الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 42، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح الشيخ وقت خروج المعتكف عند الصبح مستدلاً بحديث أبي سعيد، مبيناً اختلاف الدخول والخروج حسب النية. كما يوضح باب الاعتكاف في شوال بحديث عائشة عن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأخير من شوال بعد نزع أزواجه قبابهن في رمضان.
يبين سبب إلغاء النبي صلى الله عليه وسلم اعتكافه في شوال وقضائه في العشر الأول، وأن الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف. ويناقش صحة نذر الكافر بالاعتكاف في الجاهلية ووجوب الوفاء به بعد الإسلام مستدلاً بفعل عمر بن الخطاب.
يتناول مشروعية الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان بحديث أبي هريرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً في عام وفاته. ويوضح جواز العدول عن الاعتكاف بعد النية أو الشروع فيه بحديث عائشة، مما يدل على أنه سنة غير لازمة عند الجمهور.
يذكر خلافاً في دخول النبي صلى الله عليه وسلم المسجد للاعتكاف ثم خروجه، ويبين الباب الأخير في كتاب الاعتكاف المتعلق بجواز إدخال المعتكف رأسه إلى البيت لغرض الغسل.
موقع دار الحديث بالفيوم يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. يقول المصنف رحمه الله: باب من خرج من اعتكافه عند الصبح. قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان الأحول، خالي بن أبي نجيح، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، قال: قال سفيان: حدثنا محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، قال: وأظن أن ابن أبي لبيد حدثنا عن أبي سلمة، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، فإني رأيت هذه الليلة رأيتني أسجد في ماء وطين». فلما رجع إلى معتكفه، قال: وهاجت السماء فمطرنا، فهو الذي بعثه بالحق، لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد عريشًا، فلقد رأيت على أنفه وعبنثته أثر الماء والطين. نعم، هذه الترجمة عقد المصنف رحمه الله: باب من خرج من اعتكافه عند الصبح. متى يخرج المعتكف؟ في أقوال لأهل العلم. ومن اعتكف الأيام والليالي العشر، فإنه يدخل عند غروب الشمس، عند قبيل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين من رمضان، فإنه ما يؤذن المؤذن للمغرب إلا وهو في معتكفه. ومتى يخرج؟ إذا أكمل عدة رمضان ثلاثين، أو إذا أعلن عن هلال العيد في تسع وعشرين. فمن أراد أن يعتكف الأيام والليالي العشر، فإنه يدخل في المغرب ويخرج في المغرب. وأما من اعتكف الأيام العشر، فإنه يدخل متى... من أراد أن يعتكف الأيام العشر، متى يبدأ اليوم؟ من الصبح، الصبح 21، ويخرج في صبح يوم العيد. نعم، ومن اعتكف الليالي العشر، فمتى يدخل؟ ومتى يخرج؟ من اعتكف الليالي العشر، فالليلة تبدأ بالمغرب، يعني يؤذن المؤذن للمغرب وهو قد دخل معتكفه. ومتى يخرج؟ متى تنتهي الليلة؟ تنتهي الليلة بطلوع الفجر. فالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي يظهر أنه اعتكف الأيام والليالي العشر، يدخل عند المغرب، ويخرج بإكمال العدة أو بالإعلان عن العيد. فالسنة لمن اعتكف في هذه الأيام والليالي العشر، أنه في هذه الليلة إذا أعلنوا عن العيد، أنه يبادر بالخروج اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: باب من خرج من اعتكافه عند الصبح. لكن كما تقدم أن القصة واحدة، وفي بعض الطرق أنه خرج مساءً. قال: باب الاعتكاف في شوال. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه. قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: «ما هذا؟» فأخبر بخبرهن، فقال: «ما حملهن على هذا البر؟ انزعوها، فلا أراها». فنزعت، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال. هذا الحديث تقدم ذكر مسائله في الدرس قبل الماضي وفي الدرس الماضي. وفي الاعتكاف في شوال، النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف في ذلك العام، لكن حينما رأى نساءه يتنافسن من القرب منه، قال: «أهل البر أردن». هل الذي حملهن على ضرب القباب والأخبية هو إرادة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، أو المنافسة في القرب منه؟ وحملهن على ذلك شدة الغيرة، فألغى النبي صلى الله عليه وسلم اعتكاف في ذلك العام ولم يعتكف. وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عمل عملاً أثبته، فلذلك قضى هذه العشر الأواخر، قضى هنا في العشر الأول من شوال، ولم ينقل أنه صام في هذا العشر الأول، وليس هذا واجبًا، بدليل أن نساءه لم يعتكفن في العشر الأول من شوال. ثم قال المصنف رحمه الله: باب من لم يرى عليه إذا اعتكف صوما. قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، عن أخيه، عن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك». فاعتكف ليلة. هذا أيضًا تقدم ذكر هذا الحديث ومسائله، وهذه المسألة التي لأجلها عقد المصنف رحمه الله ترجمة: من لم يرى عليه اعتكاف صوما. تقدم أن الراجح أنه لا يشترط في صحة الاعتكاف أن يكون المعتكف صائمًا، بل الأفضل في الاعتكاف أن يفعل المعتكف فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، هذا الذي فعله عليه الصلاة والسلام، وسيكون صائمًا باعتكافه في العشر الأواخر. أما أن الصوم شرط في صحة الاعتكاف، فهذا لا دليل عليه، فالله يقول: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾، فالاعتكاف عبادة مستقلة من العبادات والقربات التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى. ثم قال المصنف رحمه الله: باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم. قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع بن عمر، أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، قال: نذرت ليلة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك». هذا فيه صحة اعتكاف الرجل في حال كفره، وفيه صحة نذر النذر بالاعتكاف ولو في حال الكفر، وأنه بعد إسلامه يلزمه الوفاء. فيه صحة نذر الكافر إذا نذر نذرًا مشروعًا في الإسلام، لكن يجب عليه أن يفي به بعد إسلامه، يجب عليه أن يفي به بعد إسلامه، إذا نذر نذرًا مشروعًا فإنه يصح وينعقد، وعليه أن يفي به بعد إسلامه. وهذا الذي حصل من عمر رضي الله عنه، نذر في الجاهلية يعني قبل إسلامه، نذر في الجاهلية، قيل لما قبل الإسلام بأنها جاهلية لكثرة الجهالات والضلالات التي فيها، نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فلما أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بندره السابق، قال له: «أوفِ بنذره». فهذا فيه صحة نذر الكافر إذا كان النذر في أصله مشروعًا، لا ينذر بشيء غير مشروع في ديننا، فيلزمه الوفاء به إذا أسلم. هذا هو الراجح من قوله للعلم، وهو قول قلة، وإلا أكثر العلماء على عدم صحة نذر الكافر، لأنه ممن لا تتأتى منه الطاعات والقربات، لقوله عز وجل: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾. لكن هذا الحديث حجة لقول من صحح نذر الكافر على الوجه المتقدم. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان. قال: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا. وهذا إذن تقدمت مسائله فيما نص حديث أبي سعيد، ثم مر بنا مرارًا. وفيه الاعتكاف في العشر الأوسط، يعني أن الاعتكاف ليس مقصورًا على العشر الأواخر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأوسط وندبهم إلى اعتكاف العشر الأواخر. وأما هذا الحديث، قال: فكان هذا حديث أبي هريرة. نعم، هذا ليس حديث أبي سعيد، هذا أول مرة يمر في هذا الفصل، باب الاعتكاف. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا. هذا غير حديث أبي سعيد الذي مر بنا مرارًا، هذا حديث آخر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة له اعتكف عشرين يومًا. اعتكف عشرين يومًا، لماذا اعتكف عشرين يومًا؟ هل لأجل أن يرشد أصحابه إلى ازدياد أو إلى زيادة الجد والاجتهاد في طاعة الله في آخر العمر؟ فإنه عليه صلى الله عليه وسلم قد أخبر بنزول الآية: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾، دنا أجله، فهل أراد أن يعلمهم أن الإنسان في آخر عمره يجد ويجتهد ويضاعف العمل؟ أو أنه لأجل أنه كان يعرض القرآن على جبريل عليه الصلاة والسلام في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عُرض عليه مرتين، فأراد لهذا أن يعتكف اعتكافًا مضاعفًا؟ وقيل غير ذلك. فعلى كل، فيما ترجم له المصنف رحمه الله بالاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان، ويدل عليه حديث أبي سعيد المتقدم في الأبواب الأولى. بقي باب ونختم إن شاء الله في باب الاعتكاف. قال المصنف رحمه الله: باب من أراد أن يعتكف ثم بدأ له أن يخرج. قال: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن سعيد، قال: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسألت عائشة فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فأبصر الأبنية، فقال: «ما هذا؟» قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال. هذا فيه أنه لا بأس لمن أراد أن يعتكف بالنية ثم قبل دخول الاعتكاف أن يخرج، بل فيه ما هو أوسع من هذا، وهو أن من دخل معتكفًا ثم حصلت له حاجة وبدأ له أمر فأراد أن يخرج من اعتكافه، لا شيء عليه، لا شيء عليه. ليس الدخول في الاعتكاف يعني يوجب المواصلة فيه أو يوجب القضاء، يعني كما تقدم في أول مسائل الاعتكاف أن الإمام مالك رحمه الله قال: يلزم بالشروع فيه، وبعض العلماء قال: يلزم الاعتكاف بالشروع فيه، وهذا لا دليل له، بل الاعتكاف كسائر الطاعات والنوافل والمستحبات، يعني كسائر المستحبات التي لا تلزم بالشروع فيها. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد دخوله، ومنهم من قال: لم يدخل أصلًا، إنما أراد أن يعتكف فرأى الأبنية فعدل عن هذه النية. الباب الأخير في كتاب الاعتكاف. قال المصنف رحمه الله: باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل. قال