الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 37، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عبد الرحمن بن مرع العدني باب تحري ليلة القدر مستنداً إلى أحاديث البخاري، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاور في العشر الأواخر ويأمر بتحريها في الليالي الوترية. وتذكر الروايات تحديدها في التاسعة أو السابعة أو الخامسة الباقية من العشر.
استعرض المقطع أقوال العلماء الكثيرة في تحديد ليلة القدر، ورجح أنها تكون في الليالي الوترية من العشر الأواخر متنقلة بين ليلة 21 و23 و25 و27 و29. وبين أن حكمة إخفاء تعيينها الدقيق هي حث العباد على الاجتهاد في طلبها وإحياء ليالي العشر كلها.
يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه في العشر الأوسط ليلة إحدى وعشرين لا صبح عشرين. ويوضح أن العلامة الصحيحة الثابتة هي طلوع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، بينما تُرد العلامات الأخرى كاعتدال الحرارة وعدم رمي النجوم لضعفها أو بطلانها.
يؤكد المقطع على العلامة الأصح لليلة القدر وهي أن تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. ويختتم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والشكر.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن ابن مرع العدني رحمه الله تعالى. بل هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب قبل ليلة القدر: قال: باب تحري ليلة القدر في العشر من العشر الأواخر. فيه عبادة، يعني يصلح فيه حديث عبادة الذي سيأتي في الباب الذي بعده. وفيه ثلاثة سوى: في التاسعة، والسابعة، والخامسة. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا أبو سهيل عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في العشر من العشر الأواخر». وقال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثني ابن أبي حازم والجراوردِي عن يزيد عن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في رمضان، والعشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه. وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: «كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أُريت هذه الليلة ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين». فاستهلّت السماء في تلك الليلة، فأمطرت، فوكف المسجد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين، فأبصرت عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظرت إليه انصرف من الصبح، ووجهه ممتلئ طينًا وماء. وقال أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التَمسوها». وقال أيضًا: حدثني محمد، قال: أخبرنا عُبَيد عن هشام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». وقال أيضًا: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو هِشام، قال: حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى». وقال أيضًا: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عاصم عن أبي مجلز وعكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي في العشر الأواخر، في تسع يمضين، أو في سبع يبقين». تابعه عبد الواحد عن عَيّاش، وعن خَالد عن عكرمة عن ابن عباس: «التمسوها في عشر وعشرين، يعني ليلة القدر». وهذا الباب قدمنا أن نَصِنَعَ - ورحمة الله تعالى - للمسألة المشهورة المختلف فيها بين أهل العلم على أقوال كثيرة، وهي: ما هي ليلة القدر؟ أو في أي ليلة تكون ليلة القدر؟ وهذه المسألة اختلف فيها العلماء اختلافًا واسعًا، كما اختلفوا في ساعة الجمعة، الساعة التي ترجى فيها الإجابة. وأورد العلماء زيادة على أربعين قولًا في تعيين ليلة القدر، مع أن ليلة القدر تكون في رمضان، ورمضان كم عدد أيامه؟ ثلاثون عددًا، أو تسعة وعشرون. مع هذا، الأقوال بلغت زيادة على أربعين قولًا، وبعضها متداخلة، بعض هذه الأقوال متداخلة. لكن الراجح من هذه الأقوال أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، كما دل على ذلك هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى: هي في رمضان، وهي في العشر الأواخر، وهي في الوتر من العشر الأواخر. واختلفوا في أي ليلة من ليالي الوتر التي هي: 21، 23، 25، 27، 29. الجمهور على أنها في ليلة سبع وعشرين، أرجى ليالي الوتر ليلة 27. والراجح كما تقدم أنها في الأوتار من العشر الأواخر، وأنها تنتقل. لأنه في حديث أبي سعيد، وآخر في تلك السنة ليلة قدر كانت في إحدى وعشرين. كيف عرفنا أنها في إحدى وعشرين؟ مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم، راعاها أنه يصبح يسجد في ماء وطين، وحصل له ذلك في صباح إحدى وعشرين، يعني كانت ليلة القدر في ليلة إحدى وعشرين في ذلك العام. وفي بعض الحديث أنه وافق ليلة القدر في سبع وعشرين. فهذا يدل على أن ليلة القدر تكون في الوتر من العشر الأواخر، وأنها تنتقل. وأنها تنتقل، ما معناها تنتقل؟ تارة تكون في إحدى وعشرين، وتارة في ثلاث وعشرين، وتارة في خمس وعشرين، وتارة في سبع وعشرين، وتارة في تسع وعشرين. هذا خلاصة القول في تعيين ليلة القدر، هذا الذي تدل عليه الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ننظر ونقوم: حديث عائشة تقدم: «تحروا ليلة القدر في الوتر»، يعني التَمسوها والتمسوها، يدل على أن المسلم ينبغي أن يحرص على فعل الخير. وكان من حكمة الله سبحانه وتعالى أن أخفى ليلة القدر، يعني أخفى تعيينها، لأجل أن يجِدّ العباد في طلبها، بخلاف ما إذا كانت معينة في ليلة سبع وعشرين، فأغلب الناس سينامون، يعرفون أن الفضل في سبع وعشرين، ما سيحيون هذه الليلة بالصلاة والدعاء والقيام والتلاوة والصدقة وغير ذلك، وإنما ينتظروا ليلة سبع وعشرين ويقومون. لكن حينما أخفيت وصارت متنقلة، هذا يدعو الناس إلى أن يلتمسوها في رمضان، لا سيما في العشر، لا سيما في الأوتار من العشر. نعم، والذي بعد: حديث أبي سعيد الخدري تقدم بالأمس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور، بمعنى يعتكف، يجاور بمعنى يعتكف في رمضان. انتبه إلى آخره، قال: «فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه». هذا فيه الدلالة الواضحة عن أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في ليلة إحدى وعشرين، من خلاف الرواية المتقدمة بالأمس أنه في صبح عشرين خرج. لا، الذي تدل عليه الروايات الواضحة أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم من اعتكافه في العشر الأوسط إنما يكون في ليلة إحدى وعشرين، كما تدل عليه هذه الرواية الراجحة. وأما قوله في الحديث الثالث: قال: حدثنا محمد بن المثنى إلى أن قال: قال: «التَمسوها». يعني في هذه الرواية: التَمسوها، وفي الرواية التي قبلها: «ابتغوا». هكذا الجهات: «تحروا»، «ابتغوا»، «التمسوا». وحديث ابن عباس: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى». أي شيء من رمضان في تاسعة تبقى؟ يعني ليلة إحدى وعشرين. «في سابعة تبقى» يعني التَمسوها في ثلاث وعشرين. «في خامسة تبقى» أي التَمسوها في خمس وعشرين، وهكذا. ومن التتمة للفائدة، كما ذكر الشارح رحمه الله، أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد أن ليلة القدر لها علامة، أن ليلة القدر لها علامة. رُوي حديث في ذلك، والذي صح منها هو حديث أُبي بن كعب. وما كان في معنى أن علامة ليلة القدر أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، أصح ما ورد في علامة ليلة القدر أن الشمس تطلع في صبيحتها، إذا كانت البارحة ليلة القدر، ففي هذا اليوم في الصباح تطلع الشمس بيضاء لا شعاع لها، مثل القمر ليلة البدر. وهذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. تجدون الشمس في كل يوم تطلع لها شعاع وقوية، لكن في ليلة القدر تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء أو حمراء، مثل القمر ليلة البدر، لا شعاع لها، تستطيع أن تنظر إليها بسهولة. ولعل كثيرًا منكم قد رأى مثل ذلك في كثير من السنوات، في كثير من السنوات. هذا رواه مسلم عن أُبي بن كعب. ورُوي حديث فيها ضعف: منها أن ليلة لا حارة ولا باردة، هذا ضعيف. وأن ليلة لا يرمى فيها بنجم، هذا ضعيف. وأن ليلة الملائكة في الأرض أكثر من عدد الحَصَى، أيضًا هذا ضعيف. ورُوي حديث أخرى، لكن الذي صح في علامة ليلة القدر أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء أو حمراء لا شعاع لها. وكما تقدم أن ليلة القدر لا يمكن أن تُرى حقيقة، يعني مثلًا أن يرى فيها شيئًا لا يرى في بقية الليالي، في نفس الليلة، لا. يعني لا يمكن أن يرى نورًا أو يرى نجمًا يأتي إليه في حجرته أو تحت فراشه، أو مثل ما يذكر كثير من الناس من هذه الشكاوي، لا، هذا ليس بصحيح. بل كما ذكر الشارح رحمه الله أن قومًا من الناس ذكروا وزعموا أن ليلة القدر تنحني جميع الأشجار وتعود إلى مَهادِها، تنحني جميع الأشجار وتعود إلى مَهادِها، هذا غير صحيح أيضًا. من هذه الأشياء والخرافات التي أشبه من الخرافات: أن في ليلة القدر تصير المياه المالحة عذبة، تصير جميع المياه المالحة في الأرض عذبة، هذا غير صحيح، هذا ظن بالواقع والمشاهدة. فأصح علامة في ليلة القدر أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. لها مكتبنا، نَطْلُبُ الله، وصلى الله، شكرًا، شكرًا.