اللقاء المفتوح 20

السؤال: اللقاء المفتوح 20، وكان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٧ ربيع الآخر ١٤٣٥هـ أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية مجالس العلم والتحذير من القول على الله بغير علم

يؤكد الشيخ على أهمية مجالس العلم في حياة المسلمين ويحذر من القول على الله بغير علم. العلم هو أساس الإصلاح والتقوى.

خطورة الخوض في أمور الناس دون علم أو أهلية واستخدام التكنولوجيا

يُنبه الخطيب إلى خطورة الخوض في أمور الناس دون علم ويحذر من عواقب ذلك. كما يتحدث عن أهمية وضع ضوابط لاستخدام التكنولوجيا الحديثة.

الطريقة الصحيحة لطلب العلم وتجنب الفتنة بين طلبة العلم

ينصح الشيخ بالابتعاد عن الفتنة والخلاف بين طلبة العلم ويؤكد على أهمية أخذ العلم من المشايخ مباشرة. يحذر من تضييع الفرص في طلب العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، إننا نحمد الله سبحانه وتعالى الذي وفَّقنا لمثل هذه المجالس الطيبة المباركة، نجتمع فيها على مذاكرة العلم النافع، لنجتمع بغير أحساب ولا أنساب ولا أعراض ولا أغراض، ولكن نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس خالصًا لوجهه، ومبتغى به سبحانه وتعالى ما عنده. وهي نعمة عظيمة أن يوفِّق الله عز وجل عبدًا من عباده لمثل هذه المجالس المباركة التي ينتفع بها المتكلم والسامع، ويحصل فيها من المذاكرة للعلم النافع ما يعين بإذن الله تعالى على العمل الصالح. وفي بداية هذا اللقاء، أستفتح ببعض النصائح التي أنصح بها نفسي وإخواني، أولها نصيحة وبصيرة بالحرص على الاستمرار والمواصلة في طريق العلم والتحصيل. فأنتم ترون كيف الناس من حولكم يتخبَّطون في أنواع الفتن، فتن الشهوات وفتن الشبهات، والله عز وجل وفَّقنا بما نحن عليه من الانشغال بالعلم، أن عصمنا من تلك الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله سبحانه وتعالى أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أدنى من ذلك. الله الله معاشر المسلمين عمومًا وطلبة العلم خصوصًا، في الحرص على مجالس الذكر والعلم، هذه المجالس الطيبة المباركة التي تنتفع بها انتفاعًا كثيرًا. فكم من مسألة نجهلها نتعلمها، وكم من مسألة نسيناها فنتذكرها، وكم من غفلة طرأت على ألسنتنا أو على جوارحنا وقلوبنا، فإذا سمعنا كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقل من الأخبار والأحوال عن السلف الصالح، أعاننا ذلك على إصلاح الكثير مما هو في حياتنا. وهي نعمة عظيمة فضلًا عن فوائد كثيرة ومنافع عديدة، لا يحرمها من وفقه الله عز وجل لهذا الطريق. وكفى به فضلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فلا نبخل جميعًا حتى صاحب الأسرة ورب العمل ومن له وظيفة، لا نبخل جميعًا على أنفسنا بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة. أنت تحتاج للعلم لنفسك ولأهلك ولولدك ولسائر من حولك، تحتاج للعلم لتعبد ربك سبحانه وتعالى على بصيرة، تحتاج للعلم لتؤدي حقوقًا كثيرة فيها من الأمانات الشيء الكثير. وقد أمرنا الله عز وجل أن يؤديها على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. وكيف يؤدي الإنسان تلك الأمانات وهو يجهلها؟ بل ربما حتى إذا علمها غفل عن تفاصيل كثيرة، لكنه إذا حرص على مجالس العلم أعانه ذلك على الإحسان والإتقان. ولهذا كان أكمل الناس إحسانًا وإتقانًا لأداء حق الله وحق خلق الله هم العلماء العاملون الصادقون، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. ولهذا قرن الله عز وجل شهادتهم بشهادة نفسه وملائكته في أعظم مشهود، قال سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وإذا كان كذلك، فلا نبخل على أنفسنا بأن نبذل من أوقاتنا الكثير في هذه المجالس الطيبة المباركة التي يعيننا الله عز وجل بها بإذن الله على خير الدنيا وخير الآخرة. وأنت تعلمون كيف أن الله عز وجل يزيد من وفقه الله لطريق العلم إيمانًا وثباتًا وتوفيقًا وسدادًا، ما لا يكون عليه حال الإنسان إذا حرم مثل هذه المجالس الطيبة المباركة. بل نحن نرى بأعيننا ونشاهد في واقعنا أناسًا كانوا يومًا من الأيام من أهل هذه المجالس، لكنهم لسبب أو لآخر انصرفوا عنها وانشغلوا وابتعدوا، فكان ثمرة ذلك أن لم يكونوا على ما كانوا عليه من خير. يقل نشاط الإنسان في الخير، فضلًا عن وقوعه في بعض المحاذير والمخالفات، وكذلك استشرافه لبعض ما قد يعرض عليه من فتن. والمعصوم من عصمه الله، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. فلذلك نكرر ونقول: علينا أن نجد ونجتهد في طريق العلم وتحصيله، مع ما لا يخفى علينا من حاجة الأمة جميعًا للعلم. فحاجة الأمة للعلم أعظم من حاجتها للطعام والشراب. الناس ينظرون إلى إصلاح المجتمعات بنظرات مختلفة، فإن من الناس من يفكر كيف يصلح أحوال الناس، ولو كان صادقًا مخلصًا، لكنه ربما لا يوفق للطريق الصواب والأولويات المهمة التي يكون بها إصلاح أحوال العباد والبلاد. فلا ينبغي أن نتوسع في مثل هذا الباب، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ولما ذكر ربنا سبحانه وتعالى المحرمات، قرن القول على الله بغير علم بالكفر والشرك، وجعله أعظم منه، إذ رتب تلك المحرمات ترتيبًا تصاعديًا، بدأ بالأصغر وانتهى بالأكبر. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فجعل القول على الله بغير علم أعظم من الشرك بالله، لأن الشرك من معاني القول على الله بغير علم، وكل ذنب عصي به الله عز وجل، مصدره القول على الله بغير علم. فلو أن الناس سكتوا ووقفوا عندما أنزل الله من العلم، لم يكن مثل هذا الفساد والشر. ومثل هذا ما يخاض، فتجد السفيه الذي ربما لا يذكر نفسه من عشر أو عشرين سنة، لم يفتح المصحف، وإذا به يتكلم عن مسائل شرعية في الجرائد، ورأيه كذا وقوله كذا. ثم يأتي آخر أجهل منه، ويرد عليه في تلك الجريدة أو الأخرى، وهذا يعمل مقابلة ويعترض على أشياء في كتاب الله، وآخر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا من أنواع الباطل والشر والفساد ما لا يخفى على أحد. ومثل هذا وليس ببعيد منه تلك التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر وهكذا، وكذلك سكايب وغيرها من الوسائل الأخرى. هذا يكتب، وهذا يكتب، وهذا يعلق، وهذا يضع رأي، وهذا يعترض، والكل يكتب، ما أحد سأل نفسه: هل أنا أهل للكتابة؟ هل كتابتي هذه في ميزان حسناتي أم في ميزان سيئاتي؟ هل يؤذن لمثلي أن أكتب في مثل هذا؟ تتعجب على الجرأة التي وصل بها حال الكثير من الناس في مثل هذا. ومثلها المواقع في الشبكة، هذا ينشئ موقع، وهذا ينشئ موقع، وهذا يكتب تعليق، وهذا يرسل بمقال. وإذا فتشت عن أحوال هؤلاء، وجدت الكثير منهم لا يجوز لمثله أن يخوض في مثل هذا الباب. فينبغي أن نتق الله سبحانه وتعالى، معاشر المسلمين، بل ومعاشر طلبة العلم، حتى طالب العلم له حد ينبغي أن يعرف قدر نفسه. ومن لم يعرف قدر نفسه، فإنه يخشى أن يحرم بركة العلم الذي معه. وكما قال من قال من العلماء: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». أنت حين تستعجل وتتكلم وتخوض في أشياء ما يؤذيك بالكلام فيها، تفسد أكثر مما تصلح، حتى لو أنك تظن أنك تصلح، أنت في الحقيقة تفسد، لأنه ليس عندك الأهلية لهذا الباب. ولهذا حذر العلماء من الخوض في مثل هذا. بل ربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. لو سكت الجميع وتكلم العلماء، سمع صوت العلماء واضحًا، ولم يكن هناك تشويش. فمثلًا لو كنا في هذا المسجد، وفينا عالم كبير يريد أن يتكلم، تكلم، فتكلم هذا من هنا، وهذا من هنا، وهذا من هنا، فارتج المسجد بالأصوات، هل سيسمع صوت العالم؟ ما سيسمع. ولن يفهم، ولن يستفاد منه، لكن إذا سكت الجميع وسمع صوته، حتى لو كان صوتًا ضعيفًا، فإننا سنستفيد من هذا الصوت، وسنسمعه، وسيحصل المقصود. وهكذا كذلك يقال بالنسبة لما يثار في هذه الوسائل الكثيرة المتشعبة المتنوعة، خوض الناس في هذه الوسائل بهذه الطريقة أضر بالناس، وشتت الناس تشتيتًا عظيمًا. لكن لو أحيل الأمر إلى أهله، لحصل الخير الكثير. فلذلك أنصح نفسي أولًا، وإخواني وجميع المسلمين ثانيًا، أن نتق الله عز وجل في هذا الباب، وأن نلزم السكينة التي أمر الله عز وجل بها ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والرفق الذي هو من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم. وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح والسداد لديننا ودنيانا. والله تعالى أعلم. والآن ننظر إلى ما يتيسر من هذه الأسئلة. طبعًا الأسئلة كثيرة، لكن سامحونا نأخذ ما يتيسر في مثل هذا المقام. هذا سائل يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وعليكم السلام ورحمة الله. المشقة تجلب التيسير، يقول: ما توجيهكم لأخ هاجر من بلد الكفر، واضطر إلى الرجوع إلى بلاد الكفر لمرض أصيب به، لأجل المعالجة إذا لم يجد ذلك إلا في ذاك البلد، فيرجع مع حرصه على أن يخرج عاجلًا غير آجل. والضرورات تبيح المحظورات، مع التنبه أنه ينبغي كذلك أن يذهب في بلد آخر أقل فتنة. فإن استطاعا يرجع إلى مثلا ما وجد العلاج إلا في بلاد الكفر، فإذا يبحث عن البلد الذي فتنته أقل، والضرر عليه أقل. وذكر بعض أهل العلم أنه يحتاط ولا يرجع إلى نفس المكان الذي خرج منه، وهذا أحسن. والغالب أن المكان الذي كان فيه فيه من الماضي ما قد يفتنه، وما قد يجره إلى الشر الذي كان عليه. فلذلك يحرص قدر المستطاع لا يرجع إلى المكان الذي كان فيه. يقول: ما حكم القراءة في الكتب التي حققها علي حسن عبد الحميد قبل فتنته؟ هل يجوز القراءة فيها وتعليمها مع التنبيه على ضلالاته؟ ينبغي علينا أن نعرف أن الناس لا يستوون في العلم، وفي معرفة الصواب من الخطأ. فما يصلح لبعض الناس لا يصلح لكل الناس. فلذلك إذا استطاع أن يكتفي بغيرها من الكتب التي هي بعيدة من التنبيه، حتى لا يحتاج إلى تنبيه، فهذا أحسن وهذا أفضل. وكذلك حتى يبتعد من أسباب الشقاق والخلاف، وما قد يكون سببًا للخصومات. وينبغي كذلك في المقابل أن لا يكون عند بعض الناس من التعجل وإطلاق التهم، ما يكون مدعاة للفرقة والشر. فبعض الأشياء قد يكون فيها استثناءات، وأنت لا تعرفها. فلذلك ينبغي أن ترجع إلى أهل العلم، وأن تسأل أهل العلم، ولا تتعجل لا إقدامًا ولا إحجامًا. نعم. يقول: ما حكم التعزية في المقبرة والوقوف صفوف للتعزية؟ وهل يلزم المصلي التعزية في المقبرة أو المسجد؟ أم يكتفي بالصلاة فقط؟ إذا استطعت أن تعزي قبل ذلك، فهذا أفضل، كونك تعجل بتعزية صاحب المصيبة بمصيبته، وتثبته وتدعو له، فهذا أفضل. فإذا لم يتيسر قبل الصلاة، ولم يتيسر لك الذهاب إليه لبيته أو لقاءه قبل الصلاة على الجنازة، فتنظر المكان المناسب الذي تلقاه فيه. بدون هذه الكيفية والتعني والحرص عليها، فقد نص الكثير من العلماء أن المداومة والتعني والحرص على هذا الوصف قد يوصل صاحبه ومن يفعله إلى البدعة. وفيه من المشقة ما لا يخفى. فلذلك ينبغي أن يحرص الإنسان على أن يجتنب مثل هذا. وعندكم أماكن وأوقات أخرى كثيرة تستطيع أن تعزي صاحب المصيبة بمصابه. يقول: ما حكم اتباع الجنائز التي فيها بعض البدع، كقراءة ياسين قبل الصلاة على الجنازة، والقراءة الجماعية، وبعض الأدعية؟ الذي ينبغي أنك تجتنب المجالس التي فيها منكر، ومن المنكر البدع. فإذا صليت على الجنازة، يمكنك أن تصلي على الجنازة، تأتي وقت قامة الصلاة، إذا كنت تعرف وقت قامة الصلاة. أو تصلي على الجنازة في المقبرة، يعني قبل أن تقترب من القبور، خارج القبور. وإلا داخل المقبرة، فقد صح النهي عن الصلاة على الجنازة في المقبرة. وأما بعد دفنها، فيجوز كذلك إذا دفنت الجنازة، تصلي على الميت بعد دفنه، وتصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول: ما النصيحة فيمن ينشغل بالنت، وربما على حساب أهم الأوقات؟ وكيف يتعامل طالب العلم مع هذه الوسيلة؟ وربما ظهرت بعض الصور التي كأنه لا يستطيع اتقاء رؤيتها عارضًا بغير قصد؟ أولًا ينبغي أن يُعلم أن هذا الباب قد حصل فيه توسع كبير عند الكثير من الناس، إلا من رحم الله. والذي ينبغي للإنسان أن يتقي الله عز وجل، وأن يُغلق على نفسه أبواب التوسع في المباح، فضلًا عن الوقوع في الحرام. فلذلك من أدخل هذا الشيء في بيته، فالذي ننصح به أن لا يتركه لكل أحد، لأنه قد يستعملونه أن لا يحسنه، فيتضرر. وأمر آخر أن لا يجعله في موضع يكون فيه عرضة لفتنة الخلوة، والإنسان ضعيف. فلا يعرض نفسه لاستغلال الشيطان له. فإضعه في المكان العام، مثلًا عندك جهاز ضعه في الصالة، من يذهب ومن يأتي يرى هذا الجالس. واحرص على وضع البرامج التي تحمي هذا الجهاز من أن يستخدم استخدامًا سيئًا. واحرص أن تجعل لك وقتًا في استخدامه فيما تحتاجه من أمر دينك ودنياك. واحرص كذلك على وضع بعض البرامج التي تحجب الصور، وربما تفعل هذا في الجهاز باستشارة أهل الخبرة. وبعد هذا إذا وقع شيء بعد الحرص الشديد والاجتهاد الكثير، فهو من المشقة التي قد يعفى عنها، مع حرص الإنسان وشدة اتقائه. ونسأل الله عز وجل أن يعفو عنا جميعًا، خصوصًا أنه لا يخفى علينا بعض الناس قد ينتفع، لكن كما قلنا بضوابط، وإغلاق أبواب الشر، يحرص ويجتهد ولا يتوسع ولا يتساهل كما فعل الكثير من الناس. يقول: المرأة التي تصلي صلاة الفجر، ثم تجلس في بيتها حتى تطلع الشمس، هل يحصل لها أجر الحج والعمرة التامة؟ نعم على صحة الحديث إن شاء الله يصلها ذلك. وقد صح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن، كنا يفعلن ذلك، تجلس الواحدة في مصلاها تذكر الله حتى تشرق الشمس، ثم تصلي ما تأسر لها. وهذا سائل يقول: هل يصح طلب العلم بالكتب وحدها؟ الجواب: كما قال من قال من أهل العلم: «من كان شيخه كتابه، كان خطه أكثر من صوابه». أنت إذا اتخذت شيخك الكتاب، فالخطأ يرد عليك أكثر من الصواب. ولهذا قال من قال من أهل العلم: «لا تأخذي القرآن عن مصحفي، ولا العلم عن كتبي». لماذا؟ لأن الذي ما أخذ القرآن عن المشايخ، ربما يلقنك خطأً أخذه من المصحف، ولم يأخذه من أفواه المشايخ. ولهذا كان من سنة أهل الإسلام أخذ القرآن بالمشافهة، كما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل مشافهة، سمعه وأسمعه غيره عليه الصلاة والسلام. وهكذا سمعه الصحابة، فأسمعه الصحابة غيرهم، حتى وصل إلينا. ومن فضل الله على أهل هذا الدين أن حتى عوام المسلمين يأخذون القرآن مشافهة من أئمتهم وعلمائهم، حين يسمعونهم يقرؤون في الصلوات الخمس. يسمعونهم يقرؤون في الصلاة، فيعرفون كيف تقرأ هذه الآيات. لأن المسألة ليست مسألة أحرف، المسألة مسألة أداء وأحكام وغير ذلك من تفاصيل يعرفها من يعرف أحكام قراءة القرآن من تجويد ومخارج حروف ومدود وغير ذلك. حتى الوقف له أحكام، ليس تهده هدًا تقف على ما تشاء، وتقرأ حيث تشاء لا. ونفس الشيء لا يأخذ العلم عن كتبي، من يأخذ العلم من الكتب يظل ويظل، يظل نفسه ويظل غيره، لأنه لا يميز النافع من الضار، ولا يأخذ بك إلى طريق، بل لا يأخذ بنفسه إلى طريق السلامة، فضلًا عن الطريق المختصر الذي يوصله إلى الحق. إنسان درس أعلى مشايخ، إذا عرض له سؤال، الشيخ بما أخذ ممن فوقه من المشايخ، وما قرأ وسبق في أكثر من خمسين سنة بطريق العلم، سيعطيك خلاصة هذه المسألة، بما لا يمكنك أن تصل إليه ولو قعدت عشر سنين. أليس كذلك؟ لو قيل لبعض طلبة العلم: ابحث في هذا الحديث، ما كلام العلماء فيه؟ ربما يقعد عشر سنين ما يستطيع يخرج شيء فيه، إنه ما يعرف أين يبحث، في أي مكان؟ هل يقف في مكتبة فيها أكثر من أربعين ألف مجلد؟ في أي كتاب يأخذ من هذه الكتب يبدأ يقرأها على صفحة صفحة؟ بعد كم سينتهي منها؟ وأين سيكون الجواب؟ لكنه يأخذه جاهزًا، يسأل الشيخ، ويعطيه الشيخ الجواب. اختلفوا العلماء، والصواب في هذا قول فلان، للحجة الفلانية، ذكره في الكتاب الفلاني، ربما في الصفحة الفلانية، اذهب اختصر لك الطريق. تذهب بكل سهولة، تفتح الكتاب تجد المسألة. لكن أدخل طال العلم في مكتبة فيها ربعين ألف كتاب، أخرج لي هذه المسألة، يستطيع يخرجها؟ ما يستطيع يخرجها. وهكذا كذلك من يريد أن يأخذ العلم بنفسه من الكتب. لكن إذا أخذت على المشايخ، لا بأس أن تجتهد في الكتب فيما درست، والشيخ يوجهك كذلك، ما هو الكتاب النافع؟ وما هو الكتاب الضار؟ وما هو الكتاب الذي هو ليس فقط نافع، أنفع النافع؟ الكتب كثيرة، والمؤلفات عديدة، لكن ليس كلها أهل للقراءة، وليست كلها مما هي مصدر للعلم. فننتبه لهذا بارك الله فيكم. وهذا يسأل يقول: هل يصح شيء في السنة من الدعاء للوالد الميت أنه يستجاب يوم الخامس؟ لا أعرف في هذا شيئًا، إذا كان أحد من الإخوة يعرف شيئًا في هذا. أنت تدعو لقريبك الميت، أو والد أو والدة في كل وقت وحين تدعو له. يقول رجل اغتسل من الجنابة، ثم بعد الصلاة وجد قشور السمك على جسده، فماذا عليه؟ إن كانت هذه القشور كثيرة أكثر من مقدار الظفر، ولا يزال وقت الصلاة باقيًا، يعيد الطهارة والصلاة. وإذا خرج وقت الصلاة، وقد بذل الوسع واجتهد، ولكنه لم ير ذلك، فلا شيء عليه لخروج وقت الصلاة. ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، وقد بذل وسعه واجتهد قدر المستطاع. أما إذا كان مفرطًا، فهذا شيء آخر. وهذا يسأل يقول: رجل جامع زوجته بين فخديها وهي حائض، هل عليه شيء؟ الجواب: ليس عليه شيء، ما دام أنه لم يفعل الشيء المحظور. يقول: هل يجوز استعمال النت داخل المسجد، علما أنه قد يكون به إظهار بعض صور ذوات الأرواح؟ لا ينبغي استعمال النت في المسجد، لأنه يشغل الإنسان في مكان العبادة والطاعة. أنت الآن جئت إلى المسجد، تريد الصلاة التي هي محل الصلاة، قراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى. فكيف تنشغل بهذا؟ ومن المظاهر المؤسفة المؤلمة المؤذية أن تجد بعض الناس قبل الصلاة وبعض الصلاة، وهو في جواله، مثل ما قال بعض المشايخ: «نرى بعض الشباب كأن كل واحد معه ضب، ما يفارقه». الناس تسبح، وهو قبل أن يسبح على طول يفتح الجوال: ماذا جاءه من رسائل؟ ينظر ماذا جاءه من رسائل؟ والناس تركع وتسجد، وقبل إقامة الصلاة يذكرون الله، يقرؤون القرآن، وهو في جواله ينظر في الرسائل وفي الأخبار وفي غير ذلك. هذا خطأ، بل الذي ينبغي إذا دخلت المسجد أغلق الجوال. الآن أنت في موضع تعبد الله سبحانه وتعالى. حتى إذا كنت خارج المسجد، ينبغي أن تضبط وقتك، لا يسرق علينا أوقاتنا هذا الجهاز. في الطريق، في السيارة، عند النوم، في كل وقت، حتى أصحاب الوظائف، ووظائفهم اخترمت أوقاتهم بهذه الأجهزة. مما سمعت من شيخنا محمد بن صالح رحمه الله، أنه كان يقول: «لا يجوز للموظف أن يقرأ الجريدة في وقت الدوام». انظر إلى شدة الحرص على الأمانة. يقول: «إذا قرأت الجريدة في الدوام، عوض الدوام بقدر قراءة الجريدة». أنت الآن تستلم أجرة تخدم الناس المسلمين، موكل بأمانة، كيف تقرأ جريدة؟ فما بالك بالجوال؟ هو الآن موظف، وقت الوظيفة، أول ما يصل يضع غرابه، يضع شنطته، يبدأ بالجوال، يقلب بالجوال، يقلب بالجوال، نصف ساعة، ساعة، بعدين يفتح النافذة، ينظر ماذا عند الناس هذه الساعة؟ ضاعت من حساب الناس، ينتظرون منك أمانة، سرقت هذه الأمانة عليهم. وهكذا زوجتك وأولادك، وحقوق كثيرة، فلا يسرق منك هذا الجهاز هذه الأمانات بارك الله فيك. فعلينا أن نتناصح ونتواصى بعدم الإسراف والانجرار خلف هذا البلاء الذي ابتلي به أكثر الناس، إلا من رحم الله. يقول: ما توجيهاتكم حول الفتنة التي تحدث بين بعض طلبة العلم من خلاف بعض المشايخ والعلماء؟ الواجب على الجميع أن يستفيد من نصائح العلماء، وأن يقبل الحق بدليله وبرهانه. وأن يتأدب بأدب الخلاف، فإن كان هو من المسائل التي اختلف فيها علماء أهل السنة، والأمر فيها محل اجتهاد ونظر. فينبغي أن تتسع صدورنا لمثل هذا الخلاف، وأن يعذر بعضنا بعضًا. ولو قدر أنه من النوع الثاني من الخلاف، يعني خلاف تضاد، إنسان مقتنع في أول الأمر لقول العلماء في بعض المسائل، أو في بعض الأشخاص. فكذلك ينبغي أن يكون هناك من الرفق والحكمة وحسن التصرف، ما يعين الآخرين على قبول الحق والدخول فيه، ولو شيئًا فشيئًا. ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، لست عليهم بمسيطر. أن تبين الحق بحكمة ورفق ولطف، إن قبل الحمد لله، ما قبل اتركه، لعله غدًا، أو بعد غد، بعده يتبين له الشيء. يترك النزاعات والخصومات في الدين، بل اجعل له خط رجعة، لعله يتبين له الأمر. مع الحرص على بيان أن كلام العلماء الناصحين الصادقين، إنما جاء من باب الغيرة على الدين، وحماية المجتمع من أضرار المفسدين. لو وقف للناس مجرم يريد أن يدعو الناس إلى نفسه، هل يحذر منه؟ لا يحذر. يحذر منه، سيقال: «هذا الرجل مفسد، انتبهوا على أنفسكم وأبنائكم منه». وهو من أهل السوء والشر، من سمع بهذا سيقول: «جزاك الله خير، نحن ما ندري أنه كذلك، نظن أنه فيما يظهر رجل صالح». لا، كيف صالح؟ هذا مجرم، عنده عصابة، عنده جرائم كثيرة، وخرج سجون، وهذه الأدلة على ذلك. سيقول الناس كلهم: «جزاك الله خير على هذه النصيحة». نفس الشيء إذا جاء إنسان عنده بدعة وضلالة يضر الناس، كذلك يشكر له هذا، كونه نصح المجتمع، وحذرهم مما عنده، هذا الإنسان من شر وفساد. كما أنه ينبغي أن ينظر إلى أن هذا الباب قليل نادر. فالرد على المخالف من الدين، وليس هو الدين، بعض الناس لم يفهم، لم يفهم المسائل، وأعطى بعض المسائل أكبر من حجمها. وشوه صورة علماء أهل السنة، إذ لم ينقل عنهم إلا الردود، كأن العلماء ما عندهم دروس، ما عندهم اعتناء بالعقيدة، ما عندهم اعتناء بالفقه، ما عندهم اعتناء بالعلم والدعوة والتعليم إلا الردود. فهذا خطأ كذلك، فلا إفراط ولا تفريط. بل ينبغي علينا أن نعتني بالعلم، بالعقيدة، بالفقه، بالعبادة، بسائر مسالك الشرع والدين. والرد على المخالف من الدين، بالضوابط الشرعية المعروفة. هذا الذي ينبغي أن يكون بكل حكمة ورفق وأدب. ونسأل الله عز وجل لنا وللجميع التوفيق والسداد. يقول: ما هي الطريقة الصحيحة لطلب العلم؟ هل يكفي قراءة الكتب وسماع شريط العلماء دون الحضور في حلقات العلم مع المدرسين؟ لابد من أخذ العلم من المشايخ، كونك تسمع من الأشرطة أو تقرأ في الكتب، هذا الشيء زائد. لكن القراءة على من هو أعلم منك، هذا هو الطريق الصحيح لتحصيل العلم. وهذا هو السلم الذي به تصعد إلى طريق العلم، وبغير هذا السلم ما تستطيع تصل إلى الأعلى، بل ستبقى في الأسفل. ولا نكن من المحرومين، بعض الناس يحرم نفسه العلم بمثل هذه الآراء الغريبة والتصرفات التي تدل على الحرمان. أذكر أحد طلبة العلم، لما جاء عند الشيخ شيخنا الشيخ مقبل رحمه الله رحمة واسعة، زهد في علم الشيخ. الآن هو عند الشيخ مقبل في مركزه، فيقول: «أين الفقه؟ ما في فقه». ويذهب في غرفته يسمع أشرطة الشيخ ابن عثيمين، الشيخ ابن عثيمين عالم، لكن أنت الآن عند عالم آخر، استفد من هذا العالم. وهذا سيعطيك الطريق لتصعد السلم للعلم. فعند الشيخ مقبل لم يستفد منه لا الحديث ولا الفقه. قال: «ما عنده فقه»، طيب ماذا عنده؟ قال: «عنده علم حديث»، طيب خذ الحديث. ما أخذ الحديث، يجلس في الغرفة يسمع حتى الصلوات بعضها ما يصلي مع الناس، يقصر الصلاة: «قل أنا مسافر»، ويصلي في غرفته ويسمع أشرطة الشيخ ابن عثيمين، وهو أحب الشيخ ابن عثيمين. قال: «إن شاء الله أرحل إلى الشيخ ابن عثيمين»، وسافر وتيسرت له السبل وسافر، وجاء عند الشيخ ابن عثيمين. فقدر الله أني سبقته، وكنت هناك قبله، بعد سنتين جاء. فإذا به يقعد كم أيام عند الشيخ، قال: «الله المستعان، أحاديث ضعيفة، ما في تمييز بين الصحيح والضعيف، أين الشيخ مقبل؟». الله أكبر، والله علم أهل الحديث، فرجع إلى غرفته يسمع أشرطة الشيخ مقبل في علم الحديث والمصطلح. قال: «والله فوتنا الشيخ مقبل، كنا عنده ما استطعنا نستفيد علم الحديث». فحرم نفسه من علم الشيخ مقبل، ومن علم ماذا؟ الشيخ ابن عثيمين، لا أخذ من الشيخ مقبل علم الحديث، ولا من الشيخ ابن عثيمين الفقه. فعند الشيخ مقبل يسمع الفقه في الغرفة، وعند الشيخ ابن عثيمين يسمع الحديث في الغرفة. هذا محروم، أو ليس بمحروم؟ محروم. وهكذا لا تكن أنت من المحرومين، وفقك الله لمكان العلم، الناس يتمنون أن يأتوا، والله يتمنون أمان عظيمة. لو تسمعونها من إخوة لكم في العالم، حبوا أن يصلوا إلى هذه المراكز ويتعلمون ويستفيدون ويأخذون العلم ممن أخذه عن العلماء. فإذا وفقك الله للوصول استفد، لأن هؤلاء الذين قد سبقوك في طريق العلم سيختصروا لك طريق العلم. سيختصروا لك طريق العلم. ولا مانع أنك تسمع نفس الدروس التي تقرأ مع إخوانك ومشايخك وأساتذتك من أشرطة العلماء ومن كتب العلماء، هذا زيادة فائدة وتثبيت. لكن لا تظن أنك تستغني، فهذا خطأ، وهذا من الحرمان بارك الله فيكم. ولا يغوين الشيطان بمثل هذه الآراء الغريبة العجيبة. وهذا سائل يقول: هل يجوز تحديد وقت خروج المسيح الدجال، مثلا في سنة كذا وكذا؟ من أين هذا؟ هل هناك دليل من كتاب أو سنة؟ هذا من كلام العقلانيين، وما أكثر ما سمعنا بمثل هذه الأخبار، وإذا بها كلها دجل وتخرص وخو