الدرس في كتاب الزكاة 2، الدرس الثاني : من : ( فقد جعلها الله طهرة لصاحبها ... أركان الإسلام خمسة لا يتم إلا بها كلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الزكاة ركن أساسي في الإسلام، وتنمي المال وتساوي بين خلق الله وتحقق السلام الاجتماعي. وقد حذر الله من منع الزكاة وتوعد بالعذاب الشديد لمن يبخل بها.
يتمثل جوهر الدعوة إلى الإسلام في التوحيد والصلاة، حيث أمر النبي معاذ بن جبل ببدء الدعوة بالتوحيد والشهادتين ثم بالصلاة. يبرز أهمية العلم والعلماء في صلاح الدين والدنيا ودعوة الناس إلى التوحيد أولا.
يستفاد من حديث معاذ بن جبل أهمية الدعوة إلى التوحيد أولا ثم الصلاة ثم الزكاة، مع التركيز على العدل وعدم الظلم في أخذ وإعطاء الزكاة، والاستعداد بالعلم والحجج لمجادلة أهل الكتاب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فقد جعلها الله طهرة لصاحبها من رذيلة البخل، يعني الزكاة. من حكمتها أنها طهرة لصاحبها من رذيلة البخل. قال: وتنمية حسية ومعنوية من آفة النقص. تنمية حسية؛ لأن الله عز وجل يعطي كل منفق خلفاء، فما من يوم يصبح الناس فيه إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم اعط منفقا خلفاء، ويقول الآخر: اللهم اعط منفقا تلفاء. وهكذا كذلك في الحديث الآخر: أن الله عز وجل ينمي صدقة المتصدق حتى تكون كالجبل. وهكذا معنوية؛ بما يكون فيها من البركة والانتفاع. يمحق الله الردى ويربي الصدقات في الدنيا وفي الآخرة. قال: ومعنوية من آفة النقص، ومساواة بين خلقه بما خولهم من مال. والمساواة المراد بها المواساة. لعلها عندكم مواساة أو مساواة، لو قال مواساة فكان أحسن؛ يعني بما يحصل من مواساة من الغني للفقير. قال: ويعان من الأغنياء لإخوانهم الفقراء الذين لا يقدرون على ما يقيموا أودهم من مال. أو عندكم: إيش أودهم؟ مثلي لعله يريد ما يقيم حاجتهم. قال: ولا قوة لهم على عمل، وتحقيقا للسلام الذي لا يستقر بوجود طائفة جائعة؛ لأنه إذا وجد الجوع ولم يواس هؤلاء، فإذا ضعف الدين توجه هؤلاء إلى السرقة والنهب والجريمة. قال: ترى المال المحروم منه، وتأليفا للقلوب وجمعا للكلمة، حينما يجود الأغنياء على الفقراء بنصيب من أموالهم. قال: وبمثل هذه الفريضة الكريمة يعلم أن الإسلام هو دين العدالة الاجتماعية الذي يكفل للفقير العاجز العيش والقوت، وللغني حرية التملك مقابل سعيه وكدحه. وهذا هو العدل. قال: وهذا هو المذهب المستقيم الذي به عمارة الكون وصلاح الدين والدنيا، فلا شيوعية متطرفة ولا رأسمالية منسكة شحيحة، بل دين الإسلام هو الذي أنزله الله عز وجل من فوق سبع سماوات، أنزله وهو يعلم ما يصلح عباده. قال: وقد حذر الله من منع الزكاة بنصوص كثيرة، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آتاه الله مالا فلم يؤدي زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يطوّقه يوم القيامة، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك». وهو في البخاري من حديث أبي هريرة. وتلى بعده النبي عليه الصلاة والسلام الآية السابقة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يمثّل لهم هذا المال شجاعا أقرع؛ يعني حية كبيرة ملساء الرأس من شدة سمها، تطوّق صاحبها وتعظه جزاء ما كان من بخله. قال رحمه الله تعالى: الحديث السادس والستون بعد المئة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإنهم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنهم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنهم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث، وابتدأ به هذا الكتاب: كتاب الزكاة؛ وذلك لما فيه من دلالة ظاهرة، أولا: على فرضية الزكاة، وثانيا: على مجموعة من مسائل هذا الباب أو هذا الكتاب. وأقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث ألف وربعمائة واحد، قال: حدثنا محمد بن المقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى بن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما الحديث. ورواه مسلم في أوائل صحيحه، حديث 27 نحوه. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي. قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن داعيا ومعلما وقاضيا، فبين له صلى الله عليه وسلم صفة الدعوة والحكمة الرشيدة. وفي هذا أهمية العلم والعلماء، وأن الناس يحتاجون إلى العلماء أشد من حاجة من الطعام والشراب؛ فالعلماء هم من أسباب الخير الديني والدنيوي للناس، وجودهم من أوجب ما يجب أن يعتني به الأمراء؛ لأن به صلاح الدين والدنيا. قال: فأخبره أولا عن حال من سيقدم عليهم؛ لأن لكل أناس خطابا يلائمهم. وفيه كما يقول بعضهم: الاعتناء بفقه الواقع، ولكن على الضوابط الشرعية، لا على الفكر السياسي المنحرف الذي عليه أهل التكفير ونزعة الخوارج. وإنما هو فقه مستنبط ومنضبط بأدلة الكتاب والسنة. فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام لينبه أن أكثر من في اليمن هم من أهل الكتاب؛ يعني من اليهود. قال: فأخبره أنهم أهل كتاب، عندهم علم وحجج يجادلون بها؛ ليأخذ لهم الأهبة؛ يعني يكون عنده تهيؤ لهم. قال: ثم أمره أن يدعوهم بالأهم فالأهم؛ فأهم شيء الشهادتان؛ لأنهما الأساس الذي لا يقوم بناء بدونه. وفيه أن أول ما يدعى الناس إليه هو التوحيد؛ فأول دعوة الرسل وأتباع الرسل هو التوحيد؛ ليكون أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية للبخاري: «أن يوحدوا الله». وفي هذه الرواية: «فإذا جئتم فادعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله». قال: فلا تصح العبادات إذا لم يوجد الإقرار بهما قلبا وقالبا. ومعنى قلبا وقالبا: يعني ظاهرا وباطنا. قال: ثم أمره إذا أطاعوه بهما أن يدعوهم إلى أهم العبادات، وهي الصلوات الخمس المكتوبة. وفيه أن هذا هو أول ما يؤمر به بعد الشهادتين: الصلاة. قال: ثم يبين لهم بعد التزام الصلاة فريضة الزكاة التي هي قرينة الصلاة، وهي العبادة المالية بعد العبادة البدنية. وأن القصد منها المواساة بين المسلمين؛ ولذا فإنها تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء. قال: ثم بيّن لهم ما لهم من حق الإنصاف والعدل بعد التزامهم لأداء الزكاة، وهي أن لا يأخذ الزكاة من الكرام الطيبات؛ يعني أفضل الأشياء، بل يأخذ من الوسط؛ لأن مبناها على المواساة. واستمسك العلماء بهذه اللفظة: أن الذي يخرج لا يجوز له أن يخرج الأدنى والضعيفة والمريضة. كما كذلك لا يجوز أن يأخذ منه الأعلى، بل الواجب العدل الوسط. قال: وبما أن للساعي سلطة يخشى أن يستغلها في ظلم الرعية، فقد حذره من الظلم. لأن لا يدعو عليه المظلوم الذي تجد دعوته أبواب السماء مفتحة، فتلج حتى تصل إلى الحكم العدل؛ يعني الله عز وجل. قال: فينقض لصاحبها الذي طلب حقه منه، وهو مجيب دعوة المضطرين. وفيه دليل على أن دعوة المظلوم مقبولة ولو كانت من كافر؛ لأنه قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». ومع ذلك قال له في آخر الحديث: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قال رحمه الله تعالى: الأحكام المأخوذة من الحديث. أولا: قوله: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب»، في توطئة وتمهيد للوصية باستجماعهم متى في دعوتهم؛ فإن أهل الكتاب لديهم علم ولا يخاطبون كما يخاطب جهال المشركين. وهكذا كذلك فيه أن الإنسان يستعد لكل مقام بما يحتاجه ذلك المقام. قال رحمه الله تعالى: ثانيا: الاستعداد بالحجج والعلم لمجادلة أعداء الدين ورد شبههم الباطلة. ومعنى ذلك أن الإنسان ولو كان عنده علم لا يكفي؛ العلم مع الاستعداد. العلم بدون الاستعداد؛ لأن العلم هو مشتت عنده معلومات، لكنها متفرقة. فإذا هو علم أنه سيحتاج لهذه المعلومات فهو سيتأهب لها ويتهيأ لأمرها. قال: ثالثا: تعلم تعليم حسن الدعوة إلى الله تعالى؛ لتكون الدعوة بالحكمة. وبه نعرف كما قال المؤلف رحمه الله: أن الدعوة إلى الله ليست عشوائية، وليست كذلك بالاتكال الذي هو حقيقته تواكل، ولكنه توكل صحيح لأخذ بالأسباب؛ أسباب حسية ومعنوية، ليس فقط العلم، بل علم واستعداد بالعلم الخاص بكل مقام. قال: رابعا: الدعوة إلى الله تكون بالأهم فالأهم؛ يعني أن هذا الترتيب به النبي عليه الصلاة والسلام مسائل الدين، ابتدأ بالتوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة. وهكذا. وبه تعرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك هو مقامات. والذي لا يفهم هذا الباب يتشتت، بل ربما يفسد أكثر مما يصلح. قال: خامسا: أن أهم الشيء هو التوحيد؛ لأنه الأساس الذي لا تصح العبادات بدونه. وهذا هو المراد من تقديم الدعوة أولا إلى التوحيد والإيمان؛ لأنه إذا تم التوحيد والإيمان ما بعده فإنه سهل. إذا آمن أن الله عز وجل هو الإله الحق وأنه أرسل رسوله بدين الحق ودينه الدين الحق الذي يجب الاستسلام له، فبعد ذلك يستسلم لما يأتي بهذا الدين. قال: سادسا: أن الصلوات الخمس تأتي بالمرتبة الثانية؛ لأنها عمود الدين، فهي أول أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين. وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة. قال: سابعا: أن الزكاة تأتي بالدرجة الثالثة. ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من الأركان إلا ثلاثة، مع أنه بعث معاذا بعد فرض الصوم والحج. وفي هذا نكتة أجاب عنها العلماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وهو من سورة براءة التي نزلت بعد فرض الصوم والحج قطعا. فكأن الحديث مساوق لهذه اللفتة القرآنية. قال: ونكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.