كتاب الصلاة 31

كتاب الصلاة 31

الدرس في كتاب الصلاة 31، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام صلاة العيدين ومشروعيتها

صلاة العيدين ركعتان بعد ارتفاع الشمس قدر الرمح إلى الزوال، وحكمها الوجوب على القول الصحيح. لا أذان فيها ولا إقامة، وتقتصر على عيد الفطر وعيد الأضحى.

تفاصيل أداء صلاة العيد وخطبتها

صلاة العيد ركعتان، الأولى سبع تكبيرات والثانية خمس تكبيرات قبل القراءة. يخطب الإمام بعدها خطبة واحدة، ورخص للناس في الجلوس أو الانصراف.

آداب يوم العيد وعدد خطبته

يستحب التجمل في العيد بلبس أحسن الثياب مع تجنب المحرمات. عدد خطب العيد هي خطبة واحدة، وهناك خلاف قديم بين العلماء حول هذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: باب صلاة العيدين. قال: هي ركعتان، في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس كذلك، ويخطب بعدها، ويستحب التجمل والخروج إلى خارج البلد ومخالفة الطريق، هو الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى، ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر الرمح إلى الزوال، ولا أذان فيها ولا إقامة. هذه مجموعة من المسائل قدر تسع مسائل تقريبا، ضمها المؤلف رحمه الله في التلام على صلاة العيدين. فقال رحمه الله: باب صلاة العيدين، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة العيدين، والمراد بالعيدين عيد الفطر وعيد الأضحى. وبه نعرف أنه ليس بالإسلام عيد إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، كما جاء في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإن الله أبدل أهل الإسلام بجميع أعيادهم بعيد الفطر وعيد الأضحى». وبهذا أفتى علماء الإسلام بأنه لا يجوز نسبة يوم من الأيام بأنه عيد غير هذين اليومين الذين سماهم الشرع عيدا. وذلك لأمور؛ أولا: لأن في هذا اعتزاز بالإسلام، وكذلك إسقاط لكل ما دون وما سوى الإسلام. وعند ذلك يقوى أهل الإسلام بإسلامهم ويعتزون به ويجتمعون حوله. بينما لو تفرق الناس لأعيادهم كما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة ولهم يوما يعني يفتخرون بهما وهي من أيام الجاهلية، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عنهما وأخبرهم أن الله قد أبدلهما أو أبدلهم عنهما بعيد الفطر وعيد الأضحى. ولا شك أن ما من أمة من الأمم ولا طائفة من الطوائف ولا بلدة من البلاد ولا قبيل من القبائل إلا ويوم يفتخرون به. فلو صار الناس يفتخرون بأيامهم كان ذلك سببا لتفرقهم ولتشتتهم ولوجود الشعارات الجاهلية بينهم. وهذا هو الواقع. الواقع أن أهل الإسلام لما اعتزوا بالوطنيات تفرقوا، ولما اعتزوا كذلك بتلك المعاني الخاصة كان بذلك عوض عما ينبغي أن يجتمع حوله أهل الإسلام وهو عيد الفطر وعيد الأضحى، مع ما في ذلك من مفاسد أخرى من تعظيم شيء لم يأذن الله بتعظيمه، وكذلك ربما يجمع مفاسد كثيرة أخرى في تلك الأعياد، إما معاني شركية أو معاني كفرية أو تشبه بفسقة وفجرة أو غير ذلك. بل مهم العيد عند أهل الإسلام عيد الفطر وعيد الأضحى. ثم قال رحمه الله: ركعتان، ولم يبين في المثل ما حكم هاتين الركعتين أو صلاة العيد. وأشار إلى ذلك رحمه الله بشرحه وبيّن أن حكم هذه الصلاة هي الوجوب على القول الصحيح. وهو كما قال رحمه الله لما ثبت في حديث أم عطية رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواجز والحيض وذوات الخدور». وهذا أمر، والأصل فيه أنه للوجوب. وجاء كذلك معناه عند ابن أبي شيبة: «حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين». وهكذا كذلك ما يدل عليه حديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام للعيد في اليوم التالي، فدل ذلك على وجوبه وعدم سقوطه. ومما يؤيده ويؤكده كذلك أن صلاة العيد إذا اجتمعت مع الجمعة رخص في الجمعة، والجمعة واجبة، ولا يمكن أن يرخص في الواجب لغير واجب، فالمستحب لا يسقط الواجب. ولهذا كان قول أكثر أهل العلم من الأئمة الأربعة هو هذا، فهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى، أي القول بالوجوب. ثم قال رحمه الله: ركعتان، أي صلاة العيد ركعتان، وذلك لما جاء في حديث عن عمر موقوف وله حكم الرفع، رواه أحمد والبيهقي بإسناد صحيح أنه قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان»، أو قال: «صلاة الأضحى ركعتان». وأدل الدال على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى ركعتين كثيرة، وستأتي معنا إن شاء الله في الفصول الآتية. ثم قال رحمه الله: هي ركعتان، في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس كذلك. يعني يكبر سبع تكبيرات قبل أن يقرأ، وذلك لما جاء كما أشار إليه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الثانية. أخرج أحمد وابن ماجة، وهو حسن بمجموع طرقه. قد جاء هذا المعنى عن أبي هريرة وعمر بن عوف المزني، وكذلك عبد الرحمن بن عوف وجماعة. وجاء كذلك من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس سوى تكبيرتي الركوع. رواه أحمد وابن ماجة بإسناد حسن، فهو بمجموع طرقه إن شاء الله حسن. فهذا الحديث يضيف لنا حكما آخر، وهو أن هذه التكبيرات السبع منفردات من دون تكبيرة الإحرام، ومن دون تكبيرتي الركوع. يعني القيام حين يقوم ليست هذه محسوبة من الخمس. وهكذا من الأحكام. قال رحمه الله تعالى: ويخطب بعدها، وذلك لما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف». وفي هذا إشارة إلى أن الخطبة يوم العيد بعد الصلاة، كما جاء في هذا الحديث. حديث أبي سعيد: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم». ومعناه أنه يبدأ أول شيء بالصلاة، ثم يبدأ بعد ذلك بالخطبة، خلافا لصلاة الجمعة. فإن الصلاة بعد الخطبة، وأما في العيد فلا. ومن مسائل الخطبة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص لمن شاء أن يجلس أن يجلس، ومن شاء أن ينصرف أن ينصرف، كما في حديث أبي سعيد المتقدم. فإنه كان يقول: «وكان يريد أن يقطع بعثا أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف». وجاء في حديث آخر في حديث عبد الله بن السائب، وهو حسن: «قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن شئنا أن نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب». وهذا الحديث يدل على أنه لم يكن يقول ذلك دائما، ولكنه كان يقول أحيانا، أو لعله قاله مرة، يعني قبل أن يبدأ خطبته بعد أن استقبل الناس وأراد أن يخطب بعد أن انتهى من الصلاة، قال لهم ذلك، يعني لأجل أن لا يكون بذلك حرج على الناس فيما لا يجب عليهم. ثم قال رحمه الله تعالى: ويستحب التجمل، يعني في يوم العيد يستحب التجمل يوم العيد. وذكر له حديث عمر الذي رواه ابن عمر ابنه في الصحيحين عنه أنه وجد حلة بالسوق من استبرق تباع، فأخذها فأتى بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا رسول الله، ابتع هذه»، يعني اشتري هذه، «فتجمل بها للعيد والوفد». فقال: «إنما هذه لباس من لا خلاق له»، يعني لأنها من الحرير. الشاهد منه أنه كان معلوما عند الصحابة ومستقرا عندهم رضي الله عنهم التجمل للعيدين، والتجمل لاستقبال الوفود، وأنه من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا صار من مستحبات العيد التجمل له. فلا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذه السنة، بل يلبس أفضل ما يجد، ولو كان هو لا يحب ذلك. بعض الناس ربما لا يحب، لكنه يرغم نفسه لله، يرغم نفسه لله ويكرها لله عز وجل، فيلبس أفضل ما يجد من الثياب وأحسنه. وإن استطاع أن يشتري كذلك اشترى، لا يبخل على نفسه في يوم العيد، ولو كان لا يحب. كما أنه في المقابل كذلك ليس معنى التجمل أن يدخل الإنسان في الحرام، كما في هذا الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيّن لعمر أنه لا يجوز له أن يلبس الاستبرق لأنه لا يجوز، ولو كان ذلك لأجل التجمل، لأن التجمل يكون بالحلال. فلبس الذهب والحرير، وكذلك ما فيه إسراف وتبذير مما لا يجوز، مما لا يجوز لأنه من الشيء المحرم. والأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. ومما يناسب ذكره في هذا الموضع كذلك الاغتسال، فإذا كان التجمل مطلوبا في يوم العيد بالثياب، فالاغتسال من باب أولى. ومر معنا قريبا أنه جاء عن ابن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال». رواه الفريابي بإسناد صحيح. وهكذا ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يغتسل قبل أن يأتي إلى العيد. فهي آثار صحيحة، وتؤيدها عمومات كثيرة من الكتاب ومن السنة. وهذا سؤال عاجل، كما يقال: كأنه لاحق لما سبق، يقول: هل للعيد خطبة أو خطبتان؟ الصواب خطبة واحدة للعيد، ولا دليل صحيح صريح مرفوع يدل على أن للعيد خطبتان. بل صحيح أن له خطبة واحدة فقط، ويدل عليه أولا: أنه تكرر من النبي عليه الصلاة والسلام أعياد كثيرة، ولم يثبت في حديث واحد صحيح صريح أنه خطب خطبتين في العيد عليه الصلاة والسلام، مع أنه كان يخطب في السنة الواحدة مرتين، يعني عيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ومع ذلك لم يثبت ولو كان ثابتا لنقل ولو في حديث واحد. وثانيا: أن حديث جابر في خطبة الجمعة أنها خطبتان يدل على أن هناك من الصلاة ما له خطبة واحدة. وهذا يسمى الاستدلال بالمفهوم. فلم يقل جابر بن عبد الله أنها خطبتان في الجمعة إلا ويوجد في خطب النبي عليه الصلاة والسلام وخطبته ما هي خطبة واحدة. فأين هي عند قول من يقول: أن صلاة العيد يخطب بخطبتين، وصلاة الاستسقاء يخطب بخطبتين؟ فإذا لم يبق مكان لخطبة واحدة في صلاة، وهذا خلاف ما دل عليه مفهوم حديث جابر في صحيح مسلم. فبالمفهوم، وكذلك عموم النصوص يعلم أنه لا وجود لدليل صحيح صريح يدل على أن للعيد خطبتين. والطواف أن له خطبة واحدة فقط. وأما ما ذكره المحققون رحمهم الله، فقد رجع عليه العلماء، وهو أنه لقلة الاتفاق أن للعيد خطبتين، وليس الأمر كذلك، بل المسألة فيها خلاف. ونقل المرجاوي رحمه الله تعالى خلافا من قديم بأن المسألة فيها خلاف، والصواب أنها خطبة واحدة، وهذا هو قول عدد من أهل العلم. والحمد لله رب العالمين.