المحاضرة بعنوان الحرص على العلم من لوازم الثبات على هذا الدين، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الاستمرار على طلب العلم يحقق الاتباع للكتاب والسنة وسير السلف، ويقي من الانحراف بسبب الشهوات والشبهات. الانقطاع عن العلم يفتح الباب للانحراف.
ملازمة طريق العلم لا تعني ترك أسباب المعيشة، بل الموازنة بين العلم والعمل كما فعل السلف الصالح. العلم النافع والعمل الصالح غذاء للقلوب والأرواح.
الحرص على العلم يضمن الثبات على الدين ويجنب الانحراف. تخصيص أوقات للصلة بالعلم وأهله مثل حضور مجالسهم في بيوت الله يهذب النفس ويصلح الأعمال.
يجب الاستمرار في طلب العلم بكل الوسائل، سواء بحضور مجالس العلم أو بالقراءة أو الاستماع إلى ما ينفع. يسأل الله الإصلاح والمعونة على النفس.
الحرص على العلم والاستمرار عليه، فإن الحرص على العلم من أعظم أسباب الاتباع، ومن أعظم أسباب ملازمة الأصلين: الكتاب والسنة، ومن أعظم كذلك أسباب السير بسير سلف الأمة. ففاقد الشيء لا يعطيه، كم من الناس من عنده نية حسنة ومقصد حسن، سرعان ما يضعف أمام دواعي الانحراف من شهوات مغرية وشبهات مضلة، يكون بها زيغه من حيث لا يشعر، لكنه إذا لازم طريق العلم وأهل العلم، وانتبه لمعنى «لازم»، لأن من الناس من يلازم فترة، فينقطع أخرى، فيكون سبيل شياطين الجن والإنس إلى قلبه وإلى أقواله وأفعاله في تلك الفترة التي ينقطع فيها. وبه تعرف وتفسر سبب انحراف بعض من سلك طريق العلم في يوم من الأيام، ثم صار من المنحرفين الساقطين في أنواع من الضلالات: شبهات أو شهوات. ربما كان من أسباب ذلك انقطاعه عن ملازمة طريق العلم. كما ينتبه هنا، عباد الله، أن ملازمة طريق العلم لا يعني أن تتفرغ للعلم، وأن تترك أسباب المعيشة، وأن تكون من خلص طلبة العلم، ليس هذا هو المطلوب، فإن هذا لا يطيقه ولا يحسنه كل أحد، وإن كان هو من أبواب الخير التي حث عليها شرعنا وديننا. لكن المطلوب من ذلك ما فعله سلفنا رضي الله عنهم، مع قيامهم بأمور معيشتهم، لم ينقطعوا عن مجالس العلم بين الحين والآخر، وملازمة أهله لعلمهم. أن هذا الدين قد علم أهله درسا عظيما، كانت به المزية عن سائر أهل الأديان، أن هذه الأجساد كما تحتاج إلى الطعام والشراب، فهي تحتاج كذلك إلى العلم النافع والعمل الصالح الذي هو زاد القلوب والأرواح. فإذا كانت الأجساد تموت وتهلك، أو تمرض بنقصان أو فقدان الطعام والشراب، فكذلك هذه الأجساد تهلك أو تمرض بنقصان العلم النافع والعمل الصالح. فلذلك ينبغي أن يستشعر كل مسلم، كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أو أنثى، من أهل العلم وطلبته، أو كان من عامة المسلمين، أن الحرص على العلم من لوازم الثبات على هذا الدين، فإن من لم يحرص عليه دخلت عليه أسباب الانحراف، قليلة كانت أو كثيرة. والناس في هذا بين مستقل ومستكثر، شعروا أو لم يشعروا. ولذلك ينبغي على أهل الإسلام جميعا أن يحرصوا أن تكون لهم أوقاتا يصرفوها ويبدلوها في الصلة بالعلم وأهله، إما أن يكون ذلك بحضور مجالسهم في بيوت الله، ولو وقتا في اليوم، ولو يوما في الأسبوع، ولو لحظات في الشهر، لكنه يستمر على ذلك. فإن ذلك الاستمرار سبب لتزكية وطهرة قلبه وجوارحه، فيكون سببا في إصلاح نفسه وإعادتها إلى حياض الاستقامة وطريق السلامة. فلذلك ينبغي أن يحرص المسلم على ملازمة العلم وأهله بقدر ما يستطيع، فإن أمكن أن يأتي إلى مجالسهم في بيوت الله وفي دور العلم كما قلنا، ولو حينا من الدهر، حتى ولو أيام في السنة يحيي بها قلبه ويصلح بها أعماله، كان هذا من الأمر الحسن. وإن لم يستطع فلا أقل من وسائل أخرى هي من وسائل العلم، تكون بها حياة القلوب وإصلاح الأقوال والأفعال، من ملازمة لذلك العلم، إما في كتاب يقرأه بين الحين والآخر، أو شريط أو مسموع يسمعه بين الفينة والأخرى، يكون فيما يسمعه أو يقرأه ما يكون به حياة قلبه وتذكيره وإعادته إلى ما يحبه الله جل وعلا ويرضاه له. فأسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يصلح بواهرنا وبواطننا، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يجعلنا هداة مهديين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.