شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 32

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 32

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 32، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

باب صوم يوم الجمعة وأحكامه في صحيح البخاري

يشرح المقطع حديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، مبيناً جواز صومه إذا صُوم قبله أو بعده أو وافق عادة صيام. وتكون العلة في النهي كون الجمعة عيداً للمسلمين، ويزيل الوصل بيوم آخر كراهة التخصيص.

حكم صوم يوم الجمعة ويوم السبت وهدي النبي في تخصيص الأيام

يحرم إفراد يوم الجمعة بالصوم ويستحب صوم يوم قبله أو بعده، بينما يجوز إفراد السبت بالصوم. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخص يوماً معيناً بالصوم بل كان عمله ديمة.

مشروعية صيام التطوع ودوام النبي على الطاعات

ثبتت مشروعية صيام يومي الاثنين والخميس بالسنة، بينما صيام الأيام البيض فيه خلاف والأصح صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وكان النبي مداوماً على الطاعات ويقضي ما فاته عند الانشغال.

الاقتداء بالنبي في العبادة والعمل

تذكر عائشة أن النبي كان يطيق من العبادة ما لا يطيقه غيره، والقرآن يجعله أسوة حسنة. فعلى المسلم الاجتهاد في اتباع سننه والدعاء بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيديو يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب صوم يوم الجمعة. وإذا أصاب صائبا يوم الجمعة فعليه أن يفطر. قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن محمد بن عباد قال: سألت جابرا رضي الله عنه: أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. زاد أبو عاصم: يعني أن ينفرد بصومه. وقال أيضا: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده». وقال أيضا: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعبة. قال: وحدثني محمد قال: حدثنا بندار قال: حدثنا شعبة عن أبي أيوب عن جويرية بنت الحارث فرويناها عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». وقال حميد بن جعفر: أنه سمع قتيبة قال: حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرتها. هذا الباب عقد المصنف رحمه الله لصوم يوم الجمعة، وأنه ورد النهي وثبت النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم يوم الجمعة، أي من أيام المسلمين، وهو أعظم يوم طلعت عليه الشمس وغربت، هو يوم الجمعة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «أعظم أيامكم يوم الجمعة». وفي حديث آخر: «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أعظم من يوم الجمعة». فيوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين، فهذا جاء النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم بصومه إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده، أو أن يوافق صوما يصومه، يعني أنه لم يقصد تخصيص هذا اليوم بالصوم وإنما وافق يوما يصومه. مثلا: إنسان معتاد على صوم داود عليه الصلاة والسلام أنه يصوم يوما ويفطر يوما، فوافق يوم الجمعة، هل عليه أن يفطر؟ لا. أيضا رجل معتاد على صوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فإذا وافق يوم عاشوراء يوم الجمعة، هل عليهم أن يفطروا؟ لا. أيضا وافق نذر، نذر لله عليه نذر: إن قدرنا كذا أن أصوم اليوم الذي بعده، فجاء يوم السبب، فعلى مقتضى نذره أنه يصوم يوم النذر، جاء يوم الخميس، فعلى مقتضى نذره أنه يصوم يوم الجمعة. هذا مما استثناه أهل العلم. فيوم الجمعة لا يخص بصوم، كلا، بهذا الشرط: إذا أراد أن يصوم نافلة في يوم الجمعة فعليه أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده، عليه أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده. وهذا معنى ترجمة الإمام البخاري: باب صوم يوم الجمعة، وإذا أصبح صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر، بهذا الشرط عليه أن يفطر إذا لم يصم يوما قبله ولم يرد أن يصوم يوما بعده. أما إذا صام يوما قبله فلا بأس أن يصوم يوم الجمعة، إذا أراد أن يصوم اليوم الذي بعده فلا بأس أن يستمر في صومه إذا أصبح يوم الجمعة صائما. اختلف العلماء في علة النهي، وأقوال كثيرة، وهذا الراجح أنه من أجل العيد، فهو نهى عن صومه. فإذا قال قائل: هذه العلة تنتفي، يعني هذه العلة تذهب إذا صام قبل أو بعد، كيف يكون معيدا نهيا عن صومه مع أنه جاء الشرع بالترخيص لصوم يوم الجمعة إذا تقدمه صوم يوم أو تأخر بعده؟ فالجواب: إذا تقدم يوم أو تأخر، فهذا لا يتمحض في تخصيص الصوم، فتذهب العلة. وكما هو معلوم أن الوصل شرع، وأن الوصل هو ما شرعه الله سواء علم له حكمة أو لم تعلم. فيوم الجمعة للعيد شرعت فيه العبادات الكثيرة، من ذلك قراءة السور المعلومة: السجدة والنساء في صبحه، ومشروعية المبادرة لحضور الجمعة: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة...» ذلك الحديث، وأيضا مشروعية الذكر والدعاء: «واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون»، أيضا وجود ساعة الجمعة، وأيضا مشروعية كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أيضا خطبة الجمعة وصلاة الجمعة. فهذه العبادات تحتاج إلى أن يتفرغ لها. وهذا كما تقدم أنه يعني شرع، الشرع المنهي عن تخصيص يوم الجمعة بصوم. إذا قال قائل: ما هو الدليل على أن يوم الجمعة إذا وافق صوما يصومه أنه لا بأس يصومه؟ الجواب: ما رواه مسلم على جهة رضي الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من دون الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من دون الأيام». رواه مسلم، وهو معلق، فإن الراجح فيه الإرسال عن ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في رواية أخرى عن ابن سيرين عن ابن الدرداء وهو لم يسمع منه، لكن جاء في بعض الروايات الأخرى ما يؤيد بمعنى الحديث الذي رواه الإمام مسلم. فإذا علمنا هذا، أن الحديث مرسل، فالأفضل لمن أراد أن يصوم يوم الجمعة أنه يصوم يوما قبلها أو بعدها، إلا في صوم داود عليه السلام لأنه واضح وصريح، أفضل الصيام صوم داود وهو أنه يصوم يوما ويفطر يوما. أما من وافق يوم نذره أو يوم عرفة أو نحو ذلك، فالأفضل له يعني لأنه يصوم يوما قبله أو يوما بعده. وهذا فيه دلالة على عدم ثبوت النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صوم يوم السبت، لأنه قال: يصوم يوما قبله أو بعده، وهو يوم السبت. نعم، الجماعة من أئمة الحديث، لأن التبعيضي وهو الأقرب، قول القوم التبعيضي، ومثال بعض العلماء يعني جمع طرق وقوائم في بحث المتين هو العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء وغيره، لكن الأقرب هو قول أئمة الحديث المتقدمين في حكم العالم الحديث بأطراف والرد، فلا بأس بإفراد يوم السبت بالصوم. قال: سألت جابرا رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة قال: نعم. وفي الحديث الذي بعده: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده». من صام يوم الجمعة فلْيَصُمْ يوما قبله أو بعده. أي شيء اليوم الذي قبله؟ الخميس. ما هو اليوم الذي بعده؟ السبت. لا يقول: أنا أصوم الخميس أو الجمعة، أو اليوم جمعة أصوم يوم الجمعة وأصوم يوم الاثنين أو الثلاثاء أو الأحد. هذا الشرع: أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده. ما هو اليوم الذي قبله؟ يوم الخميس. ما هو اليوم الذي بعده؟ يوم السبت. والحديث الثالث: حديث جويرية، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة فقال: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدا؟» قالت: لا. قال: «أفطري». هذا بينة إضافة إلى النصوص المتقدمة، أن صوم يوم الجمعة على انفراده، أنه حرام، وأنه لا يجوز صومه أو تخصيصه بالصوم. ثم قال المصنف رحمه الله: باب: هل يخص شيئا من الأيام؟ قال: حدثنا المسند، قال: حدثنا يحيى عن سفيان عن الزبير عن إبراهيم عن عكرمة عن عائشة رضي الله عنها: «أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص من الأيام شيئا؟» قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟ قوله في الترجمة: «هل يخص شيئا من الأيام؟» وهذه الترجمة أن الإمام هو البخاري رحمه الله: تخصيص يوم من الأيام من الشهر بالصوم. يعني ظاهر إطلاق الترجمة أنه لم يثبت عنده مشروعية صوم الاثنين والخميس، أو مشروعية صوم الأيام البيض، مع أنه ترجم من الأبواب المتقدمة بعد صيام الأيام البيض. لكن يبقى الاثنين والخميس، أنه لا يخص في صوم، بل كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن عمله ديمة. واختلف العلماء كما أشار الشارح وذكره في مسألة يعني في هذا: «كان عمله ديمة» في هذا الباب، يعني ما المراد بذلك؟ على كل يعني... الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الترجمة في صومه، في صومه: نفي الاثنين والخميس. ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مشروعية الاثنين والخميس. أما الأيام البيض، فكما تقدم، أما الحديث الذي يروى في مشروعية الأيام البيض ففيه شيء من الكلام. وحديث عائشة أصح: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر». قالت: نعم. قيل: من أي شهر كان يصوم؟ قالت: لا أدري أين كان يصوم. قالت عائشة مجيبة: «لم يكن يبالي من أي شهر يصوم، لم يكن يبالي من أي شهر يصوم». فالذي يظهر: صيام الاثنين والخميس مشروع، وأما الأيام البيض ففيها شيء من الكلام، فيشرع للمسلم أن يصوم ثلاثة أيام، ولا يعني يتكلف الأيام البيض. وأيضا من الأيام: يعني يوم عاشوراء وعرفة، وإن كان يعني داخلا في الترجمة، أن عاشوراء وعرفة ليسا متكررين في كل شهر، وانما هو صوم سنوي، وانما هو صوم سنوي. قولها رضي الله عنها: حينما سئلت: «أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام؟» قالت: لا. قالت: لا. نعم، قالت: لا. يعني هذا يوافق قول من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص يوم الاثنين والخميس ويصومه. وهذا لا يدل على عدم المشروعية، لأن مشروعية الشيء تثبت بقوله وبفعله. إن فعل فنفعل ما فعل إلا أن يكون من الخصائص. وإن قام ورغب فيفعل فيما رغب على سبيل المشروعية. فلا يشترط في ثبوت مشروعية الشيء ثبوت القول والفعل. فقد ثبت علينا بالقول وبالفعل. فعليه الصلاة والسلام قد يرشد ويندع الآخرين إلى فعل ولا يفعله، ولا يفعله، ولا يفعله، إما لانشغاله، أو إما يتحرى على اليوم وصور رجلا، أو نعوذ بذلك من المعاني. قالت: لا، كان عمله ديمة، أي مداوم على فعل فعلا، حاولا أن تدوموا معه به. لهذا الحديث المتقدم: حديث أنس وحديث عائشة، وغيرهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ما شئتَ أن تراه صائما رأيته، وما شئتَ أن لا تراه صائما لم تره». حمل بعض العلماء هذا الحديث على ذلك: أنه كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صام صوما داوم عليه، فبهذا أحيانا تعتريه شواغل فلا يصوم على الأيام التي هو مداوم على صيامها، يعني يشتغل بجهاد أو بسفر أو بمرض، ثم إذا وجد الفرصة فإنه يسارع بأصول مسردا لقضاء ما فات مما داوم عليه عليه الصلاة والسلام، فوجهوا الحديث المتقدم على ذلك. قالت: «أيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟» في باب الدعوة، في باب تلاوة القرآن، في باب الجهاد، في باب القيام بشؤون أزواجه، وعنائه في القيام بشؤون الحاجات الأمة والصحابة والفقراء والمساكين. في أذكار الذي يأخذ كتابا من كتب الأذكار الصحيحة مثل الصحيحة، المسند من الأذكار اليوم والليلة، يتعجب يعني إذا تقرأ في هذا الكتاب وترى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم محافظا عليه من الأذكار، لا يكن شيئا عجبا أن الإنسان يتفرغ لهذه الأذكار إضافة إلى انشغاله بالأمور الأخرى. في باب الذكر لو لم يكن عندك الأذكار العامة التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن عندك إلا الأذكار التي كان يقوم بها، لو أراد أن يقضي وقتا لأذكار عليه الصلاة والسلام، لم يكن شيئا قليلا بالنسبة لك، فكيف والنبي عليه الصلاة والسلام في كل باب: في باب الجهاد والصوم والصلاة والقيام بحاجات الآخرين والجهاد في سبيل الله ضد حروب، تعليم العلم ومدارسة يعني القرآن مع جبريل وغير ذلك، كان المقدم في كل شيء. لهذا عائشة رضي الله عنها كانت تقول: «أيكم كان يطيق ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيق؟» لهذا فالمسلم يسجد ويقال: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر». فإذا لم تستطع أن تفعل جميع ما فعل، فلتحرص على أن تختار الأمور التي تستطيع على فعلها وتداوم على ذلك، ووفق الله الجميع لمن أحبه ورضيه.