إياكم والكذب

الدرس في إياكم والكذب، خطبة جمعة في مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 ربيع ثاني 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في ذم الكذب وخطورته

الكذب خلق ذميم ينافي الإيمان ويؤدي إلى شرور كثيرة، وقد نهى عنه الإسلام وأمر بالصدق. جاء في النصوص الشرعية أن الكذب من صفات المنافقين.

تحريم الكذب وآثاره السلبية في الإسلام

الكذب محرم في الإسلام ويهدي إلى الإثم والنار، بينما الصدق يهدي إلى البر والجنة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب في جميع الأحوال.

أهمية الصدق وثمراته في حياة المسلم

الصدق يفتح أبواب التوفيق في الأمور الصعبة، وهو من أعظم الأخلاق التي ينبغي على المسلم التحلي بها. نسأل الله أن يوفقنا للصدق ويجنبنا الكذب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا الحكيم سبحانه وتعالى أنزل علينا جل وعلا من تعاليم وأحكام الشرع هذا الشرع العظيم، ما فيه إصلاح أمر الناس في عاجل أمرهم وأجله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فما من عمل ولا قول ولا خلق طيب إلا وأمر الله به في كتابه وأمر به في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. وما من إثم ولا قطيعة مما يضر الناس في عاجلهم وأجلهم إلا ونهى عنه في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فطر الناس عباد الله، فطر ربنا جل وعلا الناس على مكارم الأخلاق ومحامدها. وهكذا كذلك بغض هذه الفطر السليمة، بغضها مساوئ الأخلاق وذميمها، وهذا من كذلك زيادة فضله ومنته على خلقه جل وعلا. كما قال سبحانه: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾. وفي الصحيح، صحيح مسلم وغيره، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبة عظيمة طويلة، وقال فيها عليه الصلاة والسلام: «إن الله أمرني أن أعلمكم يومي هذا ما جهلتم من دينكم»، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا خلق الناس حنفًا، أي يوحدون الله جل وعلا ويعرفونه. ثم اجتالتهم الشياطين، أي أخذتهم وصرفتهم عما فطروا عليه من معاني الاستقامة في عبوديته جل وعلا وربوبيته. فإذا كان كذلك عباد الله، فلنعلم أن الله عز وجل قد أقام علينا الحجة فيما يتعلق بالتمييز بين الخبيث والطيب والنافع والضار، بما فطر الناس على ذلك، وبما جعل جل وعلا من شرعه ودينه الذي أنزله، ورسول الذي بعثه عليه الصلاة والسلام. ولهذا عباد الله، وجب على المسلم أن يستمسك بما علم من شرع الله، وما يجده في فطرته التي فطره الله عز وجل عليها، في كل مكارم الأخلاق ومحامدها، واجتناب كل ما ينافي ذلك من مساوي الأخلاق ودميمها. ومن ذلك عباد الله صفة دميمة وخلق سيء، يعرف المرء بفطرته، وهو كذلك جاء النهي عنه في شرع الله جل وعلا ودينه، ألا وهو خلق الكذب. الكذب عباد الله الذي هو سبب لانحطاط هذا الإنسان، فيكون به ذليلًا مذمومًا مبغوضًا. الكذب الذي يكون به تفريق الجماعات، وتضيع كذلك ما فيه معاني الأخوة والمحبة وغير ذلك من المحامد. الكذب الذي يكون به هلاك المجتمعات، الكذب الذي يدعو عباد الله إلى شرور كثيرة، فيجعل الحق باطلًا والباطل حقًا. الكذب عباد الله الذي يجعل صاحبه في سراب، ويجعل غيره في شك وريب وخيال. الكذب عباد الله الذي ينافي الإيمان الذي أمر الله به والإسلام، والإسلام الذي دعا إليه. الكذب عباد الله الذي هو سبب لحصول شرور كثيرة في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾. كاد أن ينحصر الكذب فيمن لا يؤمن بآيات الله، لأنه ليس من صفة أهل الإيمان. قال الذهبي رحمه الله تعالى: «يُطبع المسلم على كل خصلة إلا الخيانة والكذب». يُطبع المسلم على كل خصلة إلا الخيانة والكذب. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أُتُمن خان». وفي الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق: من إذا أُتُمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف». فليس الكذب عباد الله من صفات المؤمنين، بل هو من صفات المنافقين، سواء النفاق الأكبر أو النفاق الأصغر، لأنه شيء ينافي الإيمان. فالمسلم قد يقع منه أشياء، ولكن الكذب شيء ينافي الإيمان، لا ينبغي أن يتصف به المسلم. عباد الله، وهو معًا ما في معناه من السقوط والذم الذي فطر الناس على بغضه. وهكذا ذمه ربنا جل وعلا في شرعه، فهو يدعو إلى كل شر عاجل وآجل. المرء إذا تساهل في هذا الخلق الذميم، دعاه ذلك لأن تنفتح له أبواب كثيرة من الشرور المتنوعة. لأن الكذب يدعو إلى أشياء أخرى. وفي الصحيحين، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الإثم، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». فإن الكذب يا عبد الله تعطيل لكل خير أعطاك الله عز وجل إياه، تعطيل لنعمة الإيمان والإسلام، وتعطيل لنعمة الجوارح التي أنعم الله عز وجل عليك. والكذب يكون بالأقوال، ويكون بالفعال. فإن من الكذب في الأقوال، وله صور كثيرة، الكذب على الله ورسوله. الكذب على الله والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان من شرع الله جل وعلا ودينه، أن تنسب شيئًا إلى الله لم يقله سبحانه ولم يأذن به، أو تنسب شيئًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن به ولم يقله. قال الله جل وعلا: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين عن عدد من الصحابة منهم أبو هريرة رضي الله عنه وأبو سعيد وعلي وجماعة: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». أي فليبشر بمقعد قد أُعد له في نار جهنم. وفي رواية: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار». وفي حديث علي رضي الله عنه: «من كذب علي فليلج النار». فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الكذب عليه، فإن الكذب عليه ليس ككذب على أحد. وهكذا عماد الله من الكذب على الله وعلى رسوله، أن تنسب إلى شريعة الله جل وعلا شيئًا أن تتعلم أنه ليس من شريعة الله، أو تنسب إلى شريعة الله جل وعلا شيئًا أن تتشك أنه من شرع الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم في مقدمة الصحيح: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». فحذر عليه الصلاة والسلام من التحديث عنه بحديث وهو يظن ويشك في كونه قاله عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز لك يا مسلم أن تنسب شيئًا إلى الله أو إلى رسوله عليه الصلاة والسلام إلا ما استيقنت أنه قد قاله ربك جل وعلا أو قاله نبيك عليه الصلاة والسلام أو هو من دين الله جل وعلا وشرعك. وإن من صور الكذب عباد الله كذب الناس في حديثهم فيما يجري بينهم من أقوال وأفعال يحكونها ويروونها. فكل ذلك يجب الصدق فيه، فإن الكذب كبيرة من الكبائر بنص آيات كثيرة من كتاب الله وأحاديث كذلك كثيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا من هذا الكذب كذلك أن يفتري الكذب سواء كان في حلم أو كان ذلك في نسبة حديث إلى إنسان أو كذلك في نسبة واقعة لم تقع. فكل ذلك من الكذب، وكلما كان الكذب أكبر كان الإثم أكبر وأكبر. وهكذا حتى أن بعض ذلكم الكذب ليهوي بصاحبه في نار جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب. كما جاء معناه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أرضاه. وهكذا من صور الكذب عباد الله أن تكون ممن ينقل الكلام والشائعات دون تثبت فيها. فإن ذلك كذلك من معنى الكذب. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى مسلم في مقدمة الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». فلا يجوز لك يا عبد الله أن تنقل الشائعات والأخبار دون تثبت فيها. فإن ذلك من الكذب العظيم كما سمعت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. بل جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل أو قال العبد لا يتكلم الكلمة ما يتبين فيها تهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». فإن العبد إذا تكلم بكلمة وجب عليه أن يتثبت فيها، وأن يتبين صيانة لحقوق الناس وحفظًا كذلك لمصالحهم ودرءًا للمفاسد الكثيرة التي تقع أو قد تقع بسبب هذا الكذب. بل لا يجوز لك يا عبد الله الكذب ولو كان ذلك ما أعد أعداءك. قال الله عز وجل: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فيأمرك ربك يا عبد الله بالعدل والقصد حتى ولو كان ذلك مع عدوك. فإنه لا يجوز لك أن تكذب، لا يجوز لك أن تكذب ولو كان هذا المكذوب عليه كافرًا، ولو كان هذا المكذوب عليه فاجرًا. لم يجوز لك أن تكذب على أحد. بل المسلم من أعظم صفاته الصدق. ونبينا عليه الصلاة والسلام كان من أعظم صفاته أنه الصادق، حتى لقب به في الجاهلية أنه الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أهل الإيمان والإسلام ينبغي عليهم أن يكون من أعظم صفاتهم الصدق، ومن أعظم صفاتهم الأمانة. وهكذا للكذب صورًا كثيرة نذكر منها شيئًا على وجه الاختصار. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الكذب حتى في المزاح. لا يجوز لك أن تكذب ولو كنت مازحًا. فعند أبي داود وغيره بإسناد حسن وصححه العلامة الألباني رحمه الله عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا زعيم في بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا». فاستمع إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا». وروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «إن الكذب لا يصلح منه شيء لا في جد ولا في هزل». فلا يجوز لك يا مسلم أن تكذب لا في جد ولا في هزل ومزاح. فإن ذلك لا يجوز، ويعظم هذا الكذب إذا كان فيه ترويع للمسلم، أي تخويف له. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يروع المسلم. ومن ذلك ما يقع في مثل هذا الشهر في أوله مما يسمى بكذبة إبريل. فيأتي بعض الناس ويظن أن الكذب قد صار حلالًا في مثل هذا الشهر وهذا اليوم، فيبدأ بالكذب، ثم إذا قد درر المسلم وخاف من هول تلك الأكاذيب، عند ذلك ضحك وقال: «اليوم شهر إبريل» أو نحو ذلك. وهذا حرام لا يجوز، عباد الله، مع ما فيه من ترويع المسلم والكذب المحرم. وفي تشبه بأعداء هذا الدين من الكافرين. وقد نهينا عن التشبه بهم. وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾. فلا نركن إلى الظالمين ومنهم الكافرون. فالكافرون من الظالمين لا نركن إليهم لا في أقوالهم ولا في أفعالهم وأخلاقهم، ولا هكذا كذلك بمتابعتهم ومجالستهم ومآنسنهم. والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾. ومن اتخاذ المودة بيننا وبينهم التشبه بأقوالهم وأفعالهم. وهكذا يا عباد الله كذلك ربما دعا هذا إلى عقائد أخرى لهم فيها مقاصد في مثل هذه العادة السيئة وهذه الكذبة المفترة. فإن من تتبع تاريخ هذه الكذبة وجد لها مقاصد سيئة وسوابق خبيثة عند هؤلاء الكافرين. لأجل ذلك انتشرت فيهم مثل هذه الكذبة. وقد بحث بعض الباحثين في ذلك فذكر أشياء كثيرة تتعلق بذلك. فينضاف بهذا مفسدة انتشار مثل هذا الخلق بين المسلمين، مع ما سبق ذكره مما لا يليق بالمسلم أن يفعله في هذا الخلق. وقد حرم عليه قد حرم عليه مطلقًا، وهو يضر به إضرارًا عظيمًا. فإن المسلم إذا تعود الكذب أفسد نفسه إفسادًا عظيمًا. ولهذا قال العلماء: «إن الكاذب لا تقبل شهادته وترد؛ لأنه بمثابة الأداة المعطلة». كما أن الأعمى لا يجوز أن يشهد فيما تكون الشهادة به بالرؤية والإبصار، والأصم لا يجوز له أن يشهد فيما تتعلق الشهادة فيه بالسماع. فكذلك الكاذب عطلت فيه جميع صفاته، فصار مردود الشهادة غير مقبولها، بمثابة الأعمى للبصر والأصم للسمع. فإذا علمت ذلك علمت خطورة هذا الكذب. ولهذا قال العلماء كما ذكر ابن القيم رحمه الله: «قال إن الكذب أول ما يسري من القلب، فإذا جرى على اللسان ذهب أثره على سائر الأعضاء». فعند ذلك يجري على سائر أقواله وأفعاله. يعني يصير المسلم بذلك على غاية من الفساد بسبب خلق الكذب. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار». نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هكذا عباد الله ينبغي على المسلم أن يستمسك بما علم من دين الله جل وعلا وشرعه، في كل ما أمر الله به بكتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام بسنته. فيعتز بصفات أهل الإيمان والإسلام، فإن في ذلك الخير له في الدنيا والآخرة. ومن ذلك صفة الصدق، فإنه من أعظم ما تصلح به أحوال الناس في الدنيا والآخرة. قال الله جل وعلا بكتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. وقال الله عز وجل: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾. وبه تعلم يا عبد الله أن الصدق يهديك إلى كل خلق طيب ومحمود يكون لك به الخير في الدنيا والآخرة. فإنك إذا جئت بالصدق في قولك وفي فعلك وصدقت به كنت أنت المتقي حق التقوى. والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. فإن مما يجعلك ممن يتقي الله حق التقوى أن تكون صادقًا في أقوالك وأفعالك وفي مواقفك كلها. فلا يرى منك إلا صدق في الحديث، وصدق في الاستجابة لأمر الله ورسوله، وصدق إذ توجد في مواضع الطاعات، وتفتقد في مواضع المعاصي والسيئات. والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. فإن ذلك من الكذب يا عبد الله. وهكذا كذلك عباد الله الصدق سبب كذلك لرضى ربك جل وعلا عنك. كما سمعت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة». ويهدي أن يدلك ويرشدك ويوصلك إلى الجنة. فإن كنت صادقًا في أقوالك صادقًا في أفعالك وفقك الله عز وجل للثبات. وهكذا كذلك السداد أن تثبت على الحق وأن تسدد في أقوالك وأفعالك. حتى إذا جهلت شيئًا مما لم تعلمه وفقك الله جل وعلا للعلم به. حتى إذا استصعب عليك شيئًا مما لم تستطع العمل به بصدقك وحرصك يوفقك الله جل وعلا إلى هذا الذي لم توفق إليه. وهذا من عظم ثمرات الصدق. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم للصدق في القول والعمل، وأن يجنبنا الكذب في أقوالنا وأفعالنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.