السوء: هذه الجوالات وما حوته من برامج كثيرة تشغل وتصرف عن ذكر الله وطاعته، وتحرم الولي الأسف الكثير من المسلم، إعمار هذا الشهر المبارك بصنوف الطاعات وأنواع القربات. تحرمهم من الاستزادة من الحسنات، لو لم يكن إلا أن تقرأ آية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه في كل حرف عشر حسنات». فاللام فيه عشر حسنات، والميم كذلك. فلا تحرم نفسك، أيها المسلم، وأنت في شهر القيام والصيام وقراءة القرآن. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم -وهو أسوتنا وقدوتنا- يجتهد في هذا الشهر اجتهادًا عظيمًا، كما قال عبد الله بن عباس: «هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس؟ وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن». فلذلك، علينا أن نجتهد -عماد الله- بأن نعمر هذا الشهر بما فيه الخير لنا في هذه الدنيا وفي الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ومن ضل من المسلمين، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح حوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في اليمن وسوريا والعراق وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم أصلح إمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.