كل المسلم على المسلم حرام

الدرس في كل المسلم على المسلم حرام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 ربيع الثاني 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الفتن ووجوب لزوم الطاعة

يتناول التحذير النبوي من الفتن وضرورة تجنبها، ويشير إلى أهمية لزوم الطاعة وعدم الاستشراف للفتن. يُبين عواقب الانخراط فيها وخطرها على الأفراد والمجتمعات.

خطورة الخروج على الحكام وآثاره

يُنبه إلى خطورة الفتن والخروج على الحكام المسلمين، ويحذر من عواقب ذلك. يُشير إلى أن الشر لا يأتي من الخارج فقط بل أيضًا من الداخل، ويؤكد على أهمية طاعة الحكام.

أهمية التمسك بالتقوى والاعتصام بحبل الله

يُحذّر من الظلم والفتن ويُشدد على أهمية التمسك بالتقوى والاعتصام بحبل الله. يُنبه إلى خطورة سن السنن السيئة وتحمل أوزار الآخرين، ويُشير إلى أهمية التعاون على حفظ الأمن.

الدعاء للولاة بالصلاح والتقوى

دعاء الله تعالى لإصلاح الحكام وولاة الأمور، وجعل الولاية في من يخاف الله ويتقيه ويتبع رضاه. يعبر هذا الدعاء عن الرغبة في أن يكون الحكام من الصالحين الذين يتصفون بالتقوى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أطم من آطام المدينة فقال: «ألا ترون ما أرى؟ ألا ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن كمواقع القطر». يخبر صلى الله عليه وسلم عما يراه مما سيأتي على هذه الأمة من الفتن حتى أنها تتتابع عليهم كتتابع المطر والقطر على الناس، فتكون كثيرة عظيمة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الفتن، ثم قال حين ذكر أن الفتن تكون في آخر الزمان: «والقائد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من استشرفه تم وجد معاذًا أو ملجأً فليعد به». حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستشراف للفتن، الاستشراف لها بالسمع والأبصار والاستشراف لها بالقلوب والأجساد، أن يستشرف لها الإنسان فلا يدري إلا وقد انخرط فيها، فكان منحطًا بها ممن يشعل نارها، وتشعله نارها، فيكون سببًا في زيادتها وسببًا في إهلاك نفسه وإهلاك غيره، وإدخال الشر على أناس كثر. ولهذا، عباد الله، حذر أهل الإسلام من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وفي صحيح البخاري عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة فزعًا فقال: «سبحان الله». وفي رواية: «ويل للعرب من شر قد اقترب». كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر ما رأى من الفتن، وأمر عليه الصلاة والسلام بإيقاظ صواحب الحجرات، وأن يفزعن إلى الصلاة، مبينًا عليه الصلاة والسلام أن من أعظم أسباب الاتقاء من الفتن الإقبال على الله جل وعلا والتعبد لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك معنى من معاني رد الفتن، ومن كذلك عدم الاستشراف لها. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي داود وغيره أنه أمر أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن، أمرهم ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. هذا وغيره كثير مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يأمر أصحابه رضي الله عنهم وأمته من بعدهم أن يحذروا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن لا يستشرفوا لها، فإن من استشرفها أو استشرف لها كان ذلك سببًا في هلاكه وزيادة هذه الفتن. ولذلك، عباد الله، كان الواجب على المسلم عند حلول الفتن أن يمتثل ما أمر الله جل وعلا به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، من لزوم الطريقة السوية التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، بلزوم ما أمرت، أيها المسلم، من لزوم طاعة الله والوقوف عند حدود الله وعدم انتهاك حرمات الله. أن تسير بسير العلم، فلا تتحرك ولا يكون لك موقفًا إلا بموجب ما علمت من العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة. ولا يخفى عليكم، أيها الناس، ما يحل في بلاد المسلمين عامة، وفي بلادنا خاصة، من الفتن المتتابعة والفتن المتكاثرة التي تجري خلف الناس جريًا. فإن من استشرفها كذلك يقال لها هناك استشرفته، فكان سببًا في زيادة نارها، وكذلك الإضرار بنفسه وبغيره. فلذلك، عباد الله، الواجب علينا معشر المسلمين أن نسلك مسلك السكينة والرفق مع هذه الفتن، كما أدبنا وأمرنا في ديننا الحنيف. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يعطي بالرفق ما لا يعطي بالشدة». رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وإنه ربما يتهيج بعض الناس ويستشرف لهذه الفتن ظنًا منه أنه يغير منكرًا أو ينصر مظلومًا أو يزيل باطلًا. وما علم أن ما يدعى إليه وما يصور له منافٍ تمامًا أولًا لما يجب على المسلم تجاه هذه الفتن. ثم إنه لا يخفى علينا ما في ذلك من المخالفة للشرع، بل وكذلك المخالفة للحس والواقع. فإن من رأى من حال من انخرط في هذه الفتن لم يجد أن هؤلاء إلا أنهم أشعلوها وزادوا من نيرانها وتوسعت آثارها. كانت فتن كلامية، فصارت بعد ذلك إلى ما هو أعظم وأعظم وأعظم من ذلك. عماد الله أن أعداءنا من حولنا يستشرفون لانفلات الأمن في بلاد المسلمين، فيتدرعون بهذه الذرائع للدخول في بلاد المسلمين والتسلط، على أهلها وخيراتها. ولنا عبرة، عباد الله، بما وقع في بلاد من بلاد المسلمين. لا يخفى عليكم ما وقع في بلاد ليبيا، كيف تسلط أعداؤنا أعداء المسلمين بتلك الذرائع، بحجة المحافظة على الأمن، فأفسدوا الأمن أيما إفساد، إنهاك وإهلاك للحرض والنسل، إهلاك عظيم في خيرات المسلمين، بل وحتى المدنيين الذين يقال أنهم جاءوا للدفاع عنهم، أهلك الكثير منهم. ولا يخفى عليكم ما أذيع في وسائل الإعلام من آثار هذه الحروب، وهي لم يمض عليها إلا بضعة عشر يومًا، ومع ذلك ترون آثارها العظيمة، كيف أفسدوا إفسادًا عظيمًا بحجة الإصلاح. في غارات في ليلة واحدة تكون غارات جوية أكثر من مئة وخمسة وسبعين غارة، وفي الغارة الواحدة تشارك أكثر من ثلاثمئة طائرة ترمي بقذائفها في أوساط بلاد مليئة بخيرات، إن لم يكن فيها من البشر من يهلك ويحرق، ففيها كذلك من ممتلكات المسلمين وخيراتها. حتى أحرقوا أحرقوا تلك البلاد إحراقًا عظيمًا. فصاح الكفار ينادون، فضلًا عن غيرهم، بأن توقف هذه المحرقة التي القصد منها ليس هو الدفاع عن المدنيين كما زعموا. ولا يخفى عليكم تفاصيل ذلك مما يتبين لنا، عباد الله، أن ما يفعله بعض الناس اليوم بتلك الحجج الواهية. لو كان حقًا، لو وجد ما هو أحق منه، ولو كان ما يريدون الوصول إليه من إنكار المنكر، فهناك ما هو أنكر منه يقف لنا بالمرصاد، وحولنا بالأبواب. ينبغي على كل عاقل أن يرعَ روح هذه الشريعة، ويعلم ما دعا إليه ديننا من تتبع أعلى المصالح والوصول إليها، ودرء أكبر المفاسد ودفعها، وعدم الاقتراب منها. فإن إنكار المنكر مشروط بإجماع العلماء أن لا يؤدي إلى منكر أعظم منه. وأما والحال أنه يؤدي إلى منكر أعظم منه، فإن هذا من أعظم المنكر الذي يجب أن ينكر. ولهذا، عباد الله، كان لا يجوز في دين الإسلام الخروج على أولاة الأمر المسلمين ما داموا مسلمين، مهما كان عندهم من الفسق والفجور، ومهما كان عندهم من الظلم، ما داموا من المسلمين، فإنه لا يجوز الخروج عليهم. لأن الآثار المترتبة والمفاسد المتتابعة التي تترتب على الخروج عليهم أعظم بكثير من تلك المصالح المرجوة. بل نص العلماء أنه كذلك لا يجوز الخروج حتى على ولي الأمر الكافر إذا كان يترتب على ذلك مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة. هذا وهو كافر، يجوز الخروج عليه ويجب استبداله بالمسلم. ومع ذلك، نص العلماء في كتبهم، في كتب الفقه، بل وبعضهم في كتب العقائد وكتب السياسة الشرعية وطرق الحكمية، ما بينوا فيه، رحمهم الله، أنه ما دام الحال هكذا، فإنه يجب درء المفسدة الكبرى بالصبر على المفسدة الصغرى. فكذا والحال كما زعمتم أن حكام المسلمين من المسلمين، وأن ما يدعو إليه هؤلاء الجهال، وفي أوساطهم بعض المنافقين، وأصابع خفية من أعداء هذا الدين، يثيرون هذه الفتن ها هنا وها هنا. وبالله عليكم، هذا الذي نسمعه ونراه كونه يقع في هذا الوقت، وعلى هذا الوصف والتتابع، حتى سمته بعض وسائل الإعلام الخائنة المنافقة سمته بربيع الثورات في بلاد المسلمين. بالله عليكم، هل هو ربيع أم هو شر ما لقي المسلمون في مجتمعاتهم؟ يسمى بربيع الثورات، ولا يرى إلا الشر في بلاد المسلمين. حتى التي قيل أنها نجحت هي في الحقيقة لم تنجح إلى يومنا هذا. هذه مصر أمامكم، ومر عليها أشهر، وإلى يومنا هذا لم يستطيعوا أن يعينوا لأنفسهم حكومة يستتب به أمنها. لا يزال الجيش يسيطر على الأمن، والنزاعات بين الجيش وغيرهم من المفسدين لا تزال قائمة. وهذه تونس عبرة أخرى، ودرس آخر لمن اعتبر والتعب، حتى لا يغرر أحد بالمسلمين بتلك الخطب الجاهلية النارية التي تورد إلى النار، وأخرى حماسية تحمس إلى الهبكة، وغير ذلك مما يكون فيه إهلاك هذه الأمة وقطع دابرها وتسلط أعدائها عليها. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، إن الشر لا يقف أن يأتي من الخارج فحسب، بل يأتي كذلك من الداخل. فإن الفتن إذا وقعت، إن فلتت الأمور من أيدي العقلاء، إن فلتت الأمور من أيدي العقلاء، والأمر كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. نعم، عباد الله، إذا لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونأخذ على يد الظالم، يوشك الله جل وعلا أن يعمنا بعذاب وعقاب من عنده، أن يعمنا بعقاب وعذاب من عنده. وها نحن نرى كيف انفلتت الأمور في بعض المحافظات حتى تسلط السفهاء، فانتهبوا من تهبوا من خيرات البلاد، وانتهبوا من تهبوا كذلك من أموال وخيرات المسلمين. وهكذا انفلت الأمن، يستحل الكثير من الجهال من لا علم عنده ولا دين، يستحلون ما حرم الله، فيكون من الشر ما الله به عليم. ولهذا، حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من نعمة يد من طاعة، وأن يدعى بدعوة الجاهلية، لما في ذلك من فتح باب الفتن بتفلت الأمن وتسلط الناس بعضهم على بعض. وقد حذرنا من ذلك أشد التحذير. خطب النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفة، وقد حضرها أكثر من مئة ألف، وكان في خطبته أن حذر عليه الصلاة والسلام عن حرمة دماء وأعراض وأموال المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». إن حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم أعظم من حرمة الحرم الحرام الذي حرمه الله من فوق سبع سماوات. وحرمته عظيمة، ومع ذلك فحرمة دماء وأموال وأعراض المسلمين أعظم. بل وكررها عليه الصلاة والسلام كذلك في يوم النحر، قالها في يوم التاسع، يوم عرفة، في خطبة عرفة، وكرر هذه الخطبة ومعناها في يوم النحر، يوم العاشر. فخطب في الناس فقال: «ما سمعتم». ثم قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين من حديث جُدير بن عبد الله البجلي، ومعناه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وها نحن نرى من آثار هذه الفتن وشؤمها أنه وقع ما حذرنا منه في ديننا. فصار اليوم من الناس من يطالب بحساباته السابقة عند انفلات الأمن، يقتل بعضهم بعضًا، ويسفك بعضهم دماء بعض، ويرفع بعضهم الأسلحة على بعض. وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه حذر من الفتن كذلك، وأن يرفع المسلم سيفه وعلى رأس أخيه. فقال في ذلك: «إن القاتل والمقتول في النار». فقالوا: «هذا القاتل، فما بال المقتول؟» قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ومع ذلك وقع بالمسلمين اليوم ما هو أعظم من السباب، من انتهاك الدماء والأموال. نعم، عباد الله، هذا قليل من كثير من آثار الفتن إذا عمت وطمت. فإن من آثارها فوات أمن الناس، وتسلط الناس بعضهم على بعض، فيكون من ذلك الشر العظيم. فلذلك، عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله جل وعلا، وأن نتق الله جل وعلا في هذه الفتن باجتنابها والابتعاد عنها. وأن ندع تلك الصيحات الجاهلية التي ينادى بها، فإنها لا تخدم أحدًا، وإنما ينتفع بها أعداء هذا الدين، ويتضرر بها المسلمون. فإياكم إياكم من تلك الدعوات الجاهلية، دعوات طائفية أو شعوبية. فالمسلمون مسلمون، وهم في دين الله جل وعلا إخوان. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يسلمه. بحسب إمرئ من الشر أن يظلم أخاه المسلم. لا يجوز لك أن تظلمه بقليل ولا كثير. لو ظلمته في عود أراك، عود أراك، لحاسبك الله عز وجل عليه يوم القيامة. فكيف وأنت تعتدي على أخيك في ماله أو كذلك في جسده أو تستحل منه ما لا يجوز؟ فإن ذلك من أعظم الظلم. والظلم ظلمات يوم القيامة. الحذر الحذر، عباد الله، من تلك الدعوات الشعوبية التي ربما هيجها واعان على تهييجها بعض الجاهليين، وربما كان فيهم بعض المنافقين، وبعض أعداء الدين الذين لا يحبون العصمة والاجتماع، ويطمعون بالفرقة والاختلاف. والله جل وعلا يقول بكتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالكرامة، عباد الله، ليست بقبيلة ولا شعب ولا بناحية ولا جهة ولا ببلد ولا غير ذلك. ولكن الكرامة كل الكرامة بما يكون من تقوى الله سبحانه وتعالى. واعلموا، عباد الله، أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ثم نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فلا نرى إلا أعمالنا. فعند ذلك يندم المرء حين لا ينفع الندم. إنما هي أعمالك، حسناتك وسيئاتك. فالحذر الحذر، عباد الله، من أن تلقى الله جل وعلا وقد تعلقت بأعناقك مظالم كثيرة، فتكون من الهالكين. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه سئل: «هل نؤاخذ بما كان من إساءتنا في الجاهلية؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحسن في الإسلام كفر الله له عن إساءته في جاهليته، ومن أساء في الإسلام أخذ بما كان في جاهليته». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فأفاد هذا الحديث أن العبد قد يؤاخذ بما كان من سابق سيء عمله فيما كان في جاهليته، مما كان في كفره قبل إسلامه، وبمعصيته قبل طاعته. فكل ذلك من معاني الجاهلية. فإن العبد إذا تاب وأناب وأحسن واستقام، كفر الله عز وجل عنه ما سبق من سيء عمله، وأبقى له ما أثبت من حسن عمله. وأما إذا أساء، فإنه يكتب له بسيئه فيما سبق، وبقى. ولذلك، عباد الله، يحذر المسلم أن يؤاخذ ليس فقط بما يعمل من حاضر عمله، بل إنه كذلك قد يؤاخذ بما كان من سابق عمله. ربما يكون بعض الناس يزين له شياطين الجن والإنس بالقيام ببعض الشرور والأعمال السيئة، خصوصًا في مثل هذه الأحوال، وانفلات الأمن فينتهك ما ينتهك من الدماء والأموال والأعراض. ظنًا منه أن ذلك يجبر بتوبة بعدها. وما علم أن من شروط التوبة عدم الإصرار على المعصية، وهذا من المصرين عليها. وليس هذا فحسب، بل إنه يؤاخذ بما كان من سالف عمله كله. فيا من تعلقت بك ذنوب كثيرة ومظالم كثيرة، رجوت أن الله غفر لك، اعلم واحذر أنك إن انتهكت مظلمة كتب لك السابق واللاحق، كل ذلك يكتب عليك. واحذر، عباد الله، كذلك من أن يكون أحدنا أو فينا من يسن سنة سيئة، فيحمل وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيئًا. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله وأبي هريرة رضي الله عنهما. فاحذر، أخي المسلم، أن تسن سنة سيئة، فتكون بذلك ممن لا يتحمل وزر نفسه فحسب، بل وأوزار أناس كثر تتحمل أوزارهم جميعًا، بما يكون من تهييجك للفتن بخطبتك أو كذلك بغيبتك أو كذلك بكتابتك أو حتى ببعض أفعالك. أو أعظم من ذلك أن تكون من أوائل المنتهكين للحرمات والتعدي لحدود الله. أو كذلك أن تكون ممن يرى المنكر فتكون أول من يدافع عنه ويحميه ويغطي عليه ويقف مع الظالم على المظلوم. فكل ذلك يلحقك بهذه الآثام العظيمة، وأنت لا تشعر. فلا تحمل وزر نفسك فحسب، بل وتحمل أوزارًا كثيرة من أوزار غيرك. وقد حذرت من ذلك، أخي المسلم. بل إننا نخشى، عباد الله، أن يعمنا الله عز وجل بعذاب وعقاب، وأن نلعن كما لعن بني إسرائيل، كما أخبر ربنا جل وعلا عن لعن بني إسرائيل، بما كان من عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. فإن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لنقمة الله جل وعلا وغضبه. وربنا جل وعلا يقول سبحانه وتعالى بكتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي أن نكون من الصالحين حتى نكون من المصلحين. وإلا فنخشى من عذاب الله وعقابه علينا. ومن ذلك، عباد الله، أن يتعاون المسلمون جميعًا فيما يجب في مثل هذا المقام من دفع الشرور والآفات والفتن، والحفاظ على أمن مجتمعنا، صغيرًا كان هذا المجتمع كبيرًا. ومن ذلك أنه يشكر في هذا المقام تلك الجهود التي يقوم بها بعض ولاة الأمور ومشايخ الحارات من أمر إقامة اللجان في المحافظة على الأمن، والتعاون بحراسة البلاد والمحافظة على خيراتها وأمنها وطمأنينتها. فإن ذلك أقل الواجب في مثل هذا المقام. ولا يقف الواجب عند هذا بحسب، بل كذلك بالكلمة الطيبة والنصيحة النافعة والتصرفات الحكيمة مما يكون به إخماد الفتن لا إشعالها. فليس من الحكمة أن تنشئ لجانًا، يا من تزعم أنك تحافظ على الأمن، ثم تلقي خطبة نارية حماسية عاطفية فيها إثارة الناس وشحدهم لإقامة الفتن في المجتمع، وضرب بعضهم ببعض. وإقامة دعوات شعوبية طائفية حزبية يكون بها تفريق الجمع وتشتيت الشمل وتسلط الناس بعضهم على بعض. ليس هذا من الحكمة في شيء. بل الواجب في هذا المقام سلوك مسلك السكينة والرفق والحكمة، بدعوة الناس إلى ما أمروا به من الهدوء والرفق والسكينة، وعدم المشاركة والاستشراف للفتن. لأن ذلك ثمرته ليس فقط ما يطمع به الأعداء، بل وذهاب أمننا وتسلطوا بعضنا على بعض. فإن أردنا الحفاظ على الأمن فلنحافظ عليه بجميع أوجهه والأخذ بجميع أسبابه. نسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.