السؤال: اللقاء المفتوح 45، وكان يوم الأحد 15 محرم 1446هـ الموافق 21 يوليو 2024م بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشيد الخطيب بمجالس العلم والذكر ويبين فضلها وأهميتها، ويحث على اغتنام هذه الفرص للتقرب إلى الله. يُبرز رحمة الله وملائكته على من يشارك في هذه المجالس مستشهدًا بالأحاديث النبوية.
يُشير إلى أهمية الطاعات وأثرها على القلب والجوارح، ويُبرز قيمة التوبة والاستغفار في حياة المسلم. يُوضح أن الله أكرم أمة الإسلام بالقرآن والإسلام وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
يتحدث عن أهمية قيام الآباء بمسؤوليتهم في حفظ الأبناء ويحذر من عواقب الإهمال. يُشدد على اتباع الكتاب والسنة لتحصين المجتمع من الفتن والضلالات ويبين أن اتباع سنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين هو الطريق للنجاة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العماية، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. أما بعد، أيها الأحبة في الله، نحمد الله عز وجل أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصرا. ومن نعمة الله علينا جميعًا أن أخذ بنواصينا إلى بيت من بيوت الله لأداء فريضة من فرائض الله عز وجل. ثم نسأله عز وجل أن يشرح صدورنا لسماع الخير وحضور مجالس الخير ومجالس العلم. هذه المجالس المباركة التي يحبها ربنا عز وجل ويحب أهلها، هي مجالس الرحمة ومجالس المغفرة، تتنزل على أهلها السكينة من الله عز وجل، وتحفها الملائكة، ويذكر ربنا عز وجل أهلها فيمن عنده. هذه المجالس التي يصلح الله عز وجل فيها القلوب، ويغير فيها من الأحوال من حال إلى أحسن. فأكرم بها، وأنعم من مجالس ينبغي على أهل الإسلام وعلى أمة التوحيد والإيمان أن يولوها عناية، وأن يعطوها اهتمامًا بالغًا. أيها الأحبة في الله، وأهل السنة والجماعة، هم من أعظم الناس عناية بالعلم ومجالسه، وهكذا احتراما للعلماء وأهل العلم. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وإنما أنا قاسم والله معطي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». دعوة أهل السنة والجماعة تميزت بالعناية بالعلم ومجالسه، وباحترام العلماء وإجلالهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه». أيها الأحبة في الله، هذه الليلة تميزت عن غيرها بوجود شيخنا المبارك أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى وبارك فيه وفي السامعين أجمعين. حيث أنه يعتبر صاحب المقام في هذا المسجد وفي هذا المركز، فنقول له: أهلًا ومرحبًا، وحي هلا به في بلده وفي مسجده وداره، وهكذا بين أهله وإخوانه وأبنائه. وكما تعلمون أن هذه المجالس يحصل منها الانتفاع العظيم بكلام العلماء، يحصل الفائدة العلم النافع، يأخذ من مثل هذه المجالس، وتحصل ثمرة هذا العلم. فالعلم كما قال الإمام ربيعة بن عبد الرحمن، شيخ أهل المدينة: «العلم وسيلة إلى كل فضيلة». وكما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهكذا ذكر غيره، قالوا: «العلم قليله ينفع، وكثيره يعلي ويرفع». فنحن في هذه الليلة موعودون مع لقاء مفتوح مع شيخنا حفظه الله تعالى وبارك فيه، ونفعنا الله عز وجل بما سيُلقي من علم. لقاء مفتوح، كلمة مع الإجابة على الأسئلة، فمن كان عنده سؤال فيكتبه ويرسله، وشيخنا إن شاء الله عز وجل يجيب عليه. ونبشر إخواننا بمجالس علمية، وبدروس نافعة سيقيمها شيخنا حفظه الله تعالى في هذه الأيام المقبلة. أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم جميعًا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. ويبدأ اللقاء المفتوح إن شاء الله عز وجل بعد أداء السنة الراتبة. أصلح الله الجميع لما يحب ويرضى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي من علينا بأداء فريضة من فرائضه، مجتمعين في بيت من بيوت الله، وأن وفقنا أن نجتمع بعدها في هذا المجلس الطيب المبارك إن شاء الله تعالى، من مجالس العلم. نجتمع لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا بإذن الله سبحانه وتعالى على العمل الصالح. وهذه كذلك نعمة أخرى من نعم الله عز وجل. ما أجمل أن يوفق الله عز وجل عبدًا من عباده أن يقترب لأبواب الخير وأبواب رحمته، فإن دل ذلك على شيء، دل على اصطفاء واحتباء، اصطفى الله عز وجل به من يشاء من عباده لمثل هذه الخيرات ومثل هذه الرحمات. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين دخلوا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كان من شأنهم ما قد علمتم، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «ألا أنبئكم أو قال ألا أخبركم بنبأ الثلاثة؟ أما الأول فأعرض الله عنه، وأما الثاني استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث آوى فآواه الله». فما أجمل أن يؤوينا الله عز وجل إلى مجالس العلم، مجالس الرحمة، مجالس السكينة، مجالس الذكر، وحضور وشهود الملائكة. كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله عز وجل فيمن عنده». أربع جوائز عظيمة جعلها الله عز وجل مكافأة من وفقه الله لمثل هذه المجالس الطيبة المباركة. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي العظيم، أن الله عز وجل يقول: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله الذي يمشي بها». وفي الحديث: «وإذا تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب ذراعًا تقربت إليه باعًا». فإذا وفقك الله إلى الاقتراب من أبواب الخيرات، وكذلك أنواع المبرات وطرق الحسنات، فأبشر بأن الله عز وجل يزيدك قربًا، ويزيدك كذلك استيفاءً. ولذلك يجد الإنسان في قلبه من الروحانية ومن الإيمان، وأثر السكينة والرحمة، واحتفاء الملائكة، وذكر الله وذكر الله عز وجل له فيمن عنده، بما يجد من ذلك الخير الذي يجده في قلبه، حلاوة الإيمان، ولذة الطاعة، يكون لها أثر في القلب، ولها أثر كذلك في الجوارح، ولها أثر كذلك في حياة الإنسان بعد هذه الأعمال الصالحة. فلا يقبل عبد من عباد الله على طاعة من طاعة الله، ولا مجلس علم من مجالس الذكر، إلا ووجد أثر ذلك في حياته، في قلبه، في ظاهره، وفي باطنه. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. أثر القرآن وأثر السنة على نفوسنا وصدورنا وقلوبنا عظيم، فهي تؤثر في القلوب أثرًا عظيمًا، حين تسمع الآيات فتمر بك أنواع الواعظات، وتسمع الأحاديث فتمر بك أنواع المذكرات، تكون سببًا لإيقاظ الغفلة، وتذكير ما كان قد حصل فيه النسيان، وكذلك شحذ الهمة لإصلاح ما حصل فيه من تقصير أو تفريط أو ذنب، فيتبعه توبة أو غير ذلك مما يحتاجه الإنسان. ولا يستغني عنه أحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح الآخر: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». فالتوابون الذين يكثرون من التوبة إلى الله عز وجل والإنابة والرجوع إليه، ولا يلزم التوبة أن تكون من ذنب، ولكن قد تكون التوبة من غفلة، وقد تكون التوبة من نسيان، وقد تكون التوبة كذلك من عدم كمال. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يحزر له في المجلس الواحد أكثر من مئة استغفار في مجلس واحد، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح. ومعناه كذلك من حديث الأغر، ومن حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان ليستغفر في المجلس الواحد سبعين مرة، وفي رواية مئة مرة. وعند الترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه، أنه حزر للنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس واحد، كان يقول: «ربي اغفر لي، ربي اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، أكثر من مئة مرة في مجلس واحد. يكثر وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه صلى الله عليه وسلم وما تأخر. ومع ذلك كان يكثر من الاستغفار ويكثر من التوبة، وكان من ألفاظ الاستغفار أن يقول: «ربي اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، «ربي اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، ونحوها من أنواع الاستغفارات التي كان يستغفرها نبينا صلى الله عليه وسلم. ونحن المقصرون المفرطون، الذين وقعنا في أنواع من التقصير والتفريط والغفلة والنسيان، أحوج إلى مثل هذا الاستغفار، وأحوج إلى مثل هذه التوبة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم أيها المسلمون والمسلمات إلى أبواب الخيرات وطرق المبرات، واستغلال حياتنا في الاستزادة من الحسنات والموفق من وفقه الله. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. عرض الله عز وجل هذه الأمانة، وقد اختلف أهل التفسير من أهل العلم في تفسير هذه الأمانة، والصحيح من أقوال أهل العلم أنها دين الله عز وجل وشريعته، وما أمر به خليقته من أمر عبادته والانقياد لطاعته. عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، لأنها أمانة عظيمة، فحملها هذا الإنسان بما خلق الله عز وجل هذا الإنسان في أحسن تقويم، في خلقته وفي عقله، وفي كذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل من عظيم نعمه. فكان هو المتأهل لحمل هذه الأمانة، فكان الكثير إلا من رحم الله قد ضيع وفرط في هذه الأمانة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. يغلب على الإنسان إلا من رحم الله الظلم والجهل، فيدفع هذا الظلم العلم، ويدفع ذاك الجهل الطاعة. فبالعلم والإيمان يحمي هذا الإنسان نفسه من أن يكون ممن ضيع هذه الأمانة. ولهذا أعان الله عز وجل هذا الإنسان حتى لا يغلب عليه الجهل، ولا يطغى عليه الظلم، بأن أنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ما بعث الله عز وجل ما جعل الله عز وجل أمة إلا وبعث فيها رسولًا ونبيًا ونذيرًا، وأنزل كتابًا يذكر به تلك الأمة، وبعث مع كل نبي شريعة كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. شريعة يسيرون عليها، ومنهاج يقومون عليه، لأجل أن يقيم الإنسان نفسه على الدين القويم والصراط المستقيم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. وقد أكرمنا الله أمة الإسلام بأن أنزل إلينا خير الكتب وخاتمة الكتب كلها، وهو القرآن، وبعث فينا خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيدي كذلك ولد آدم أجمعين، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. الذي ختم الله عز وجل به الرسالات، وبعثنا كذلك بدين الإسلام الذي ختم الله عز وجل به الأديان، ولا يقبل دينًا سواه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالله عز وجل أكرمنا معاشر المسلمين والمسلمات بأن جعل لنا كتابًا هو أعظم الكتب، ختم الله عز وجل به الكتب كلها، وأرسل إلينا رسولًا ختم الله عز وجل به كل الرسالات، وبعث إلينا بدين هو ناسخ لجميع الأديان. فنعمة عظيمة أن توفق للكمال الذي حرمه قبلك أمم لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى، إنه دين الإسلام الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. أكمل الله عز وجل علينا هذا الدين ببعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل معه من كتاب، وما أوحى إليه من سنة. فكل ما أوحى الله عز وجل إليه فهو وحي من الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. وكذلك أتم علينا النعمة بأن أكمل هذا الدين بأحسن كتاب وأفضله، وبأفصح لغة وأحسنها، وبأجمل كذلك بلاغة وأكملها، وكذلك بنبي هو سيد هو سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وبدين جمع فيه كل كمال. فكائن بينما كان عليه الأديان السابقة من شدة أو تفريط، فجمع فيه الكمال بما فيه من الوسطية والاعتدال، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. فهذه الأمة أمة وسط في دينها، وفي عقيدتها، وفي عبادتها، وفي معاملاتها، وأخلاقها، ومنهاجها، وسلوكها. أمة وسط بما أنعم الله عز وجل عليها بهذا الدين القويم والصراط المستقيم الذي بعث به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فليس فيه ما كان عليه اليهود، ولا ما كان عليه النصارى مما كانوا فيه من الغلو والتشدد أو التفريط والتضييع. بل جعل الله عز وجل في هذه الأمة الأحكام المحكمة، والتشريعات المتقنة التي هي كفيلة بإصلاح هذا الإنسان. ومع ذلك جعل لأهل هذه الأمة من الرخص بما يناسب حاجتهم، وبما يناسب كذلك ضرورتهم. فما من موضع فيه شدة إلا وجعل الله عز وجل فيه التيسير، وما من موضع فيه الضرورة إلا جعل الله عز وجل فيه الرحمة ورفع الحرج. وهذا من نعمة الله عز وجل على هذا الدين وعلى أهله، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم ممتنا على هذه الأمة بما أنعم الله عز وجل به عليها بأخذ الدين القويم والصراط المستقيم. في سورة عظيمة نرددها ونقرأها، وفيها الامتنان من الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء الذي ندعو به، فنحن نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. ثم نختم فنقول: «آمين»، فيستجيب الله عز وجل لنا، وقد استجاب سبحانه وتعالى. ولذلك فما علينا معاشر المسلمين إلا أن نحرص على تعلم العلم النافع الذي به نصل إلى هذا الدين القويم والصراط المستقيم الذي من الله عز وجل به على هذه الأمة، أمة الإسلام، أمة الوسطية الحقة، أمة العدل والإحسان. الذي أكرمها الله عز وجل بأحسن كتاب وخير رسول وأحسن دين، وختم الله عز وجل بهم الأمم أجمعين. ما علينا إلا أن نقبل لتعلم العلم النافع الذي يعيننا على إصلاح أنفسنا، وإصلاح أسرنا وأبنائنا وبناتنا، وإصلاح مجتمعاتنا، بما يكون به الخير لنا في هذه الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. وأن نعلم أنه ما منا من أحد، صغيرًا كان أو كبيرًا، مسؤولًا أو رئيسًا أو مرؤوسًا، إلا وتتعلق به أمانة عظيمة من هذه الأمانة التي حملها الله عز وجل هذا الإنسان، وأنه سيسأل عنها يوم القيامة. وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». ثم ذكر ولي الأمر ورعايته، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». فالإمام مسؤول عن رعيته بإمامته، والمؤذن مؤتمن على الرعية بأذانه، وهكذا رب الأسرة مسؤول عن أسرته بما يكون من رعايته، والمرأة مسؤولة عم في بيتها عن هذه المسؤولية والأمان والرعاية، وستسأل عن هذه الرعاية. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». ومعناه أن تلحق الأبوين أمانة عظيمة في صلاح الأبناء بما يكون من صلاحهما، فإن صلح صلح الأبناء، وإن فسد فسد الأبناء، أو غفل غفل الأبناء. ولهذا قال: «الرجل راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها». أفرأيت راع الغنم وهو يرعى الغنم، وليس البشر، إذا نام عن هذه الأمانة تحت شجرة وتركها ليس لها حام يحميها، فجاء الذئب فأكل منها ما أكل، هل كان هذا الرجل الراعي قد أدى هذه الأمانة؟ الجواب بلا شك أنه فرط في هذه الأمانة، فلم يحمها من هذه الذئاب. وكذلك أنت يا أيها الأب، وأنت يا أيها الأم، مسؤولون جميعًا عن الأبناء، ألا تسرق الذئاب البشرية الأمانة والدين، وكذلك الصلاح والعفة من أبنائكم ومن بناتكم، فما أكثر الذئاب البشرية الذين اليوم قد انتشروا في الأرض. أفرأيت إذا جلس هذا الراعي في ظل شجرة وترك هذه الغنم تأكل مما يضرها، ولا تميز بين ما ينفعها، أو اعتدى قويها على ضعيفها فأهلك قويها ضعيفها، هل كان قد أدى الأمانة؟ الجواب لا، لم يؤدي هذه الأمانة. فكيف وأنت تترك أبناءك الأبرياء الذين ليس عندهم من العلم والخبرة، وليس عندهم من الدراية والقوة ما يحمون أنفسهم من هذه المجتمعات المنيئة بأنواع الشرور والآفات، أنواع الفتن والمضلات، أنواع الشهوات والشبهات. فلا حامية بعد حمى الله سبحانه وتعالى مثل رعاية الأبوين، وحماية وكذلك حفظ الأبوين. إذا فرط الأبوان في هذه الأمانة، فلا تسأل عن الشر يتخطفهم شياطين الجن والإنس، ويسرقهم رفقاء السوء والشر. فعند ذلك يحصل ما لا يحسن عقباه من انحراف وزيغ وضلال هؤلاء الأبناء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في السنن بإسناد صحيح: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». أي من يصاحب. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في ذلك الحديث الصحيح المشهور: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير». فحامل المسك إما أن يهديك، وإما أن يحذيك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، وهذا مثل جليس الجليس الصالح. وجليس السوء إما أن يحرق ثيابك، وإما أن يصلك من غبر ذلكم النار، أو لو لم يكن إلا تلك الرائحة المؤذية، فإنك لا تسلم من ذلك، وهذا مثل جليس السوء. وما أكثر جلساء السوء ورفقاء السوء في هذا الزمان. فإذا لم يوفق الله عز وجل، وحصل إهمال الأبوين، فلا تسأل عن الشر الذي يقع بسبب هذا الإهمال. انظروا إلى مجتمعاتنا، كم من الناس كما يقال من أسر محترمة، ومن بيوت معروفة بالخير، ولكن بلحظة تفريط وإهمال وغفلة وغير مراقبة، ينحرف بعض الأبناء فيزلون زلة عظيمة، ويسقطون سقطة كبيرة. وربما كانت تلك الزلة أو السقطة سببًا في تغيير الطريق والانحراف عن الصراط المستقيم، والسبب هو التفريط والغفلة والإهمال وعدم المراقبة. وعندها استطاع أهل الشر والسوء والفساد أن يسرقوا منا أبناءنا، وأن كذلك يخترق بيوتنا. وأعظم من ذلك وسائل التواصل التي اخترقت البيوت في هذا الزمان، مع غفلة الكثير من الآباء والأبناء، وكذلك الأمهات، فلم يراقبوا كيف قد اخترقت هذه الأجهزة بيوتنا، فوصلت إلى فلذات أكبادنا، فسرقت منهم الفضيلة، واخترقت أخلاقهم، فغيرت وبدلت. وكان ثمرة ذلك أن تغيرت أخلاق الكثير من أبنائنا، وسلوكيات الكثير من بناتنا، بما لا يتصور وبما لا يتوقع، والسبب هو هذا الاختراق الذي وصل إلى قعر البيوت، بسبب الغفلة والإهمال وعدم المراقبة وأداء الأمانة. فلذلك معاشر المسلمين والمسلمات، يا أيها الآباء والأمهات، إنه يتعلق بأعناقنا أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة في حفظ الأبناء، وحفظ كذلك البنات، وحفظ الأسرة بأكملها وأجمعها من تلك الاختراقات التي ابتليت بها مجتمعاتنا. وهكذا كذلك أرباب الأمانات، كذلك يحتاجون إلى أن يكونوا متعاونين متكاتفين، ألا تخترق مجتمعاتنا من دعاة السوء والضلال، من الأفكار المنحرفة والمناهج المضلة. فإن المجتمع قد ملئ بأنواع الفتن والشهوات والشبهات. فكان سبب إهمال من يجب عليهم أن يؤدوا الأمانة، سبب في انحراف الكثير من شبابنا، والكثير ممن هم في مجتمعنا إلى صنوف الضلالات. ظهر الإلحاد في جامعاتنا، وفي بعض مدارسنا، بما كان من بعض الجهود التي يبذلها بعض أعداء هذا الدين من خلال قنوات متنوعة، ووسائل مختلفة. تارة تحت مسمى المنظمات، وتارة تحت مسمى حركة الشباب والتعليم، وتارة تحت غطاء حقوق المرأة والطفل، وتارة تحت مسميات أخرى. ثم من خلال هذه القنوات أو غيرها يصلون إلى شبابنا وإلى فتياتنا، فما درى الكثير من الآباء والأمهات، والكثير من المسؤولين وأرباب الرعايات، إلا وقد اخترق هؤلاء سورة أهل الديانة وأهل الإسلام، فسرقوا منا أبناءنا، فصاروا من أهل الإلحاد، وصاروا من أهل الفساد. ولا يخفى عليكم ما نسمعه، وليس هذا بغريب بين الحين والآخر من مجاهرة بعض النساء والرجال بالانسلاخ من هذا الدين، والاستهزاء بثوابته، وكذلك المجاهرة بالكفر والإلحاد، وفرار الكثير منهم إلى بلاد الكافرين، وفعل ما يستحيى من ذكره وقوله. وما ذلك إلا قليل من كثير، بسبب التفريط في الأمانة، والغفلة عن الرعاية والمراقبة، الذي كان ثمرتها ظهور الإلحاد في مجتمع ما كان يعرف الإلحاد، وظهور طائفة إن سلخت من الدين وثوابته، وصاروا حربًا على ثوابت الدين والإسلام، بل وعلى معاني الفضيلة والعفة. والسبب هو الغفلة في المراقبة وأداء الأمانة. وفي مقابل هؤلاء استرق بعض أهل الغلو والضلال بعض أبنائنا وشبابنا، بل ومعض فتياتنا إلى الفكر الضال، الفكر المنحرف الذي فيه تكفير المجتمعات، واللامبالاة بالتفجير وغير ذلك من الأفعال الإجرامية الإرهابية البعيدة كل البعد عن سماحة هذا الدين وعدله وإحسانه. فشوهوا جمال هذا الدين، وأعانهم على ذلك أعداء هذا الدين، لعلمهم أن أمثال هؤلاء خير معول يهدم به المجتمع المسلم، ويشوه به جماله. ولذلك صار رؤوس هذه الجماعات المنحرفة، وهذه الفرق الضالة، تأوي إلى بلاد الكافرين، ومن تلك البلاد الكافرة يسيسون تلك الجماعات، ويوجهون الخطط لأولئك الشباب. وربما أعانهم بعض الخائنين ممن هم في بلاد المسلمين، فأثمر ذلك اختراقًا في مجتمعاتنا، فما نسمع إلا وحصل تفجير ها هنا، وتفخيخ ها هناك، وكذلك شباب يتقطعون الطرقات، ويفعلون أنواع المنكرات بإسم الدين، والدين من هذا براء. ما هو السبب أيها المسلمون والمسلمات، أيها العقلاء، أيها الوجهاء؟ إن السبب هو عدم أداء الأمانة، وعدم التعاون في إيصال الرسالة التي تقتضي حماية هذا المجتمع، كبيره وصغيره، شبابه وفتيانه، من مثل هذه الأفكار المنحرفة، وهذه الدعوات الضالة، وهذه كذلك الطرق التي تكون سببًا في إدخال مثل هذه الأمراض والأسقام. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، بقوله في ذلك الحديث العظيم، حديث العرباض بن سارية، كما جاء في السنن بإسناد صحيح، قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعظوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». أيها المسلمون، عباد الله، لا مخرج لنا ولا منجى إلا باتباع الكتاب والسنة، كما جاء في هذا الحديث، وفي الحديث الآخر كذلك، فيما جاء عند الإمام أحمد، وفي السنة لابن أبي عاصم، عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، بإسناد صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء في رواية معناها صحيح، ويحسنها بعض أهل العلم، قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». وإذا قارنت هذا الحديث بالحديث الذي قبله، مع قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وبقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي الذين يتبعون الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ورضوا عنه. أيها المسلمون، عباد الله، إن دعوة أهل السنة والجماعة هي طريق النجاح، وطريق السلامة، وطريق الأمان، في عقيدتها، وفي عبادتها، وفي معاملتها، وفي أخلاقها، ومنهاجها، وسلوكها، وفي مواقفها. سلام للعقيدة وأمان، وسلامة في العبادة وأمان، وسلامة في المعاملة وأمان، وسلامة في الأخلاق والمنهاج والسلوك وأمان. فالأمان نجده بطريق أهل السنة والجماعة، لأنهم إنما يدعون الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى