الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 34، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن هذا المحور أن فضيلة قيام الليل تتحقق بالقليل والكثير من القراءة، مع كراهة استيعاب الليل كله دواماً إلا لحاجة، ويستدل بأحاديث في فضل القانتين والمقنطرين. كما يؤكد وجوب تعهد القرآن وحفظه لئلا يتفلت، مشبهاً صاحبه بصاحب الإبل المعقلة التي إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت.
يوضح المقطع أن القرآن سهل الحفظ لكنه سريع النسيان إن لم يتعاهده صاحبه بالمراجعة والدوام على التلاوة، ويشبهه بالإبل المعقلة التي تفر إن أطلقت. ويستعرض أحاديث صحيحة تحث على التعاهد والتلاوة، ويناقش أحاديث ضعيفة توعّد من نسي القرآن بعقوبات شديدة، مبيناً عدم صحتها لأن حفظ القرآن مندوب لا واجب، ونسيانه لعذر شرعي أو انشغال بمصالح المسلمين لا إثم فيه.
يبيّن المقطع أن نسيان آيات القرآن من طبيعة البشر ولا إثم فيه إذا كان لعذر كاشتغال بالجهاد أو النسيان غير المتعمد، مستدلاً بنسيان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابيٍ كخالد بن الوليد. ويحذر من التفريط المتعمد وإهمال المراجعة تكاسلاً، مبيناً أن الأحاديث الواردة في وعيد الناسي ضعيفة، وأن المحافظة على التلاوة والحفظ عبادة عظيمة وأجرها كبير، ويختتم المتحدث الفصل بدعاء بالتوفيق للجميع والحمد لله معلناً انتهاء هذا المقطع الدراسي.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى، وعلى آله وصحبه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. ما بعد: قال رحمه الله: «واعلم أن فضيلة القيام بالليل والقراءة فيه تحصل بالقليل والكثير، وكلما كثر كان أفضل، إلا أن يستوعب الليل فإنه يكره الدوام عليه، إلا أن يضر بنفسه». ومما يدل على حصوله بالقليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين». رواه أبو داود وغيره، وسنده ضعيف، لكن الشيخ الألباني يقويه بشواهده. وقالوا: حكى الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من صلى بالليل ركعتين فقد بات لله ساجدا أو قائما»، الله أعلم بحاله. تقدم ما ذكره المصنف رحمه الله من ضرورة الاعتناء بكتاب الله سبحانه وتعالى، ومما يعين على تثبيت القرآن الصلاة به، ومن أعظم الصلاة التي يثبت بها القرآن صلاة الليل، وتقدمت الأدلة في فضل صلاة الليل. ثم قال هنا: تحصل الفضيلة بقراءة ما تيسر من قليل أو كثير. نعم، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وكلما كثر كان أفضل، كلما زاد زاد من الأجر، لأن تلاوة القرآن والتقرب لله سبحانه وتعالى بالصلاة والقيام شيء محبوب إلى الله سبحانه وتعالى، فكلما زاد من هذا الأمر المحبوب إلى الله عز وجل كان أفضل والأجر أكثر. قال: «إلا أن يستوعب الليل فإنه يكره»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «قم ونم، قم ونم»، فيكره السهر في قيام الليل إلا في بعض الليالي إذا كان لحاجة أو بعث، أما أن يجعل ذلك ديدنا له ومداوم عليه فهنا يأتي النهي. قالوا: «إلا أن يضر بنفسه»، يعني لو لم يقم الليل كله أكثر من تلاوة القرآن في صلاته لكن بشيء يضر به، فهذا مما لا ينبغي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فإن لجسدك عليك حقا»، وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. إذا كان يستديم على فعل يضر به فهذا مما لا ينبغي، وهذا مما لا ينبغي، والناس يتفاوتون في مقدار النشاط والقوة والصحة. قال: ثم ذكر الحديثين. قال رحمه الله: فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان. قال: ثبت عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». رواه البخاري ومسلم. وقالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». رواه البخاري ومسلم. نعم، تقدم في أوائل الدروس ما يتعلق بكون حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى أمرا محبوبا إلى الله سبحانه وتعالى، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث على حفظ كتاب الله، وقال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة»، وقال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فلهذا ينبغي المحافظة على هذا الشيء المحبوب إلى الله سبحانه وتعالى، حفظ كتاب الله محبوب إلى الله عز وجل، فأنت معمور بالمحافظة على هذا الشيء الذي حث الشرع على الإقبال عليه والاعتناء به والاستكثار منه، وهو حفظ ما تيسر من كتاب الله تبارك وتعالى. لكن وصف هذا القرآن بالنسبة للحفاظ أنه إذا أهمل أو ترك فإنه سريع النسيان، سريع الإنفلات، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن في سرعة تفلته على الحفاظ بالإبل المعقلة، إذا أطلقت الإبل مشهورة بسرعة النفور، فإذا كانت مقيدة وأطلقت فإنها تفر وتهرب، ولعله ولصاحبها لا يستطيع أن يدركها، في بعض الأحيان تكون مقيدة فترة طويلة، فإذا أهمل متابعتها وتفقد يعني عقالها فإنها إذا فتح لها ممكن لطباعها أن تتفلت وتشرد شرودا لا يستطيع صاحبها أن يدركها ولا أن يتحصل عليها. وهكذا بالنسبة لكتاب الله سبحانه وتعالى في سرعة التفلت لمن حفظ ولم يتعهد ولم يعتني ولم يكرر القراءة ولم يكن له ورد ولم يكن له السمار في تلاوة كتاب الله ومراجعة هذا المحفوظ، فالقرآن سهل حفظه وسريع النسيان، وهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، من حيث سهولة تعلمه وسهولة حفظه هذا أمر ملاحظ ومشاهد، لكن أيضا فيه خاصية وسائر المحفوظات أنه سريع التفلت لمن لم يتعاهد هذا القرآن، فيحتاج المسلم والحافظ أن يدمن التلاوة وأن يحرص على العمل، هذا مما يعين على المحافظة على القرآن: إدمان التلاوة والحرص على العمل. فذكر هذه الأدلة، ومنها أيضا حديث عقبة بن عامر مرفوعا: «تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسه بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في العقل». هذا رواه ابن أبي شيبة وأحمد وهو صحيح. وأيضا حديث ابن مسعود مرفوعا: «استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم»، وهو في البخاري ومسلم. ثم ذكر حديث أنس، قالوا: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرى ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». رواه أبو داود والترمذي، وتكلم فيه، هذا لا يصح، هذا حديث منكر لا يصح. وقالوا: عن سعد بن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم». رواه أبو داود والدارمي، أيضا هذا لا يصح، منكر. أول مررنا على تعليق للإمام النووي، يعني من فوائد في تفسير الكلمات، قال: قوله: «القذاة»: العود وكسرة الخزف ونحوهما مما يكنس المسجد منه. هذان الحديثان فيهما الوعيد على نسيان القرآن بعد حفظه، وهما لا يصحان عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ففيهما التهديد والوعيد الأكيد، التهديد الشديد والوعيد الأكيد، ففي الأول: «فلم أرى ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها»، وفي الثاني: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم». فظهر من الحديثين أن نسيان القرآن بعد حفظه يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب. وكما تقدم هذان الحديثان لا يصحان عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لماذا؟ لأن حفظ القرآن أصلا ليس بواجب، حفظ القرآن كاملا أو الكثير منه أو النصف هذا ليس بواجب، بل هو مندوب إليه مرغب فيه محثوث عليه، أمر محبوب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يكون حفظه مندوبا ونسيانه كبيرة من الكبائر. والأمر الثاني: أن من شغل عن القرآن حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى أو حفظ ما تيسر منه ثم نسيه، هو على حالتين: إما أن ينساه لشغل يعرض له من قيام بأمر بالمعروف ونهي عن منكر، أو قيام بالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، أو أنه شغل بمهمة من مهمات يحتاج لها المسلمون، أو أنه شغل بطلب المعاش وحاول واجتهد في أن يحافظ على محفوظه لكن حصلت له أمور لم يستطع معها أن يحافظ على هذا القرآن كما كان يحافظ عليه قبل انشغاله، فيرجى له السلامة من الإثم والذنب، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي سهل له القرآن وجمع له في صدره: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ومع ذلك كان ينسى عليه الصلاة والسلام، سمع مرة رجلا يقرأ آية من كتاب الله فقال: «رحم الله فلانا، لقد أذكرني آية كنت قد أنسيتها من كتاب الله». والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. إذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ينسى بعض الآيات، فكيف بآحادي الأمة؟ النسيان من طبيعة البشر: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وخالد بن الوليد الصحابي رضي الله تعالى عنه يقول: «لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من تلاوة القرآن». أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن وسنده صحيح: «لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من تلاوة القرآن». فقد يشغل الإنسان بأمر من الأمور وهو حريص وهو مقبل وهو محب وهو راغب في كتاب الله على المحافظة على محفوظه، فتحصل له أمور، يرجى له السلامة من الإثم والذنب. لكن الإنسان آتاه الله نعمة وهو أنه يحفظ كتابه سبحانه وتعالى، ثم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، عنده القدرة على القراءة وعلى المراجعة ثم يفلت ويهمل، يعني تكاسلا وتهاونا وتقديما للدنيا على الآخرة، ما يجد نشاطا ولا رغبة ولا همة، فهذا يخشى عليه، هذا يخشى عليه، وليس عندنا دليل يصل به إلى حد الإثم إلا إذا فلت في العمل به وتعدى حدوده إلى غير ذلك، فهنا يكون الإثم، أما إذا قصر فيقال: هذا شيء لا ينبغي، هذا شيء لا يليق. وآيات التي فيها كذلك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، فالمقصود بالنسيان في هذه الآية نسيان العمل بمعنى ترك العمل بالقرآن، ليس نسيان الحفظ. فهذان الحديثان لا يصحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كما ذكر بعض أهل العلم أن بعض الناس قد يترك حفظ ما تيسر من كتاب الله خوفا من هذا الوعيد، يقول: «أنا لو حفظت شيئا ثم نسيته أنا أكون قد ارتكبت كبيرة من الكبائر، إذن أترك الحفظ بالكلية حتى أتفرغ تفرغا تاما»، وقد تأتيه الوفاة قبل أن يحفظ ما تيسر من كتاب الله فيحرم نفسه الفضيلة والثواب والأجر خوفا من الوقوع في هذا الإثم. فمعرفة ضعف هذا الحديث هذا أمر حسن يعين المسلم على الإقبال على كتاب الله، ويستعين بالله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه في فضيلة هذا الذي يرغب، يعلم الإنسان أنه في عبادة من العبادات، حفظ لكتاب الله منزلة عالية، والسمار في القراءة والمحافظة تعتبر من العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا أكبر حافز للحفاظ في أن يحافظ على كتاب الله سبحانه وتعالى، أن لا يتفلت منهم، أنهم يعلموا أنهم في أثناء قراءتهم ومذاكرتهم أنهم في عمل صالح، لا تظن أن غيرك يصلي وأنت تقرأ أنه سبقك بمراحل، لا، هو في عبادة وأنت في عبادة، هذا يكتسب لأسرته وأنت كفاك الله المؤنة، تقرأ وتدرس وتتعلم، أنت في عبادة، وهو أيضا مأجور إذا يعني احتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى في اكتسابه لأسرته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، ويقول: «وإذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة»، ويقول في الحديث الآخر: «حتى ما تجعل في في امرأتك أنت تؤجر بالاحتساب». فهكذا هذا أعظم مشجع للحفاظ في مداومة القراءة والاهتمام بالقرآن التي تفلت، أنهم في عمل صالح محبوب إلى الله سبحانه وتعالى يؤجرون عليه. فهذا ما يتعلق بهذا الفصل، وفق الله الجميع، إلى هنا والحمد لله، شكرا.