الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 80، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
بعد استشهاد حفاظ القرآن في وقعة اليمامة، أشار عمر على أبي بكر بجمع ما تفرق من الصحف والرقاع والأكتاف والعسب، فوكّل زيد بن ثابت بجمع الآيات وترتيبها في سور ضمن مصحف واحد، مع بقاء ترتيب السور غير محدد في هذا العهد، ويُعد هذا من أعظم مناقب الصديق إلى جانب قتال أهل الردة.
لما كثر الاختلاف في القراءة بين الأمصار البعيدة، أمر عثمان بن عفان بجمع الصحف من حفصة، ورتب السور من الفاتحة إلى الناس، وألزم الكتابة بلسان قريش، ثم بعث نسخاً موحدة إلى الأمصار الرئيسية بإجماع الصحابة، رداً على شبهات الطاعنين وتأكيداً لحفظ الله لكتابه.
بيّن المقطع أن كلمة «مصحف» وردت في كلام العرب بثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، وأن الضم والكسر هما المشهورتان في الاستعمال، بينما نقل الفتح أبو جعفر النحاس وغيره من أئمة اللغة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فلا زلنا في هذا الدرس المتعلق بجمع القرآن. وكما تقدم أن القرآن الكريم كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع مفرقًا، وأنهم أجمعوا على أن ترتيبه لم يكن على وفق النزول. هذا محل إجماع بين أهل العلم. ما معنى هذا؟ أن ترتيب القرآن على ما هو عليه الآن لم يكن على حسب النزول، بمعنى أن النزول آية آية، لم يرتب القرآن على الآيات الأولى التي نزلت. يعني: كون هذه الآية أول ما نزلت جعلت في أول المصحف، وكون هذه الآية الثانية ما نزل جعلت بعد الآية الأولى، لا. هذا محل إجماع: أن ترتيب الآيات لم يكن على وفق النزول في الأولية، بل كانت الآيات تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «ضعوها في السورة الفلانية»، و«ضعوها في السورة الفلانية»، إلى أن تكامل نزول القرآن. فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكمل الله عز وجل نزول القرآن. قد كان القرآن قبل وفاته صلى الله عليه وسلم كاملًا موجودًا، لكن لم يكن مجموعًا في موضع واحد. فإن الأمة العربية أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ المكتوب، وهكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أميًا، فكانوا يعتمدون على الحفظ. تنزل الآيات فيحفظونها من في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويتدارسون فيما بينهم هذه الآيات. فمنهم من أكمل حفظ القرآن بذلك، ومنهم من أكمل حفظ أكثره، ومنهم من حفظ الشيء منه. فكان القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته موجودًا كاملًا، لكن لم يكن مجموعًا في موضع واحد. وهذا كان مكتوبًا؟ الجواب: نعم، كان مكتوبًا، لكن هذه الأوراق كانت مفرقة. الأوراق التي كتب فيها القرآن كانت مفرقة، لم تكن موجودة في موضع واحد. فما الذي حصل في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ حصل في وقعة اليمامة أن كثيرًا من القراء الذين لهم العناية بالكتاب العزيز، فأن كثيرًا منهم من أكمل حفظه، وكثير منهم من عنده الكثير منه، قُتل عدد كبير في وقعة اليمامة، وهي التي كانت مع مسيلمة الكذاب، فقتله الله عز وجل، وقتل في إثر ذلك الكثير من القراء، أي من علماء الصحابة. فأشار عمر بن الخطاب برأيه السديد ورأيه الصائب على أمير المؤمنين أبي بكر الصديق، على خليفة رسول الله، أن يقوم بجمع ما تفرق من هذه الصحف والأوراق والعسب واللخاف وغير ذلك. أشار عليه بأن يجمع هذا المفرق. فما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في أول الأمر إلا أن تردد: كيف أصنع شيئًا لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم يزل به عمر حتى شرح الله عز وجل صدر أبي بكر لهذا الفعل، وهو أنه جمع ما كتب على العسب -وهو جريد النخل- وعلى اللخاف -وهي الحجارة الرقيقة- وأيضًا على الرقاع -وهي الجلود-. أمر زيد بن ثابت بجمعها، وعد ذلك من أعظم مناقب الصديق رضي الله عنه. فمناقبه كثيرة، وكانت من أعظم مناقب الصديق قتاله لأهل الردة، أن جهز الجيوش وطارد أهل الردة حتى لفضل الله سبحانه وتعالى عاد الكثير منهم إلى دين الله، وقتل منهم من قتل مرتدًا عن دينه. فكانت من أعظم مناقب الصديق رضي الله عنه أن قاتل أهل الردة، وأيضًا من أعظم مناقبه أن جمع القرآن. وكان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أول من جمع القرآن بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وكان فعل أبي بكر أنه جمع ما كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه كان مفرقًا. يعني مثلًا: هذه الرقعة فيها آية من سورة الأنعام، وهذا الجلد فيه ثلاث آيات، وهذه القطعة من الحجارة فيها كذا، وهذا الكتف فيه خمس آيات. فجمع ما تفرق، جمع ما تفرق في أوراق. يعني هو مفرق، فأمر بنسق هذه الآيات المفرقة في الأكتاف، وفي اللخاف، وفي العسب، وفي الرقاع. الأكتاف: جمع كتف، كتف الحيوان يكون عريضًا يستطاع الكتابة عليه. واللخاف: يعني اللخفة، الحجرة الرقيقة العريضة مثل الخبزة مثلًا، رقيقة يستطاع الكتابة عليها. والرقاع: يعني الجلود. والعسب: يعني جريد النخل. فأمر أبو بكر رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يجمع هذا المتفرق، وأن ينسق في أوراق. فما الذي فعل أبو بكر؟ رتب الآيات. كانت الآيات مفرقة، هي كلها مكتوبة لكنها مفرقة، فأمر زيد بن ثابت أن يجمع الآيات مرتبة. يعني: سورة التوبة كانت مفرقة آياتها في هذه الأدوات المتقدمة ذكرها، فنسخت من هذه الأشياء فجمعت في موضع واحد، سورة التوبة من أولها إلى آخرها، وسورة الزمر من أولها إلى آخرها، الآية بعد الآية. هكذا لقيت الأوراق في زمن أبي بكر الصديق، كان محتفظًا بها عنده. هل رتبت السور؟ الجواب: لا، إنما رتبت الآيات، أما السور فلم ترتب. فكان المقصود من جمع أبي بكر هو الحفاظ على القرآن ألا يذهب بذهاب حملته. ما هو المقصود بجمع القرآن في زمن أبي بكر؟ هو الحفاظ على القرآن خشية أن يذهب بذهاب حملته. ثم لما كان في زمن عثمان، واتسعت الفتوحات، وكانت القبائل تقرأ القرآن بلغاتها. والقرآن كما هو معلوم نزل على سبعة أحرف، يعني على سبعة لهجات من لهجات القبائل، تيسيرًا لهم على قراءة. مثلا: لهجة أهل اليمن، لهجة أهل نجد، لهجة أهل مكة، لهجة مثلا أهل المدينة. كانت للقبائل لهجات، فنزل القرآن على سبعة أحرف، وكان الناس يقرؤون القرآن بحسب الأحرف التي نزل بها القرآن. ومع البعد من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم في الثغور وهم في الأمصار البعيدة من المدينة النبوية، هذا يقرأ والآخر يقول له: لا، هذه الآية لا تقرأ هكذا. لا تقرأ بالتاء «تكتبون» مثلا، تقرأ «يكتبون». لا تقرأ بالضم، إنما تقرأ هذه الكلمة بالفتح. وهكذا بدأ التنازع. فخشي حذيفة رضي الله عنه أن يستفحل هذا التنازع وهذا الخلاف، فيختلفون في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما اختلف أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، فتعددت نسخ التوراة ونسخ الإنجيل. فأشار على عثمان بأن يجمع القرآن. فأمر عثمان الكاتب الأول الذي تولى جمع ما تفرق من القرآن، وهو زيد بن ثابت، أحد كتاب الوحي، أمره أن يجمع. يعني: طلب الصحف. كانت الصحف عند أبي بكر، فلما مات كانت عند عمر، فلما مات كانت عند حفصة. أرسل -كما في الصحيح من حديث أنس-: أرسل عثمان بن عفان إلى زيد بن ثابت، أرسل إلى حفصة: «أن نبعث إلينا بهذه الصحف ننسقها ثم نردها إليك». فأرسلت الصحف. ما هو الفرق بين الصحف والمصحف؟ الصحف: عبارة عن الأوراق التي كتبت فيها الآيات ولم تكن مرتبة، يعني كانت السورة مجموعة في أوراق. مثلا: سورة المائدة مجموعة في عشرين ورقة وهي مرتبة الآيات، لكن لم تكن يعني الأوراق مرتبة: سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم النساء إلى آخرين. إنما هنا مجموعة من الأوراق تشتمل على آيات سورة الأنعام، وهنا مجموعة من الأوراق تشتمل على آيات سورة الأحقاف. فبعث إليه أن يرسل إلينا بهذه الصحف ننسخها ثم نردها إليك. ففعلوا. فقاموا بنسخ هذه الصحف ورتبوا السور. هذا الشيء الزائد في جمع عثمان: رتبوا السور، ابتداء بالفاتحة وانتهاء بسورة الناس، كما هو موجود في هذه المصاحف التي بين أيدينا. وزاد أمرًا ثانيًا: ما هو؟ أنه كتب هذه الآيات على لغة قريش، بمعنى أنه ترك سائر الأحرف. ترك سائر الأحرف، كتب هذا المصحف على لغة قريش، قال: لأن القرآن نزل بلغتهم. فصار القرآن مجموعًا في كتاب واحد، مرتّبًا الآيات -وكانت مرتبة في زمن أبي بكر- وزاد ترتيب السور، وترك جميع الأحرف الأخرى التي نزل بها القرآن لأن لا يحصل الاختلاف. فشكر الناس صنيع الخليفتين أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان، وكان عمر بن الخطاب أيضًا قد شاركهم في الإشارة على أبي بكر الصديق أن يجمع القرآن. فكان الغرض من جمع القرآن في زمن عثمان: لأن لا يختلف الناس فيه، ليس لأن لا يضيع منه شيء. هو قد جمع في زمن أبي بكر، فهذه الخشية الأولى قد ذهبت لفعل أبي بكر. لكن ما هو الغرض من جمع عثمان؟ لأن لا يختلف الناس في القرآن. فترك سائر الأحرف وأبقى القرآن على حرف واحد، وهو لغة قريش. قال رحمه الله: قالوا: كان فعل هذا باتفاق من علي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضي الله عنهم. يعني فيه رد على الرافضة. الرافضة ليسوا أهل دين، ومع هذا يبحثون عن الثغرات والمطاعن. قالوا: كيف يفعل أبو بكر شيئًا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: أنه فعله لأجل المصلحة، وظهرت المصلحة، وحقق الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه بما صنعه هؤلاء الخلفاء الراشدون. قال: وإنما لم يجمعه النبي صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد لما كان يتوقع من زيادة ونسخ بعض الآيات، ولم يزل ذلك التوقع إلى وفاته صلى الله عليه وسلم. فلما أمن أبو بكر وسائر الصحابة رضي الله عنهم ذلك التوقع، ووجبت المصلحة، جمعوه، رضي الله عنهم. قال: واختلف في عدد المصاحف التي بعث بها أو بعث بها. قال الإمام أبو عمر الداني: أكثر العلماء على أن عثمان كتب أربع نسخ، فبعث إلى البصرة إحداها، وإلى الكوفة أخرى، وإلى الشام أخرى، وأمسك عنده أخرى. هذا هو قول الأكثر من أهل العلم. وقيل: خمسة، وقيل: ستة، وقيل: سبعة. وقال أبو حاتم السجستاني: كتب عثمان سبعة مصاحف، بعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا. في التعليق: أن هذا مرسل. قالوا: في أحاديث كثيرة في الصحيح، لكن الأثر أنها أربعة مصاحف. قالوا: في المصحف ثلاث لغات: ضم الميم وكسرها وفتحها: «مصحف» و«مصحف» و«مصحف». فالضم والكسر مشهورتان: «مصحف» و«مصحف»، والفتح ذكر أبو جعفر النحاس وغيره. طيب، إلى هنا والحمد لله.