الدرس في شرح لامية ابن الوردي 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يواصل الشيخ شرح لامية ابن الوردي مركزًا على الحث على طلب العلم والاجتهاد وترك الكسل. يشرح كيف أن الانشغال بالعلم يمكن أن يقلل من الرغبة في النوم.
يتناول المقطع مسألة تقبيل اليد ويشير إلى أن التفصيل هو الرأي الصحيح في جوازها إذا لم يكن فيها تعظيم زائد. كما يتطرق إلى وصايا تتعلق بالأدب والاحترام.
يتحدث الشيخ عن ضرورة الرضا بقسمة الله للرزق وعدم الاغترار بالدنيا، ويؤكد على أهمية التوكل على الله وترك الحيلة الزائدة. يُشير إلى أن ما يحصل عليه الإنسان هو بفضل الله وحكمته.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح لامية ابن الوردي، رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالهيوش. والآن مع الدرس الخامس. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا ما ذكره المؤلف، رحمه الله، من وصايا في هذه اللامية المشهورة بلامية ابن الوردي. وكان مما مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره رحمه الله من الحث على الجد والاجتهاد في طلب العلم، والاحتفال بالفقه في الدين، وترك أسباب الكسل، في عدة أبيات. ومما مر معنا في شرح هذه الأبيات ما ذكره رحمه الله من حثه على طلب العلم والتفقه في الدين، وهجران النوم والكسل. وذكر مما يعين على هجران النوم شيئًا، ما هو هذا الشيء؟ ما هو الذي يعينك على أن تهجر النوم؟ أن تقلل من النوم، هذا الذي يعينك. ذكر علاجًا، ما هو العلاج؟ ما ذكره قيام الليل. نريد الذي ذكر، ماذا ذكر؟ يعني توجه إلى هدف، فإذا توجهت إليه وانشغلت به، فسيحقر هذا الجهد الذي تبدله، وعند ذلك سيكون مشغولًا، وهذا الشغل سيقلل من طلب جسدك للنوم. وضربنا أمثلة لهذا، كالإمام النووي، رحمه الله، كما نقل في ترجمته: كان لا يعرف النوم على الفراش، ينام إما رأسه في وسط كتاب، أو رأسه متكئ على رف كتاب، دائمًا هو بين الكتب والقراءة والتعليم والتأليف، رحمه الله رحمة واسعة. ما هو الذي جعله لا يفكر في التلذذ بالنوم؟ حبه الشديد للعلم، جعل قلبه معلقًا بالعلم، حتى إنه ينسى راحته، فراحته في العلم. وذكر حثه على نظم الشعر، وذلك لماذا؟ حتى يعين على قوته العلمية، نظم الشعر يعين على قوته العلمية، فعربيته ستقوى، وكذلك ملكته ستقوى، فسيكون عنده من المحفوظات وأشياء كثيرة تعينه على قوته العلمية. وقال الناظم، رحمه الله تعالى: أنا لا أختار تقبيل يدٍ ... قطعها أجمل من تلك القبل إن جُزتني عن مديحي صرت في دقها ... أولى، فيكفيني الخجل أعذب الألفاظ قولي لك خذ ... وأمر اللفظ نطقي بلعل ملك كسرى عنه تغني كسرة ... وعن البحر اجتزاء بالوشل اعتبر نحن قسمنا بينهم ... تلقاه حقًا وبالحق نزل ليس ما يحوي الفتى من عزمه ... لا، ولا ما فات يومًا بالكسل اطرح الدنيا فمن عاداته ... تخفض العالي وتعلم من سفل عيشة الراغب في تحصيلها ... عيشة الجاهل فيها أو أقل كم جهول بات فيها مكثرًا ... وعليم بات منها فعلًا كم شجاع لم ينل فيها المُنى ... وجبان نال غايات الأمل فاترك الحيلة فيها واتكل ... إنما الحيلة في ترك الحيل أي كف لم تنل منها المُنى ... فرماها الله منه بالشلل لا تقل أصل وفصل آبدًا ... إنما أصل الفتى قد حصل قد يسود المرء من دون أب ... وبحسن السبك قد يفدغل إنما الورد من الشوك وما ... ينبت النرجس إلا من بصل أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات، وهو يسترسل بهذه الوصايا والحكم التي يوصي بها ولده، أو كما قلنا: هي وصية من كل أب لولده. وفي هذا المقطع أشار إلى وصية في مسألة من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء، وهي مسألة تقبيل اليد. وهو يشير بهذا إلى أن طالب العلم ينبغي عليه أن يؤدي الاحترام والأدب، والعمل بالعلم في حدود المأذون فيه، ويترك الممنوع والمشتبه والمختلف فيه. ومن المختلف فيه تقبيل اليد، وقد اختلف أهل العلم في تقبيل اليد على ثلاثة أقوال: فمنهم من ذهب إلى تحريم ذلك، وسماه السجود الصغرى. ومنهم من أجاز ذلك، وقال: هذا من باب الأدب والاحترام إذا جرى به العرف. ومنهم من فصل في هذا، وهذا هو الصحيح: التفصيل في تقبيل اليد. فإن كان تقبيل اليد ليس فيه معنى التعظيم والخضوع والذل المنافي للتعظيم لله عز وجل، ولم يكن معه كذلك الانحناء الذي يؤكد ذلكم التعظيم، فإذا انتفى هذان الشرطان جاز تقبيل اليد، ما دام العرف جاء به. والأمر الآخر: أن لا يكون مع هذا التقبيل شيء من الانحناء الزائد عن المعتاد. يعني: يوجد تقبيل أنت إذا قبلت الأب أو الجد في يده ترفع يده وتقبل مع تقبيل الرأس، تقبل الرأس وتقبل اليد، فترفع اليد إلى جهة الصدر. قبلت الرأس، فأخذت اليد فرفعتها إلى الصدر وقبلتها. بخلاف الذي يريد التعظيم، فإنه يجعل مع التقبيل ماذا؟ انحناء. بل في بعض البلاد ينحني فيجلس على الركبتين، كما في بعض بلاد آسيا، وفي بعض بلاد أفريقيا. فالصحيح في تقبيل اليد التفصيل بهذين الشرطين الاثنين. ما هو الشرط الأول؟ أن لا يكون فيه تخصيص، فإذا كان فيه تخصيص كان فيه معنى التعظيم المنهي عنه. والشرط الثاني: أن لا يكون فيه انحناء زائد عن المعتاد. أصل التقبيل فيه انحناء، لكن نقول: زائد عن المعتاد. فالزائد عن المعتاد نوع من التذلل لغير الله لا يجوز. ثم ذكر رحمه الله قوله: «إن جُزتني عن مديحي صرت في دقها أولى، فيكفيني الخجل»، أعذب الألفاظ قولي لك خذ، وأمر اللفظ نطقي بلعل. يعني: إذا جاءك مديح فلا تقبل، وحاول أن تدفع، وتحريص على هذا الخير لك وعليه. وكذلك تحرص على الألفاظ التي فيها العطاء، وتتجنب الألفاظ التي فيها المنع. ثم قال: «ملك كسرى عنه تغني كسرة، وعن البحر اجتزاء بالوشل»، إلى آخر ما ذكر. ومعناه: لا تنظر إلى من فوقك في أمر الدنيا، ولكن انظر إلى من دونك، يقنعك الله بما أعطاك. وأنت لا تدري لعل هذا الذي عنده ملك كسرى هو في عذاب وفي هم وغم وفي خوف دائم، وأنت الذي عندك كسرة خبز في نعيم وراحة وأمن وأمان، وغير ذلك من أسباب السعادة الحقيقية. ثم قال: «اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقاه حقًا وبالحق نزل»، يشير إلى الآية. فالله عز وجل قد أخبرنا أنه قسم هذه الدنيا وعيشتها وأرزاقها بيننا، فهي قسمة الله سبحانه وتعالى. إن أعطى أعطى بفضل، وإن منع منع بعدل، وله الحكمة سبحانه فيما أعطى وفيما منع. فأنت ما عليك إلا أن ترضى بذلك، ولا ينافي ذلك أخذك بالأسباب. ثم قال: «ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا، ولا ما فات يومًا بالكسل»، اطرح الدنيا فمن عاداته تخفض العالي وتعلم من سفل. يشير كذلك إلى أمرين اثنين: الأمر الأول أنه لا يجعل الدنيا أكبر همه، فما في الدنيا لله سبحانه وتعالى. فكم أناس في الدنيا كانوا في علو أخفضهم الله، أو كانوا في انخفاض وسفول فأعلاهم الله، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. من المحال أن يدوم ماذا الحال؟ كما قيل: من المحال أن يدوم الحال. فهذا يرتفع وهذا ينزل، وهذا يخفض وهذا يبسط له، ونحو ذلك. وهذا أمر الدنيا، ولله حكمة في ذلك كله. وهكذا الأمر الآخر: ينبغي أن تعرف أن ما يحويه قالب الفتى، أي الشاب الذي سيقبل على حياته الجديدة المليئة بماذا الأبواب التي تحتاج منه أن يحسن اختيارها، ينبغي أن يعلم أن ما ينبغي أن يحويه ليس هو التوسع في الدنيا، وإنما هو ما ينفعه مما سبقت الوصية به. وثانيًا كذلك: أنه لا ينبغي أن ينظر إلى ما فات فيورثه الكسل، بل ينظر إلى ما يأتي حتى يأتيه الجد والاجتهاد. ثم قال: «عيشة الراغب في تحصيلها عيشة الجاهل فيها أو أقل»، كم من جهول بات فيها مكثرًا وعليم بات منها فعلًا. يعني: أن الأمر لله سبحانه وتعالى فيما يعطي ويمنع. فأنت تبدل الأسباب، والله سبحانه وتعالى يعطيك من واسع فضله وعظيم عطائه ما يكون لك. ليس بعلم تحصل الأرزاق، ولا بجهل تمنع الأرزاق، وإنما الأمر لله سبحانه وتعالى. ثم قال: «كم شجاع لم ينل فيها المُنى وجبان نال غايات الأمل»، فما في هذه الدنيا وما يتمناه الإنسان لا ينال بشجاعة كما لا يذهب بجبن، وإنما ذلك فضل الله سبحانه وتعالى. فشجاع يطمع في شيء لا يحصله، وجبان يطمع في شيء فيحصله، أو العكس. وهذا فضل الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن يعلق العبد ما يقع في هذه الدنيا بقدر الله وحكمته سبحانه وتعالى. ثم قال: «فاترك الحيلة فيها واتكل، إنما الحيلة في ترك الحيل»، أي كف لم تنل منها المُنى فرماها الله منه بالشلل. وكذلك يشير هنا إلى ترك الحيلة التي تزيد في الانشغال، وليس معناها الحيلة الأخذ بالأسباب. وأخذ الأسباب والحيل لأخذ الأسباب بالمباح والجائز والمأذون فيه هذا مأذون فيه. وأما الحيلة التي تكون بالزيادة عن ذلك بأن يأخذ من وقتك ويصرفك عن الخير، فهذا مما لم يأذن به الشرع. وأعظم من هذا أن تكون الحيلة بالحرام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.