المحاضرة بعنوان الحذر من فتنة القتل، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يحذر الشيخ من انتشار فتنة القتل والاقتتال في المجتمعات، مستدلاً بآيات القرآن والأحاديث التي تبين حرمة الدماء وعظم عقوبة من يقتل مؤمناً متعمداً. يدعو المسلمين للتمسك بالسنة والاعتصام بها للنجاة من الفتن الظاهرة والباطنة.
يبيّن المقطع أن قتل النفس التي حرم الله بغير حق من أكبر الكبائر الموجبة للخلود في النار ما لم تتبعه توبة، وقد قرنه الله بالشرك وجعله من السبع الموبقات. كما أن قتل مؤمن متعمداً يستوجب جهنم، ومن قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، وأول من سن القتل يتحمل وزر كل نفس تقتل ظلماً إلى يوم القيامة.
يؤكد المقطع على عظم حرمة دم المؤمن، مستدلاً بأحاديث تحذر من قتل النفس بغير حق وتعتبره من الورطات التي لا مخرج منها، وتوعد القاتل بعدم قبول عمله. كما ينبه إلى خطورة ترويع المسلم أو الإشارة إليه بالسلاح حتى مزاحاً، لأن ذلك قد يؤدي إلى قتل غير مقصود وسخط الملائكة وعذاب النار.
يختتم المتحدث حديثه بدعوة الحضور للانتباه والتنبيه المجتمعي، مختتماً بالدعاء للجميع بالهداية والرضا والحمد والثناء على الله. ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه مع الشكر للمشاهدين على المتابعة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الحذر من فتنة القتل، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، أيها الإخوة في الله: إن لنا موعداً مع الله تبارك وتعالى، والمسلم سيقف بين يدي الله عز وجل فيسأله الله تبارك وتعالى عن القليل والكثير، ويحاسبه عن الفتيل والقطمير، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. وهكذا يقول الله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. نعم عباد الله، إن لنا موعداً مع الله تبارك وتعالى، يسألنا الله عز وجل فيه عن هذا الدين: هل عملنا به؟ وهل تمسكنا به؟ يسألنا عن كتابه، ويسألنا عن سنته، ويسألنا عن نبينا، ويسألنا عن أعمالنا، ويسألنا عن أنفسنا، ويسألنا عن زوجاتنا وأولادنا: هل أقمنا دين الله؟ هل اتبعنا كتاب الله؟ هل تمسكنا بسنة رسول الله؟ هل لقيناه سبحانه وتعالى ونحن معافون من الفتن ما ظهر منها وما بطن؟ أيها الناس، عباد الله: نحن في زمن كثرت فيه الشرور، وعظمت فيه الفتن والمحن والبلايا والمفاسد، والناجي من نجاه الله، والموفق من وفقه الله تبارك وتعالى. خطاطيف وكلاليب وعوائق أمام المسلم وهو يسير إلى الله تبارك وتعالى. كم من أناس كانوا على خير فانتكسوا، وكم من أناس كانوا على صلاح فرجعوا القهقرى. نعم، القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء سبحانه وتعالى، ومن أدعية المؤمنين: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من أن يقول: «اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك»، وفي رواية: «اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا أو ثبت قلوبنا على دينك». نعم عباد الله، فالمطلوب من المسلم أن يحرص على التمسك بهذا الخير، والاعتصام بهذه السنة، والنجاة؛ يحرص على النجاة والسلام من الفتن ما ظهر منها وما بطن. نعم عباد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي هريرة: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من يستشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذاً فليعذ به». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». نعم عباد الله، ما أكثر الفتن! فتنة الدنيا، فتنة المال، فتنة الولد، فتنة الزوجة، فتنة الأهل، فتنة الجيران، فتنة الملك والرئاسة، فتنة المنصب والجاه، فتنة السحرة والكهنة والمشعوذين. فتن عظيمة وكثيرة ملأت وعمت وانتشرت في البوادي، لا تكاد قرية تسلم من هذه الفتن. وكذلك عباد الله: فتنة الدماء، وفتنة الحروب، وفتنة القتل والقتال، هذه أيضاً من الفتن التي داهمت بلاد المسلمين، والتي داهمت مجتمعات المسلمين. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». فقال الصحابة: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. نعم يا عبد الله، عليك أن تحرص على السلامة في الدين، وأن تلقى الله تبارك وتعالى، وأن تسالم من المظالم. نعم عباد الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل في مجمع عظيم في يوم عرفة، وكانت الحشود، وهو يقول: «أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟» فيقولون: الله ورسوله أعلم. قال: «أليس البلد الحرام؟ أليس الشهر الحرام؟ أليس شهر ذي الحجة؟» فيقولون: نعم يا رسول الله. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». نعم، هكذا حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفتن، فالواجب على المسلم أن يحذر مما حذره الله، وأن يحذر مما حذره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة في الله، من هذه الفتن كما سمعتم: هذه الفتن الجارية في مجتمعنا، لا يرضى بها أحد. فتح باب الفتن في باب القتل والقتال والنزاع والمشاكل، ما أكثر ما نسمع عباد الله عن حل مشاكل الناس من طريق البندقية والمدفع والرشاش وغير ذلك، فيذهب ضحايا هذه الفتن من النساء والأطفال والأبرياء. فالله الله عباد الله، الله الله بالحذر في أنفسكم، وتحذير غيركم، وبيان خطورة هذه الفتن، فإن لنا موعداً مع الله. المسألة ليست مسألة شجاعة أو بطولة أو إقدام، لا تكن يا عبد الله من المسرعين إلى نار جهنم. فإن الله تبارك وتعالى قد حذر في كتابه الكريم فقال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. نعم عباد الله، وعيداً شديداً ترجف له القلوب، وتتفطر له الأكباد، وتطيش لأجله العقول: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. توعد الله تبارك وتعالى من قتل النفس التي لا يحل قتلها بأربع أمور عظيمة: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، هذه النار التي فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة وتسعين جزءاً، فمن هذا الذي يطيق البقاء في هذه النار الشديدة الحارة الملتهبة؟ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه، يغضب الله سبحانه وتعالى عليه، كيف تستطيع أن تهدأ وأن تنام وأنت قرير العين وقد غضب الله سبحانه وتعالى عليك؟ ولعنه، أي طرده من رحمته سبحانه وتعالى، وأعد له عذاباً عظيماً. نعم عباد الله، أمور لا بد أن تكون أمامك وأن تستحضرها: هذا مآل من أقدم على قتل النفس المحرمة. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]، ولا تقتل النفس التي حرم الله، سواء كان مسلماً أو كان ذمياً له عهد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهداً في غير كنه لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً». يشمل الصغير والكبير، ويشمل الذكر والأنثى، ويشمل البر والفاجر، ويشمل الحر والعبد. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]. من قتل نفساً ظلماً وعدواناً فهذا يقتل إذا كان مكافئاً ولم يكن والداً، وطلب ذلك أولياء الدم. وهكذا من كان قد زنى وهو ثيب محصن فإنه يقتل. وهكذا من أضر بالعباد أو أضر بالدين والأخلاق، أو حاول الاعتداء وقطع الطريق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». يشمل المرتدين، ويشمل أهل البدع دعاة أهل البدع إذا لم ينكف شرهم إلا بذلك، ويشمل قطاع الطريق الذين يعتدون على الأنفس وينهبون الأموال ويحدثون الرعب في مجتمعات المسلمين. أما ما عدا ذلك فهذا لا يجوز، هذا حرام، لا يجوز. أليس الله تبارك وتعالى قد قرن القتل بالشرك الذي هو أكبر الذنوب؟ فقال سبحانه وتعالى في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70]. انظروا عباد الله كيف قرن الله تبارك وتعالى بين الشرك الذي هو أكبر الكبائر وأقبح القبائح وأنكر المنكرات وأسوأ الذنوب، قرن القتل ظلماً وعدواناً بهذه المعصية. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: ما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس: «أكبر الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور» أو قال: «وقول الزور». وهكذا في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: قيل: الكبائر عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». هكذا يعتبر من أكبر الكبائر، وصاحبه معرّض للوعيد، وصاحبه معرّض للخطر، كما في تلكم الآية الكريمة: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. ومعتقد أهل السنة والجماعة هو إبطال قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدون أهل الكبائر غير المستحلين للمعاصي في النار، لكن أجروا هذه النصوص كسائر نصوص الوعيد فيما جاء في أهل الكبائر، في حرمان دخول الجنة أو في دخول النار، أن هذا يقتضي دخولهم النار ما لم يوجد مانع. فإذا وجد مانع من توبة نصوح، أو من حسنات التوحيد، أو من أعمال صالحة ماحية مكفرة، أو من مصائب عظام كبيرة، أو من إقامة الحدود، فلا يترتب هذا الذي توعد الله سبحانه وتعالى به هؤلاء. وكذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]. آية نقرأها في كتاب الله، ولا يعرف كثير منا أن فيها الترهيب من القتل، من قتل الظلم والعدوان. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، صيغة من صيغ الامتناع، لا يتصور ولا يمكن أن يوجد من مؤمن أن يقتل المؤمن الذي هو مستعد للقاء الله تبارك وتعالى أخاه المؤمن ظلماً وعدواناً. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، من طريق الخطأ يتصور هذا، أما بالظلم والعدوان فهذا لا يتصور من مؤمن كامل الإيمان، لكن هذا يتصور من كافر، كافر يقتل مسلماً، أو فاسق في أسوء درجات الفسق يقتل مسلماً. أما المؤمن الذي شرفه الله بالإيمان فالله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، إلا من طريق الخطأ. وكذلك يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. نعم عباد الله، من تجرأ على قتل النفس الواحدة لأجل ظلم، أو لأجل مال، أو لأجل التكبر والترفع، فهو مستعد لأجل هذه الأغراض أن يقتل الناس جميعاً، لسبب النفس الأمارة بالسوء. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وأما من تورع في قتل من لا يحل قتله فكأنما أحيا الناس جميعاً. أمامه عدوه الذي لا يجوز له أن يقتله، ففوت الفرصة على نفسه وخلاه يمشي في طريقه ولم يقتله خوفاً من الله، فهذا جدير بأن لا يمس النفس المحرمة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. أما إذا قتل فإنه يضر نفسه، ويسن سنة سيئة في المجتمع، في فتح باب القتل والقتال وسفك الدماء في مجتمعات المسلمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: «ليس من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه كان أول من سن القتل». ليس من نفس تقتل ظلماً، أي بغير حق، إلا كان على ابني آدم الأول، إشارة إلى قول الله تبارك وتعالى في تلكم الآيات: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 27-30]. نعم عباد الله، فقتله فأصبح من الخاسرين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأجل ذلك ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول». ليس هو قابيل وهابيل كما هو مشهور في بعض الكتب، فهذا لا أصل له في الشرع، وإنما هو من جهة الإسرائيليات، لم يثبت في الشرع أن ابني آدم أحدهما يقال له قابيل والآخر هابيل، لكنهما ولدان لآدم، وظاهر السياق أنهما من صلب آدم عليه الصلاة والسلام. قال: «ليس من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كفل»، أي نصيب من دمها، لأنه أول من سن القتل، أول من فتح باب القتل ظلماً وعدواناً. فاحذروا عباد الله، واحرصوا على أن تلقوا الله سبحانه وتعالى وأنتم سالمون من هذه المظالم التي أعظمها قتل الحرام. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، لا يزال في سعة، ولا يزال في خير، ولا يزال في مسارع في الطاعات، ولا يزال في انبساط، ولا يزال في طمع في رحمة الله. أما إذا أصاب النفس المحرمة ضيق عليه، ضيق عليه في دنياه وضيق عليه في آخرته. «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي الدرداء: «لن يزال المؤمن معنقاً، لن يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب الدم الحرام بلح». يعني: لا يزال معنقاً، أي مسرعاً من الإعناق وهو المجيء السريع، مسرعاً في طاعة الله، مسرعاً في الخيرات والحسنات، فإذا أصاب الدم الحرام بلح، أي انقطع وأعيى وتأخر في مشيه. هذا يا عباد الله يدلنا على خطورة الأمر، وأن هذه من الورطات، كما قال ابن عمر كما في صحيح البخاري: قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إن من الورطات التي لا مخرج لها أن يصيب الدم الحرام بغير حق». إن من الورطات التي لا مخرج لها أن يصيب الدم الحرام بغير حق. فاحذر يا عبد الله أن تكون كذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل كما في حديث أبي الدرداء أيضاً عند أبي داود: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركاً، ومؤمن قتل مؤمناً بغير حق». كل ذنب عسى الله أن يغفره، ومؤمن قتل مؤمناً بغير حق. وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبادة بن الصامت: «من قتل مؤمناً عَبْطاً، يعني بغير حق، من قتل مؤمناً عَبْطاً بغير حق، لن يقبل الله، أو لم يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً، لم يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً». وعيد وتهديد وترهيب عباد الله. وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا». قتل المؤمن بغير حق أعظم عند الله من زوال الدنيا. وكذلك ابن عمر يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعد على منبر فنادى بصوت رفيع: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف رحله». قال الراوي وهو نافع: فنظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة، إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك». نظر إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والمسلم أشد حرمة عند الله منك». هذا يدلنا عباد الله على خطورة الأمر، وعلى كون هؤلاء الذين يتساهلون في فتن الدماء على خطر عظيم. الواجب نصحهم، والواجب تحذيرهم، والواجب الإشاعة في مجتمعنا في خطورة هذه الأمور، فإن لنا موعداً مع الله سبحانه وتعالى. نعم عباد الله، الواجب علينا جميعاً أن نحرص على أن نلقى الله سبحانه وتعالى ونحن سالمون من هذه الفتن. إذا كان الشرع جاء بالتحذير من ترويع المسلم، لا من قتله فقط، من ترويع. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً». لا يجوز أن تخيف أخاك المسلم ولو بطماشة، فهو غافل ترمي له بطماشة فيفزع ويخاف، فأنت على خطر. «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً». لا يجوز التلاعب بالدماء، لا على سبيل اللعب، ولا على سبيل المزح، ولا على سبيل التخويف. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح». قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من حفر النار». لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار. إيش معنى ينزع؟ أي يريد أن يخيفه بالحديدة، يأتي بالحديدة بجانب رأسه، أو يرمي بالبندقية ويريد أن يرمي في الجدار تحت قدميه، أو في الجو، أو عن اليمين، أو عن الشمال، لأجل التخويف والترويع. قال: «فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزع في يده»، أن يسدد إصابته ويسدد رميته فيقع في بدن هذا الذي أراد أن يخوفه. وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة لا تزال تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة لا تزال تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. هذا في خطورة هؤلاء الذين يتلاعبون بالسلاح، سواء كان السلاح الأبيض، أو هذه البنادق النارية، أو هذه المتفجرات التي تسمى بالطماش، وهي شديدة الصوت والانفجار. رب شخص يصاب بالسل بسبب الفزعة المفاجئة. وهكذا بعض الناس عندهم من هذه الألعاب التي ليست حقيقية، على شكل الثعابين أو غيرها، يرمي على أخيه وهو غافل في رعب، ويظنه ثعباناً فيفزع فزعة قد يصاب بالسل أو قد يهلك بسببه. وقد اتصل علي متصل قال: عندي مشكلة. قلت له: ما هي؟ قال: كنت جالساً في مجلس قات أو في غرفة وأنا أخزن، فبدأ علي صاحبي على صورة رأس أسد أو حيوان مفترس، فشحنت سلاحي، فلما بدأ ثاني مرة، يعني رماه هذا الذي ظهر لي، وإذا به بصديقي وزميلي، قرح رأسه لأنه أراد أن يمزح معه بهذا المزاح الذي لا يجوز، فقتل صديقه الحميم وهو لا يدري، خوفاً وفزعاً. هذه الأمور عباد الله علينا جميعاً أن ننتبه وأن ننبه مجتمعنا، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.