الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 37، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض الدرس مشروعية السواك لتلاوة القرآن وكونه مطهراً للفم ومرضاة للرب، مع تفصيل كيفيته من الثنايا إلى الأضراس وتنظيف اللسان، ويناقش الأفضلية بين اليد اليمنى واليسرى ويرجح سعة الأمر، ويختم بجواز استعمال سواك الغير بإذنه.
يبيّن المقطع أن قراءة القرآن والفم نجس بدم أو نحوه مكروه ولا يحرم عند الشافعية، موضحاً أن غالب الدماء طاهرة إلا دم الحيض والنفاس والميتة، ويؤكد جواز قراءة المحدث حدثاً أصغر بإجماع واستحباب الطهارة للتلاوة.
يناقش المقطع جواز ذكر الله وقراءة القرآن للجنب والحائض دون مس المصحف، مستدلاً بأصل الإباحة وعدم ثبوت دليل قاطع على المنع، مع تفصيل أحكام التيمم عند عدم الماء والفرق بين الحدث الأصغر والأكبر.
يختتم المتحدث الكلام مشيراً إلى بلوغ القدر الكافي من البيان، مختتماً بالحمد لله والتسليم لعلمه سبحانه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي ما يتعلق بما ذكر المصنف رحمه الله من آداب السواك. أخذنا مشروعية التسوك لقراءة القرآن، وقراءة القرآن كما تقدم عبادة من العبادات، فينبغي أن يكون الإنسان على نظافة وطهارة؛ هذا أولى في ذكره لله عز وجل. فما سيأتي: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصلى الله عليه وسلم يقول: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». فيشرع السواك عند تلاوة القرآن إذا احتاج، ليس هكذا مطلقًا؛ إذا احتاج يعني إذا هناك تغير للفم بنوم، أو بحديث كثير، أو بصمت طويل، فيشرع أن يتنظف لأنه سيذكر الله تبارك وتعالى. ثم ذكر أن السواك يكون بعود الأراك، يكون بسائر العيدان، كل شيء خشن إلى آخره. ثم قال أيضًا: ذكر ما يتعلق قالوا: يستاك عرضًا مبتدئًا يعني بالأيمن، يعني كيف عرضًا؟ من الثنايا إلى الأضراس، من الثنايا إلى الأضراس، والطول هكذا يعني، وعرض بالنسبة للأسنان. لكن كما تقدم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك أنه أولى أو عرضًا، فكيف ما تيسر، كيف ما تيسر. أما بالنسبة للسان فأكثرهم على أن السواك في اللسان يكون طولًا إلى أعلى، لا يكون هكذا عرضًا. لكن استدلوا بروايات لم تصح، الحديث: «بموسى وطرف السواك على لسانه وهو يسوك طولًا»، هذا لم يصح. وأيضًا من المعاني التي ذكروها: الحديث حريفة، «وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك». ذكروا له معاني، منها أنه يسوك من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى. فمن يسوك من أسفل إلى أعلى فبعض أهل اللغة يفسر يشوص بعدة تباشير، منها أنه يسوك من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى. واختلف هنا: فائدة، هل الأفضل في التسوك أن يكون باليد اليمنى، أو أن يكون باليد اليسرى؟ الجمهور على مشروعية التسوك باليد اليمنى، وسدوا بعموم حديث عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، في شأنه كله». بل هناك رواية: «وفي سواكه»، لكن شذ بها مسلم بن إبراهيم الفراهيدي من جملة أصحاب شعبة. وقالوا: التسوك عبادة وتنظيف، فيشرع أن يكون باليمين. ومنهم من قال: الأفضل أن يكون التسوك باليد اليسرى، وهو قول هو القول المصحح عند الحنابلة، واستدلوا بأن السواك من باب إزالة القاذورات ووقوع السنج. ومنهم من فصل، قال: إذا كان التسوك مع التغير فيكون باليد اليسرى، وإذا لم يكن هناك تغير في رائحة الفم فباليد اليمنى، وهذا قول المالكية أو جماعة من المالكية. والراجح أن الأمر واسع، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة خاصة في ذلك، فمن استاك باليد اليمنى، ومن استاك باليد اليسرى فالأمر في هذا واسع. ثم أخذنا: نعم، قالوا: لا بأس بآخره، ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، لحديث عائشة في نخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأيضًا لإذن ابن عمر. قلت: مرفوعًا؟ لا، هو حديث ابن عمر: «أراني أتسوك بسواك فجاءني رجلان...» إلى آخره، آثر موقوف على ابن عمر. ما قال رحمه الله: وأما إذا كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله. وهل يحرم؟ قال ذوو عناية من أصحاب الشافعي: عن وجهين، يحتمل وجهين، والأصح لا يحرم. وهذا يعني: إذا كان دمه، أو إذا كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله. أولا: الدم الذي يكون بين الأسنان هذا ليس بنجس، الدم المسفوح من الإنسان هذا ليس بنجس على الراجح من أقوال أهل العلم. كأن قوله سبحانه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ بشأن المحرمات، وليس في باب النجاسات، ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، فلا دليل. كان بعضهم نقل الإجماع على نجاسة الدماء، لكن الواقع أن هناك خلافًا. هو الأصل في الدماء الطهارة، الأصل في جميع الدماء الطهارة، إلا دم الحيض أو النفاس، أو الدم الذي يكون من الميتات، من الميتات التي لها دم. وأما سائر الدماء فالأصل فيها الطهارة. لكن نعم، الدم الذي يخرج من أحد السبيلين يكون نجسًا. لكن لو كان فيه مثلا شيء من النجاسات المعروفة والمقرة بالأدلة فنعم، هو مطالب بإزالة النجاسة والرجز، أهجر، فينبغي أن يبادر إذا كان معذورًا يعني مكرهًا مجهدًا. قال الروياني من أصحاب الشافعي: يحتمل وجهين، وإذا صح لا يحرم. قال رحمه الله: فصل، ويستحب أن يقرأ القرآن وهو على طهارة. فإن قرأ محدثًا جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث فيه كثيرة معروفة. أما استحباب الطهارة لتلاوة القرآن، فلحديث المهاجر بن قنفذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». وأيضًا حديث ابن عباس: «إنما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه فتلا الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾». فالنوم ناقض للوضوء. وأيضًا مما يستدل به: حديث رجل من الصحابة، عكرمة بن عمار، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثال شيء من القرآن قبل أن يمسأ» رواه أحمد وسنده صحيح. وأيضًا حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «قد حاضت في الحج، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». وأيضًا نستدل بحديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فقرب إليه طعام، فقال: «ألا نأتيك بوضوء؟» فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». في صححه بعض أهل العلم، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان. نعم، فقال: فإن قرأ محدثًا جاز بإجماع، جاز هذا هو جائز بدون كراهة، أن يقرأ القرآن وهو على حدث أصغر، وجاز بهذه الأدلة. لكن هذا هو جائز مع الكراهة، أو جائز بدون كراهة؟ كما تقدم أنه جائز بدون كراهة، لكنه خلاف الأولى. يكون قد ترى الأولى، ما هو الدليل عندنا؟ حديث المهاجر بن قنفذ: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهار». «إني كرهت»، كيف نقول إن ذكر الله مع الحدث خلاف الأولى، وما يقال إنه مكروه؟ ما هو الصارف لحديث المهاجر بن قنفذ؟ الجواب: الصارف حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعار من الليل» يعني من النوم، «مهمومًا أو وجعًا أو فزعًا، من تعار من الليل، من تقلب على الفراش، ثم حصل من تعار من الليل، فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم دعا، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، إلا استجيب له، فإن قام فتوضأ، فصلى، قبلت صلاته». فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم يمدح هذا الذي يقوم من الليل فيذكر الله، فلا يقال إن ذكر الله مع الحدث مكروه، لكن خلاف الأولى، لا يصل لحد الكراهة. ثم إلى الأدلة الأخرى، إضافة إلى حد لحد. قال رحمه الله: قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: «ولا يقان ارتكب مكروهًا، بل هو تارك للأفضل، لمن يقدم». يقال: تارك للأفضل، أو خلاف الأولى. قال: فإن لم يجد الماء تيمم. إذا لم يجد الماء تيمم. في هذا الشرط ليس يعني يريد أن يقرأ القرآن وهو على غير طهارة، يذهب يضرب يديه على الفرش والحمام والماء بجانبه، لا. بهذا الشرط: فإن لم يجد ماء تيمم. والدليل: تعالى أن مثل هذه الطاعات، يعني إذا عدم الماء ممكن أن يرجع إلى تيمم. حديث أبي ذر الغفاري، جندب بن جنادة، أو حديث عمار بن ياسر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جمال، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الجدار، فمسح بوجهه، ضرب الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم، المتفق عليه، النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام، وكان على غير طهارة، حتى تيمم لأجل رد السلام. فالتيمم لتلاوة القرآن عند عدم الماء له نفس الحكم. قال: والمسحاة في الزمن المحكوم بأنه طهر، حكم، وحكم المحدث. قال: راجح أن المسحاة طاهرة، يعني أنها دم السحابة طاهر، دم السحابة طاهر، فدم السحابة طاهر، فهي ليست على جنابة، ولا تأخذ حكم الحائض، فلا أن تقرأ القرآن كما تقدم. قالوا: أما الجنب والحائض، فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها. بالنسبة للجنب والحائض، فالجمهور من أهل العلم على منع الجنب والحائض من قراءة القرآن، للحديثين: حديث علي: «لم يكن صلى الله عليه وسلم يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة»، فهو حديث ضعيف، رواه داود وأحمد، وهو ضعيف. وأيضًا حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وهو أيضًا ضعيف. لكن صح عن عمر وعلي أنهما منعا الجنب من قراءة القرآن. هذا القول الأول. القول الثاني: أنه جائز، جائز للجنب والحائض أن يقرأ القرآن. والجواز بالنسبة للحائض يعني مقدم وأولى، لأن الحائض أمر ليس بيدها، ثم يطول الوقت. وهذا القول الثاني هو الراجح، إبقاء على الأصل، فالأصل الجواز لعدم ثبوت المانع، عدم ثبوت المانع. فالجنب والحائض لهما أن يقرأ القرآن. لازالت المسألة في تلاوة القرآن بدون مس، لأن سيأتي ما يتعلق بمس المحدث حدثًا أصغر أو أكبر للمصحف، هذه ثاني المسألتين. في مجرد ذكر الله باللسان، أو قراءة القرآن للحائض والجنب باللسان، بدون مس للمصحف، فالقول الراجح بالنسبة للحائض والجنب أنه جائز أن يقرأ القرآن، لعدم ما يفيد المنع، ثبوت ما يفيد المنع. فقال: على الأصل في حديث عائشة في الحج: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». والحاج يذكر الله ويقرأ القرآن، لكن منعها من الطواف والصلاة، يعني هي ممنوعة، هي مأمورة بفعل ما يفعل الحاج، إلا ما دل الدليل على المنع. فما هو الدليل على منع تلاوتها للقرآن، أو ما هو الدليل على منع الجنب من تلاوة القرآن؟ لا دليل. وهكذا عموم حديث عائشة: «كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». ونتقدم يعني وجه الدلالة، نكتب بهذا القدر. الله أعلم، والحمد لله.