كتاب الوصية  1

كتاب الوصية 1

الدرس في كتاب الوصية 1، كتاب الوصية . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام الوصية

تناول الشيخ شرح كتاب الوصية للإمام الشوكاني، موضحًا معنى الوصية لغة واصطلاحًا، وحكمها الشرعي. الوصية مستحبة في الإسلام وتخضع لشروط معينة.

شروط صحة الوصية في الإسلام

الوصية يجب أن تكون في طاعة وليس في معصية، ولا تجوز لوارث، ويجب ألا تضر بالورثة، والحد الأقصى للوصية هو الثلث. هذه الشروط تحكم تنفيذ الوصية.

أحكام الوصية والدين وتقديم قضاء الديون

الوصية لا تنفذ إلا بالثلث إذا زادت عن ذلك، ويجب تقديم قضاء الديون على الوصية. إذا لم يترك الميت مالًا يكفي لسداد دينه، فإن السلطان يقضيه من بيت المال.

ختام بالتأكيد على التلاحم بين المسلمين

يجب على المسلمين عمومًا وذوي القرابات خصوصًا التلاحم ونصرة بعضهم البعض. هذا الأمر يعد من الحقوق الأساسية بينهم ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- : كتاب الوصية. قال: تجب على من له ما يوصي فيه، ولا تصح ضرارًا، ولا لوارث، ولا في معصية، وهي في القرب من الثلث. ويجب تقديم قضاء الديون. ومن لم يترك ما يقضي دينه، قضاه السلطان من بيت المال. قوله -رحمه الله- : كتاب الوصية، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوصية. فالكتاب لغة؛ كما مر معنا: ما يُخط على الورق لحفظه. وكتاب يأتي بمعنى مكتوب. وكثيرًا ما يأتي "فعال" بمعنى "مفعول". ومر معنا في دروس سابقة أمثلة نظائر لهذا كثيرة؛ كـ "لباس" بمعنى ملبوس، و"فراش" بمعنى مفروش، و"كساء" بمعنى مكسو، وهكذا. فقوله: كتاب الوصية، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوصية. والوصية لغة: من معانيها الأمر. وفي اصطلاح أهل العلم: معناها بالشرع الأمر بالتصرف بعد الموت في المال وغيره. وأما حكمه؛ كما قال -رحمه الله- : تجب على من له ما يوصي فيه. فأشار -رحمه الله- إلى أن حكم الوصية الوجوب. واستدل على ذلك بحديث ابن عمر في الصحيحين: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا وصيته مكتوبة عند رأسه". وأشار -رحمه الله- بالشرح إلى أن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى الوجوب. وأشار إلى أن ذلك قول عطاء، والزهري، وأبي مجلز، وطلحة، وجماعة. وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم. وبه قال إسحاق، وداود، وأبو عوانة بن جرير. وأن قول الجمهور: أن الوصية مندوبة وليست بواجبة. وأشار -رحمه الله- إلى أن حديث الباب حجة على الوجوب. على أن المسألة -كما رأينا- فيها خلاف. والجمهور يرون أنها مستحبة. وذهب جماعة من المحققين من أهل العلم إلى التفصيل. فأشار إلى أن الأصل هو الاستحباب. وأن ما ورد ظاهره الوجوب؛ فهو يحمل على قضايا أعيان، أو على من كان في ذمته دين لله أو لآدمي، أو عنده أمانة، ونحوها. وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب. وقد وردت آثار كثيرة تدل على ذلك. فتقسم الوصية إلى قسمين: قسم منها يكون حكمها الوجوب، وقسم منها يكون حكمها الاستحباب. ويستأنس بهذا بقول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَةُ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ دل على أن من لم يترك خيرًا؛ فلا تكتب عليه الوصية. ويؤيد هذا ما جاء بإسناد صحيح عن علي -رضي الله عنه- موقوفًا عليه: أن رجلًا من الموالي سأله وقد حضر مرض موته، فقال: أأوصي؟ يعني: هل تنصحني بأن أوصي؟ فقال: لا. إنما قال الله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾. وليس لك كثير مال. وكان للرجل سبعمائة درهم. والسبعمائة درهم تساوي ثلاثة أضعاف نصاب الفضة ونصف نصاب الفضة. ونحو هذا روي عن ابن عباس بإسناد فيه ضعف. واستأنس به بعض أهل العلم مع أثر علي -رضي الله عنه-. بل جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنها أفتت بنحو هذا في رجل عنده عدة أولاد ترك أربعمائة دينار. فمن ترك أولادًا كثيرًا، وكان عنده مال قريبًا من هذا؛ فكونه يدع ورثته أغنياء خير من أن يجعلهم يتكففون الناس. ويستأنس من قال بالاستحباب بأثر -بل حديث- سعد -رضي الله عنه- في الصحيحين؛ حين أراد أن يوصي بكل ماله، فأشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوصي بثلث ماله. فقال: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". والحديث في الصحيحين. فالخلاصة: يستخلص من هذا أن الصحيح من أقوال أهل العلم استحباب الوصية لمن ترك مالًا لا يضر إخراج الوصية بورثته. فإن كان كذلك؛ فلا بأس. ويستحب في مثل حق هذا الإنسان أن يخرج الوصية. وأما قوله -رحمه الله- : ولا تصح ضرارًا؛ فاستدل -رحمه الله- في الشرح بالآية، وحديث. أما الآية؛ فهي ظاهرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿غَيْرَ مُضَارٍ﴾؛ ظاهر الدلالة أنه لا يجوز الضرار بالوصية؛ سواء كان الضرار بالورثة، أو كان الضرار بمعنى آخر من المعاني التي يحصل بها الضرار. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "لا ضرر ولا ضرار". وأشار إلى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- : "إن الرجل لا يعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضار في الوصية؛ فتجب لهما النار". ثم تلى أبو هريرة هذه الآية. والحديث أخرجه أبو داود، والترمذي. لكن كما أشار المعلق: أنه ضعيف. وقد ضعفه العلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه. فضعف الحديث لا يعني ضعف الحكم؛ فالحكم باقٍ بعموم الأدلة في هذا الباب؛ الآية وهي صريحة. وهكذا عموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "لا ضرر ولا ضرار". فلا يجوز الإضرار بالوصية. وقد صح عن ابن عباس -وأشار إليه من قوله- : أن الإضرار بالوصية أو في الوصية من الكبائر؛ للآية. وهكذا أيضًا هذا الأثر في الغالب لا يقال بالرأي؛ فهو من الموقوف الذي له حكم الرفع. فلا يجوز الإضرار بالوصية. ومن أضر في وصيته؛ لحقه الإثم؛ مثل أن يكون المال قليلًا، فعلم هذا الإنسان أن هؤلاء الورثة سيتضررون بإخراج هذه الوصية؛ فوصيته بها يكون عليه فيها إثم. أو كذلك المال كثير، لكن يضرهم بأن يدخل أحد معهم في شيء لا يمكن قسمته؛ فيضطر إلى قسمته. فهذا إضرار في الوصية. مثاله: لو أن رجلًا ترك بيتًا، وعلم أن إدخال أحد مع هؤلاء الورثة في البيت يضر بهم، وهو يريد أن يرثوه؛ فأدخل معهم أحدًا بالوصية. أوصى بثلث البيت لفلان غير الوارث. فهنا حصل الضرر. وقوله -رحمه الله- : ولا لوارث؛ يعني: لا تجوز الوصية لوارث. لما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث". وأشار إلى الحديث الصحيح، وإلى تصرح به في الشرح. وعندكم أيضًا في التعليق تخريج الحديث. فلا يجوز أن يوصى للإبن ولو كان صغيرًا. بعضهم يقول: "أنا أوصي بالثلث أو ببعض الثلث للولد الصغير أن يزوج من غير التركة". هذه الوصية غير صحيحة ولا تنفذ. فإن قال قائل: كيف العدل؟ قد زوج هذا الأب جميع الأبناء الكبار، وأراد بحسن نيته أن يعدل مع هذا الولد الصغير، وأن يصرف له من غير التركة كإخوته مالًا هو وصية؛ لأجل أن يزوج كما زوج إخوته الكبار. الجواب: ما دام جعله وصية؛ فلا يجوز ولا ينفذ. لكن قد ينفذ إذا أذن الورثة. أما أن ينفذ بوصيته؛ فلا. وقوله -رحمه الله- : ولا في معصية؛ أي: ولا تجوز الوصية في معصية. ولا شك أن هذا المعنى تدل عليه عمومات كثيرة. فعمومات الأدلة تدل على هذا المعنى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وإنما الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية الله. فكيف يريد وصية يريد بها صدقة، ويجعلها في معصية؟ وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام- : "من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وقال -عليه الصلاة والسلام- : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد". فهذه الأحاديث وغيرها كثير تدل على عدم جواز الوصية في المعصية. وقد أشار -رحمه الله- إلى حديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم؛ زيادة في حسناتكم". والحديث ضعيف -كما أشار إليه الشارح في الشرح-. ففيه متروك. وهو كذلك. وقد أشار في التعليق إلى تضعيفه. فلا يصح. لكن في تلك العمومات ما يغني عن هذا الحديث. فلا يجوز الوصية في البدع، لا في القباب، ولا في الزيارات الشركية، ولا كذلك في سائر ما يكون فيه معصية لله -سبحانه وتعالى-؛ سواء شرك أو كفر أو نفاق أو بدعة أو معصية. فكل ما ينافي الشرع؛ لا يجوز أن يوصى فيه. فما كان من وصية كذلك؛ فهي وصية محرمة. وهل تنفذ هذه الوصية أو لا تنفذ؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: أنها لا تنفذ. ومن أهل العلم من قال: أنها تنفذ مع الإثم. والصحيح التي تقتضيه عمومات الأدلة: أن مثل ذلك ممكن أن يبطل بمطالبة الورثة، وكذلك قضاء الحاكم؛ لأنها مما لا يقرها الشرع. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. والإثم والعدوان من المنكر الذي يجب على ولي الأمر أن يغيره. فتغييره يقتضي إبطاله. ولهذا؛ الصحيح أنه يبطل. بل بعض أهل العلم يقول: أنه أصلا لا ينعقد. قال -رحمه الله- : وهي في القرب من الثلث. ومر معنا أنها لا تصح في معصية، وإنما تكون في طاعة؛ لعمومات الأدلة في هذا الباب. وقوله -رحمه الله- : من الثلث؛ أي: لا يزاد على الثلث. لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس -وأشار إليه بالشرح- : أنه قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الثلث، والثلث كثير". وهو يشير إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- حين أراد أن يوصي بكل ماله. فما زال به حتى قال له: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال -عليه الصلاة والسلام- : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لهم من أن تدعهم عالة أو فقراء يتكففون الناس". وقد استدل جمهور أهل العلم بهذا الحديث على عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث. بل إنها لا تصح ولا تنفذ. فلو أن رجلًا أوصى بنصف ماله؛ فلا ينفذ من هذه الوصية إلا الثلث؛ امتثالًا لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ها هنا. بل استدل به الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم: أن في هذا الحديث إشارة إلى استحباب مراعاة حظ الورثة. فلو أن الميت ترك ورثة كثر؛ فلو أنه لا يوصي مراعاة لحق الورثة؛ لكان أولى. وقد تقدمت معنا بعض الآثار في هذا الباب: "صدقته على أهله خير من صدقته على الأجانب". وإذا احتاج أن يوصي، وكان عنده مال كثير؛ فليوصي بما لا يضر الورثة. والأقربون أولى بالمعروف. وتقدم معنا أثر علي -رضي الله عنه- ونحوه ما جاء عن عائشة، وابن عباس. وفي هذا الباب آثار كثيرة؛ فيراعي من يوصي هذا المعنى. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إليه. ولهذا قال ابن عباس: "لو أن الناس غضوا من الثلث؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الثلث، والثلث كثير". فلو أوصى بالربع أو الخمس؛ لكان أولى من الثلث؛ امتثالًا لمعنى الحديث: "الثلث، والثلث كثير". وقوله -رحمه الله تعالى- : ويجب تقديم قضاء الديون. وهذا الوجوب علم من أدلة صحت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأشار -رحمه الله- إلى حديث سعد بن الأطول الذي رواه الإمام أحمد، وابن ماجة -كما قال- بإسناد رجاله رجال الصحيح. وقد صحح العلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه، ومنها في "الإرواء" في المجلد السادس. فهذا الحديث فيه: أن أخ سعد بن الأطول مات، وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا. فأراد سعد بن الأطول أن ينفق على عياله من هذا المال. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إن أخاك محتبس بدينه؛ فاقض عنه". فقال: "يا رسول الله؛ قد قضيت -أو أديت- إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليس لها بينة". فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- : "أعطها؛ فإنها محقة". فأعطاها. فدل هذا الحديث على تقديم الدين على الوصية. وروي من حديث علي عند ابن ماجة وغيره: أنه قال: "قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدين قبل الوصية". ثم تلا الآية: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. والحديث فيه ضعف؛ لأنه من طريق الحارث الأعور. ومن طريق الحارث الأعور؛ فقد ضعف -كما لا يخفى- عند العارفين بالرجال؛ فالحارث الأعور مضعف. لكن الحديث له شواهد. وهذا حديث سعد بن الأطول الذي ذكره المؤلف -رحمه الله- في الشرح؛ يدل على هذه المسألة. وهنا يرد سؤال: إن كان الأمر كذلك؛ فلماذا قدم ذكر الوصية على الدين في الآية؟ قال الله عز وجل: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فلماذا قدمت الوصية على الدين؟ فالجواب: أجاب أهل العلم: أن الله عز وجل قدم الوصية على الدين؛ لأجل أن الوصية قد تثقل على الناس؛ لكونها تطوع. فأراد ربنا جل وعلا أن يزيد في توثق هذا التصرف؛ فقدمت الوصية على الدين: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فهذا هو جواب أهل العلم عن تقديم الوصية على الدين في الآية. ولا يعني ذلك تقديم الوصية على الدين في التصرف، وإخراج ذلك من المال. بل المقدم هو الدين. وقوله -رحمه الله- : ومن لم يترك ما يقضي دينه؛ قضاه السلطان من بيت المال. أشار بالشرح إلى دليل ذلك في متفق عليه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من خلف مالًا أو حقًا؛ فلورثته. ومن خلف كلا أو دينا؛ فكله إليَّ. ودينه عليَّ". والمراد بالكل: أي من تحته ممن يستحق النفقة. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن في هذا الحديث: أن هذا مما يجب على السلطان، وعلى ولي الأمر. ففي هذا مبحث من مباحث السياسة الشرعية التي ينبغي أن تقضى في بلاد وديار المسلمين. وهذا حكم شرعي قرره النبي -صلى الله عليه وسلم-. ويجب أن يقر في أوساط المسلمين. فإن كان بيت المال مستقرًا، وكانت لدولة الإسلام قدرة؛ فوجب عليها -والحال هذا- أن تنفق على من كان بمعنى ما ذكر في هذا الحديث. ومنه أمر الديون. وفي هذا دليل على أن ولي الأمر تتعلق به حقوق؛ ليس فقط في مسألة الرعاية؛ بل كذلك في بعض الحقوق المالية؛ إن كان عنده قدرة واستطاعة. فهذا نص حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب. وهو دليل لقوله -رحمه الله- : ومن لم يترك ما يقضي دينه؛ قضاه السلطان من بيت المال. فإن لم يكن؛ فماذا؟ قال بعض أهل العلم: يقضيه ورثته؛ كما أنهم ينفقون عليه في حياته؛ فكذلك يدفعون عنه بعد مماته. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه لم يصل على رجل عليه دين؛ حتى تصدق عليه بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم جميعًا-. وهذا يدل على أن الدين يبقى في ذمة الميت. فبرًا بالميت؛ إن كان الورثة يستطيعون؛ ولو لم يرثوا شيئًا من المال؛ لزمهم أن يدفعوا عن قريبهم ما يمكن دفعه. وهذا من الحقوق التي يجب أن يتناصر فيها أهل الإسلام عمومًا، وذوو القرابات على وجه الخصوص. وبهذا ننتهي. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.