الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة، ويشير إلى اختلاف الآراء بين المنع مطلقًا والجواز في البنيان. يستدل بحديث عبد الله بن عمر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
يتناول تعريف الحديث الحسن عند المتقدمين مثل الإمام البخاري، ويبين حكم الاستقبال والاستدبار للكعبة في الفضاء والبنيان مستندًا إلى أحاديث وأثار صحابية.
يتناول حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، ويشير إلى جواز استخدام ما يقوم مقام الأحجار مثل المناديل والخرق إذا تم إزالة النجاسة.
يرجح شيخ الإسلام ابن تيمية رأيًا معينًا كما جاء في الفتاوى، ويختتم الدرس بذلك على أمل استكمال الموضوع في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وقرأ معنا في الدرس الماضي في باب قضاء الحاجة الكلام على أربعة مسائل من مسائل الباب، قال رحمه الله تعالى: «وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة»، وهذه المسألة الخامسة من مسائل هذا الباب، أنه -أي المتخلي- لا يستقبل ولا يستدبر القبلة. وقد أشار في الشرح، رحمه الله تعالى، إلى أدلة ذلك، وهو ما ورد عن أبي أيوب رضي الله عنه: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تنصرفوا أو غربوا». وظاهر كلام المؤلف، رحمه الله تعالى، في المتن يدل على أنه يمنع الاستقبال والاستدبار مطلقًا، يمنع الاستقبال والاستدبار للقبلة مطلقًا، سواء ببنيان أو بغير بنيان. والصواب خلاف ذلك. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه وقع منه ذلك إذا كان ببنيان. فمن ذلك حديث عبد الله بن عمر قال: «رقيت أو رقيت يومًا في بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقضي حاجته أو على حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة». فهذا الحديث يدل على أن استدبار الكعبة حال كون الإنسان يقضي الحاجة من البنيان جائز، بدليل فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وأشار إليه بشرحه، فإنه لا ينتهض بالمعارضة، فلا يصح قوله: «أن فعله لا يعارض القول الخاص». لماذا؟ لأن الفعل لا يعارض القول على ما سبق، الأصل أننا نعمل الدليلين ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. فكيف نعمل الدليلين؟ إلا بهذا القول، فإننا لو قلنا أن القول يقدم على الفعل، معناه عقلنا ماذا؟ عقلنا الفعل. لكن إعمال الدليلين أن نقول: إذا كان في الفضاء فلا يجوز استقبال واستدبار الكعبة، وإذا كان في البنيان فإنه يجوز استقبال واستدبار الكعبة. أما الاستدبار فجليله حديث عبد الله بن عمر. وأما الاستقبال فجليله ما أشار إليه الشارح رحمه الله في شرحه كذلك، وهو حديث جابر بن عبد الله: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن استقبال القبلة ببول». قال جابر: «فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها». والحديث رواه الترمذي وغيره، ونقل الترمذي -كما أشار إليه الشارح رحمه الله- عن البخاري تصحيح هذا الحديث. وقد أعل بعضهم هذا الحديث بأنه جاء من رواية ابن إسحاق وعنعنة. ولكنه قد توبع برواية ابن لهيعة، فالحديث الصحيح أنه حديث حسن. وبه دليل على أن الحديث الحسن كان له وجود في اصطلاح الإمام البخاري رحمه الله. فإن قيل: ما هو الحديث الحسن في اصطلاح المتقدمين؟ أن هذا على قاعدة بعض المعاصرين: أن المتقدمين ليس عندهم حديث حسن، خصوصًا لغيره، يزعمون أن هذا ليس موجود. والصواب أنه موجود، ومن ذلك هذا الحديث الذي نقل الترمذي عن البخاري رحمه الله تصحيحًا، وهو لا شك أن إسناده ليس من أسانيد الصحيحة، بل من الأسانيد على أحسن الأحوال، إن لم نقل أنها حسنة لغيرها. والصواب أنه حسن لغيره. لأجل هذين الحديثين صار الصواب في هذه المسألة أنه إذا كان في الفضاء فلا يجوز الاستقبال والاستدبار للكعبة، وإذا كان في البنيان فإنه يستقبل ويستدبر. وأما حديث أبي أيوب: «كنا ننحلق عنها ونستغفر الله عز وجل»، فهذا من كلام أبي أيوب، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفرق بين ما هو مرفوع وبين ما هو موقوف. وزيادة على ذلك أنه أشار رحمه الله كذلك بالشرح إلى أثر عبد الله بن عمر في مرويه أبو داود والحاكم وابن أبي شيبة من طريق مروان الأصفر، قال: «رأيت ابن عمر أنا وراحلته مستقبل القبلة». وفي حديث حفصة: «ماذا في بيت حفصة مستدبر». وفي أثر ابن عمر هنا مستقبل. وهذا يدلك على أن ابن عمر فهم أن الاستقبال والاستدبار شيء واحد، الاستقبال والاستدبار شيء واحد. قال: «رأيت ابن عمر أنا وراحلته مستقبل القبلة»، يقول: «يقول إليها». قال: «فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن ذلك؟ فقال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، فإذا كان بينك وبين الشيء -فبين القبلة شيء يسترك- فلا بأس». وهذا الأثر حسنه الحافظ ابن حجر، كما في الفتح. وأشار إليه الشارح رحمه الله، إلا أنه الصحيح أن إسناده ليس بحسن؛ لأنه من رواية الحسن بن بكار عن مروان. والحسن بن بكار، وإن أخرج له البخاري، إلا أن البخاري رحمه الله أخرج له، وكان الحديث منتقدًا. كان الحديث منتقدًا الذي أخرج له البخاري رحمه الله، فهو صدوق يخطئ، وهو مدلس. والصحيح أن مرتبة حديثه لا تصل به إلى الحسن. وهذا الذي كان يميل إليه شيخنا مقبل رحمه الله، فإنه كان يميل إلى أن حديث الحسن بن بكار ليس من الحديث الحسن، بل مما هو دون ذلك. وهذا الأثر فيه هذان الأمران: أولًا وجود الحسن بن بكار، وهو كما سمعنا. وثانيًا أنه عنعن، فرواه عن مروان الأصفر مععنعنًا. قال: «عن الحسن إسناده عن سليمان بن عيسى عن الحسن بن بكار عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر». ومع ذلك فمعناه صحيح. المسألة السادسة، قال رحمه الله تعالى: «وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها». وهذه المسألة السادسة استدل لها في الشرح بحديث سلمان: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار». وهو في صحيح مسلم، وجاء معناه عن عدد من الصحابة، منهم عائشة، وعن أبي هريرة، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. لكن الذي ننبه له هو أن من استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، هل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟ لا يجوز الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، لا نشك في ذلك لنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. لكن إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، هل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟ الجواب: يجزئه ذلك ويأتم، إذا قد أنقى المكان. وأما إذا لم ينق المكان، فإنه لا يجزئه؛ لأن الصحيح -كما قلنا- في إزالة النجاسات هو المقصود هو ذهاب العين، فإذا ذهب عينها ذهب حكمها، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. ثم أشار رحمه الله تعالى بقوله: «أو ما يقوم مقامها» إلى أن المقصود ليس ثلاث أحجار بخصوص أي أحجار ظاهرة، بل وما يقوم مقامها، مثل المناديل والخرق والعود وما كان معنا. وأما ذكر الأحجار بالأحاديث فهو خرج مخرج الغالب. وأشار بالشرح إلى شيء مهم كان ينبغي أن يشير عليه في المتن، وهو أنه لا يستخدم بذلك الرجيع والعظم؛ فإن ذلك مما قد نهي عنه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنه نهى عن ذلك»، كما في حديث جابر وغيره، وعن غيره رضي الله عنه أرضاه. ثم هل يجزئ أو لا يجزئ؟ المؤلف رحمه الله أشار بالشرح إلى أنه لا يجزئ، يعني معناه: إذا استجمر الإنسان بعظم فصلاته باطلة؛ لأن طهارته ليست بصحيحة. والصواب خلاف ذلك، لا يجوز الاستجمار بعظم ولا روث، فإذا وقع فهو آثم، ولكن إذا زالت النجاسة فالصحيح أنه يجزئه ذلك. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في الفتاوى في المجلد الواحد والعشرين. ونكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى إن شاء الله في درس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.