شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 21

شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 21

الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 21، الدرس الحادي والعشرون: (فمن يشأ وفقه بفضله ... إلى قوله ... يستوجب الحمد على اقتضاها). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تقسيم الإرادة والمشيئة في توحيد الأسماء والصفات

يتناول تقسيم الإرادة إلى قدرية وشرعية، والمشيئة إلى قسم واحد بمعنى الإرادة القدرية، ويشرح كيفية توفيق الله لمن يشاء وهدايته وإضلاله وفق إرادته الكونية. يبين أن الإرادة الكونية تكون لحكمة بالغة.

حقيقة وقوع الضلال والشرور في إطار قدرة الله

يشرح حقيقة وقوع الضلال والشرور في إطار قدرة الله وإرادته، وأن الله لا يمنع الهداية إلا لمن لا يستحقها. يوضح أن وجود الشرور يخدم حكمة الله في ابتلاء أهل الحق وتمييزهم عن أهل الباطل.

حكمة الله في ابتلاء المؤمنين والمعاصي

يشرح حكمة الله في ابتلاء المؤمنين بالمعاصي، حيث يجعلها سببًا لكسر الكبر والعجب، والإقبال على الطاعات. يبين أن الله لا يرضى المعصية ولكن يبتلي بها لحكمة بالغة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، أورد رحمه الله تعالى، آل أبيات الثلاثة كذلك استطرادًا من رحمه الله في ذكر بعض ما يتعلق بمبحث توحيد الأسماء والصفات، التوحيد العبودية، التوحيد العلمي الخضري. قد مر معنا أن من مباحث هذا النوع من أنواع التوحيد مباحث القدر، ومن مباحث القدر مباحث المشيئة والإرادة القدرية. ومر معنا أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية. فما البرهان على ذلك؟ الإرادة القدرية لا بد أن تقع، قد يشاء الله وقد لا يشاء، مثاله موت أبي جهل على الكفر، هذا لا شك أنه شاء الله وهو إرادة قدرية التي وقعت. ومثال ما يشاء موت أبي بكر على الإسلام، كيف والإرادة الشرعية؟ قد تقع وقد لا تقع، ويرضاها الله. موت أبي بكر على الإسلام هذا وقع، ويرضاه الله، وإرادة شرعية. لم تقع إرادة شرعية، إسلام أبي لهب، إسلام أبي لهب هذا شيء تحبه الله ولكنه لم يقع، شيء حبه الله. المشيئة تنقسم إلى قسمين، المشيئة تنقسم إلى قسمين، مشيئة واحدة، تأتي بمعنى ماذا؟ أي إرادة، هذه إن قلت: معنا الإرادة صارت تنقسم إلى قسمين، فلا بد أن تكون بمعنى المشيئة واحدة، يعني إرادة قدرية. نعم، إرادة قدرية. المشيئة لا تنقسم إلى قسمين، بل هي واحدة وهي بمعنى إرادة قدرية. ولما أشار إلى كلام على المشيئة فيما سبق، ما سبق أنه قال رحمه الله: «أن يدبر بعده ما يتعلق بشيء من أمر المشيئة والقدرية وحكمته سبحانه وتعالى في ذلك». قال رحمه الله: «فمن يشأ يوفقه بفضله». ومعنى ذلك أن الله جل وعلا بإرادته الكونية يهدي من يشاء إلى الفضل، الفضل الديني والفضل الدنيوي. الفضل الديني مثل الإيمان والإسلام والطاعة والعلم النافع والعمل الصالح والخلال الفاضلة، وكل معاني الاستقامة. وكذلك الفضل الدنيوي، ويجعل هذا غنيًا، ويجعل هذا فقيرًا، ويجعل هذا صحيحًا، ويجعل هذا مريضًا وسقيمًا. فهو يوفق سبحانه وتعالى من يشاء للفضل، «فمن يشأ يوفقه بفضله»، كما قال الله عز وجل: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام». ولا أحد يملك هذا إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء». ولكن الله يهدي من يشاء، وهذا فكذلك قوله رحمه الله: «ومن يشأ يضله بعجزه». كذلك هو سبحانه يضل من يشاء بعجزه، ويشر من يشاء لأكله. فإنه سبحانه وتعالى إذا ما أعمى لم يمنعه ظالمًا، فإذا حرم الإنسان الهداية، الله عز وجل حرمه إياها، ما حرمه إياها ظالم له، فإنه سبحانه وتعالى في الحقيقة كان عادلًا مع هذا الإنسان. فإن قال قائل: كيف هذا والله جل وعلا يحب لعباده الإيمان والإسلام ولا يرضى لهم الكفر؟ فقد جاء ابن القيم رحمه الله تعالى عن ذلك بأن حقيقة وقوع الضلال ليس هو الإجبار عليه، ليس هو الإجبار عليه، لأن العبد يعمل بمحض اختياره. وإنما حقيقة وقوع الضلال هو نزع أسباب الهداية، هو نزع أسباب الهداية. ووقع بين بعض أهل السنة من سلف هذه الأمة مناظرة مع بعض أهل البدع من المعتزلة، فزعم هؤلاء المعتزلة أن الله عز وجل لا يقدر الشر على عباده، وأنه لو قدره عليهم وكان من إرادته الكونية لزم من ذلك أن يكون ما لا يحبه ولا يرضاه، ولا يشاؤه، فيكون به ظلمًا لعبده. فأجاب هؤلاء السلف الذين علموا حقيقة الأمر من أدل الكتاب والسنة، رحمه الله تعالى، قال: «إن منعه ما هو له فغبن، وإن منعه ما ليس له فلم يظلمه». وكان بهذا إسكات وإخراس لذلك المبتدع، لأن حقيقة الأمر أن الله جل وعلا إنما يمنع أسباب الهداية، ومع ذلك فهو لا يمنعها لمن يستحقها، لا بل يمنعها ممن لا يستحقها، كما قال الله عز وجل: «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم». والله لا يهدي القوم الفاسقين. كما قال الله عز وجل: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون». كما قال الله عز وجل: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون». فحقيقة الأمر أن الله عز وجل يمنع التوفيق لضعف الأسباب لضعف الأسباب، ويبقى الإنسان بغوايته ويستمر بها، كما أضله الله، ولكنه أضل نفسه، كما قال الله عز وجل: «وما ظلمناهم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون». وما ظلمناهم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون، هذا هو حقيقة الأمر. وإن قال القائل: إن كان هذا بحق الكافر فقد علمنا الحكم منه أنه كافر، فأكفر بالله، لكنه يقول ذلك بحق المسلم والمؤمن أنه يقع بالمعصية ويقدر الله جل وعلا عليه ذلك وهو مؤمن ومسلم. ويقال كذلك في هذا الثاني: حقيقة الأمر أن هذا المسلم أخذ بأسباب الغفلة، فنزع الله عز وجل منه أسباب هداية، فضلًا ومع ذلك فالله جل وعلا لا يشرك لعباده الكبر ولا يرضى لها، وإنما وقع ذلك لحكمة، وقع ذلك لحكمة منه سبحانه وتعالى، كما سينفع عليه المؤلف، وحمد الله في قوله: «لحكمة بالغة قضاها يستوجب الحمد على اقتضاء معناه». أنه سبحانه وتعالى إنما جعل ذلك يكون في ملكه وفي خلقه لأجل حكمة عظيمة أرادها. ووجود الشر سيكون في معرفة فضل الخير، ووجود الشر سبب في معرفة فضل الخير، وهكذا كذلك كل سوء يجعل به فضل الخير الذي يضاد، وهكذا من حكمته سبحانه وتعالى يكون فيه كذلك صف ما أكبر به، لأن يجعل للنار أهلًا وللجنة أهلًا. ومن الحكمة كذلك أن الله جل وعلا يبتلي أهل الحق بأهل الباطل، وتكون بذلك المساجلة لهذه الدنيا، ويجعل الله جل وعلا بذلك السير الكثير مما يقول من رفع درجات أهل الحق وتثبيتهم على الحق والجهاد والابتلاء فيه، ونحو ذلك من الحكم الأخرى. ومن ذلك فذلك من هذه الحكم أن الله جل وعلا يجعل هذا الذي قد ترتب عليه وهو لا يدري بهذا الكون، كذلك سبب لإعظام حال هذا المسلم دينيًا ودنيويًا. أما دنيويًا فبما يطول من تحسينه لأسباب القوة والمنعة، فإنه لا يحصلها إذا لم يكن هناك ما يماثل، وهكذا كذلك الدينية، بما يكون السعيد إلى أعلى المراتب وأعزها التي بها يوفق إلى الخير دينًا. وهذا وذلك يقال بمعنى بالنسبة للمسلم، فالمسلم الذي يقدر الله جل وعلا له السوء أو المعصية، فإن الله جل وعلا يجعله له كذلك بحكمة. أولًا: في الحقيقة هو ظلم نفسه، ما ظلمه الله. ثانيًا: أن الله جل وعلا يجعل له هذه المعصية سببًا في كسر الكبر والعجب من قلبه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم لا تذنبون ولا تخطئون لأتى الله بقوم يذنبون ويخطئون فيستغفرون ويتوبون». ومعنى ذلك أن الله جل وعلا أقدر على جميع بني آدم أن يقع منهم ذنب وأن تقع منهم معصية لحكمة بالغة، وهو لا يرضاها، لكنه يبتليهم بها. والناس يقعون فيها. وهل معنى إن الإنسان إذا وقع يرضى لنفسه بذلك؟ الجواب: لا، بل هو مأمور أن يجاهد نفسه في عدم الوقوع فيها. فإن قال قائل: لماذا إذا؟ لحكمة بالغة، كما قال: «لحكمة بالغة قضاها يستوجب الحمد على اقتضاء معناه». ومن هذه الحكمة قلنا: أنه يكسر ما بنفس هذا المحسن من الكبر والعجب، ولو استمر المحسن على إحسانه لاستوجب له الحجب والكبر، وكذلك الاعتزاز بالنفس مما لا يرضاه الله جل وعلا لصاحب الحق، بل لا يزال المؤمن ينظر إلى تقصيره، ويصيبه من الحسرات، ويصيبه كذلك من استصغار نفسه، ما يجب له العظم والرفع عند الله سبحانه وتعالى. ومن حكم ذلك أيضًا أن في هذه المعصية سببًا للإحسان والإنابة إلى الله عز وجل والاستكثار من الطاعات، فإن المعصية التي يبتلى بها الإحسان تكون سببًا لحسن التوبة، ولحسن الخاتمة، والاستمرار على طريق الحق، فإنه بما يقع من ألم المعصية الذي يصيبه قلبه يوجب له من الاندفاع والإقبال على الله جل وعلا ما لم يكن لو لم تقع منه المعصية. وهذا فذلك من شأن بقاء المعاصي في بعض أهل الإيمان أو بعض أهل الإسلام، أن الله جل وعلا يجعل هذا الإنسان عبرة، فما من عاصي يحصي إلا يهين الله جل وعلا في الدنيا قبل الآخرة، فيعرف أهل الطاعة عزة الطاعة، ويعتبرون بهوان المعصية. لو لأنهم رأوا ذلك بأعينهم لما كان ذلك سببًا لعبرتهم. وكيف صارت لهم العبرة أو كيف تصير لهم العبرة لو لم يشاهدوا ذلك في خلق الله جل وعلا وفي كونه؟ وكان بوقوعه وولوده سببًا لاعتبارهم واعتزازهم بالطاعة. ومع ذلك ما أحد منهم يسلم، لكن كل إنسان يعتبر بغيره في بابه، كل إنسان يعتبر بغيره في بابه. فكانت له الحكم البالغة التي كانت في هذا الإكرام العظيم بشؤون خلقه، ظاهرًا وباطنًا، وغيبًا وشهادة، وقدرًا وقضاء. وفي هذه الأبيات أن المؤلف رحمه الله أراد أن يمهد العرض إلى أمر الإيمان بالقضاء والقدر، وأن منه الإيمان بالإرادة الكونية التي لا تكون إلا لحكمة بالغة لها.