شرح أصول في التفسير للعثيمين 48

شرح أصول في التفسير للعثيمين 48

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 48، الدرس الثامن والأربعون:من:( وهي ثلاثة أنواع ... والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام القصص في القرآن وتفاصيلها

يناقش هذا الفصل أقسام القصص في القرآن الكريم، حيث قسمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية، ويبين العبر والحكم المستفادة منها مثل الصبر والتمسك بالصراط المستقيم.

حكم وفوائد ذكر القصص في القرآن

يتناول هذا الفصل الحكمة من ذكر القصص في القرآن، مثل تقديم العبر والعظات وتوضيح عدالة الله في العقوبة والمثوبة، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم.

دلالة القصص القرآنية على صدق رسالة النبي

يركز هذا الفصل على دلالة إخبار النبي بأخبار الأمم السابقة على صدق رسالته، ويشير إلى أن عدم اطلاعه على أخبار أهل الكتاب يعزز مصداقية رسالته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قال: وهي ثلاثة أقسام؛ قسم عن الأنبياء والرسل وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين، يعني من أقسام القصص في القرآن ما فيه قصص عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم مع أتباعهم من المؤمنين وأعدائهم من الكافرين أو مخالفيهم، كما حكى ربنا جل وعلا بذلك شيئًا كثيرًا في قصة نوح، وهكذا إبراهيم ومن بعدهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، فأخبر أنه جاء من نبأ الذين من قبل الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، أمم كثر بعث الله عز وجل فيهم أنبياء ورسل، في قصصهم عبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فقسم عن الأنبياء والرسل وأممهم، قالوا: قسم عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم، ولقمان، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود، وغير ذلك، وكلها قصص في القرآن، في إيرادها شيء من الحكمة والعبر، فإنك تعرف فيها ويتجل لك أشياء كثيرة تعين على التثبت على الصراط المستقيم، وتصبر على ما يصيب أهل الحق من الابتلاء والامتحان، وغير ذلك. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، وتقرأ قصة مريم عليه الصلاة والسلام كيف أكرمها، وكذلك أعانها ووفقها، فإنها أعينت بصلاحها وباستقامتها، وهذا السبب، وبه يعرف أن الكرامة لها أسباب، الكرامة التي يكرم الله عز وجل بها من يكرم لها أسباب، ومريم ليست بنبية خلافًا للنصارى الذين زعموا أنها كذلك، بل رفعوها إلى معنى الإله، هذا باطل، بل هي من إماء الله الصالحات التي أكرمهن بصلاحهن بكرامات الأولياء، كما أخبر الله عز وجل عنها في سورة آل عمران وسورة مريم ومواضع أخرى. وهكذا لقمان رجل صالح حكيم، قذف الله عز وجل على لسانه الحكمة بصلاحه، فكان بذكر قصته آية وعبرة، خصوصًا في تربية الأبناء، وهكذا كذلك قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية، شاك في البعث، فأماته الله وأحياه كما في سورة البقرة، ثم قال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، وفي قراءة: ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فلما تبين له قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيات. وهكذا كذلك قصة ذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، آيات عبر في الصالحين وفي غيرهم، كقارون آتاه الله المال فاجعل له فتنة، وأصحاب الكهف كذلك، وأصحاب الفيل، وتعظيم الله عز وجل لبيت الحرام، وأصحاب الأخدود، وسنة الله عز وجل في الابتلاء والامتحان والصبر، وغير ذلك مما في القرآن مما هو فيه خبر عن أفراد وقوافل كان في حكايتها شيء من العبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كغزوة بدر وأحد والأحزاب وبني قريظة وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك مما وقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فيما هو في حقه أو في حق أصحابه، أو ما وقع في عهده من أخبار المؤمنين أو المشركين، كالإسراء والمعراج والهجرة. وهكذا كذلك ما وقع لأصحابه يوم الأحزاب ويوم حنين ويوم أحد وبدر، وكذلك ما وقع من بعض الكفار كخبر بني قريظة وبني النضير في سورة الحشر وغيرها، وأخبار المنافقين في سورة التوبة والأحزاب، وهكذا خبر زيد بن حارثة وأمر التبني، وخبر أبي لهب ومعاداته ومحاربته للنبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا قصة المجادلة وما أنزل الله عز وجل في حقها، وهكذا قصة الرجل الذي صام ونام قبل نسخ حكم الفطر أو الإمساك بالنوم، وغير ذلك من الأخبار والقصص التي جاء ذكر شيء منها في القرآن، وهي فيها آيات وعبر، وفيها كذلك بيان أحكام شرعية، وإحقاق حق، وبيان مظلوم وظالم، وناصر ومنصور، أو منصور ومعتدي، وغير ذلك. قصة الإفك كيف برأ ربنا جل وعلا عائشة من فوق سبع سماوات، وتزويجه كذلك لزينب في قصة زيد، وغيرها. قال: وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة، منها أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنت هذه القصص، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، حكمة بالغة، فما تغني النذر. من فوائد ذكر القصص في القرآن، ومن حكمه كما ذكر -رحمه الله- بيان حكمة الله فيما تضمنت هذه القصص، كما سمعنا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، يعني آية وعبرة وحكمة، كذلك يستنبطها القارئ والسامع، فيكون فيه عظات ومنبهات كثيرة. وهكذا كذلك يتضمن ذلك ما يستفاد من أحكام وآداب وهدي وسمت، وغير ذلك مما ذكر في تلك القصص والأخبار، فأنت تطلع عن قرب عن أخبار الصالحين، أنت تحب أن تجد أسوة حسنة، ولا تجد سبيل الوصول إلى ذلك، فيخبرك ربك جل وعلا بشيء من أخبار الأنبياء والرسل، كما يقال: أخبار من الداخل مما هو في البيت، أحوال الرجل مع امرأته، كيف أحوال الأنبياء مع أزواجهم، مع أبنائهم، مع آبائهم، كيف دعوتهم لهم، كيف صبرهم على الأذى، كيف نصعهم إياهم، وهكذا كذلك أشياء أخرى دقيقة. وهكذا امتحان وابتلاء، إما في فتنة المال أو فتنة النساء أو فتنة الجاه والمنصب، أو فتنة اعتداء القبيلة والعشيرة، وغير ذلك، كله تذوقه وتتصوره تصورًا قريبًا، تجد منه عددًا من العبر والحكم والآداب التي تستفيدها. وهكذا تستفيد المواقف من هذه القصص مواقف كثيرة تستفيدها عن قرب، كأنك تشاهدها مشهد عيان، لأن الله عز وجل المخبر به، وهو أصدق قيلًا وأصدق حديثًا، ليست قصص خيالية من نشء الخيال، تصدق أو تكذب، توافق الواقع أو لا توافقه، تصلح للتطبيق أو لا تصلح للتطبيق، لكنها قصص حقيقية، هي صالحة للتطبيق، بل أمرت بالاتساء والتطبيق فيها، بخلاف القصص الأخرى أكثرها من نشء الخيال، إذا صح بعضها ربما لا يصح في شخصك، لكن ما في القرآن كله حق، وكله صالح للتطبيق، يعني فيما هو محل اتساء، إلا ما جاء النسنخ، ما جاء نسخ. ولهذا ذكرت لنا هذه القصص، قصة إبراهيم مع أبيه، قصة نوح مع قومه، قصة لوط مع قومه وزوجه، امرأة فرعون مع زوجها، أحوال كثيرة متنوعة، تستفيد منها في حياتك، والناس هم يستفيدون كل بحسب حاجته، هذا له امرأة كافرة، وذاك له امرأة فاجرة، وهذه لها زوج كافر أو زوج فاجر، وهذا له ابن غير صالح أو كافر، تستفيد، تستفيد هذا من قصص الأنبياء، الابتلاء بالأبناء وبالأحكام الشرعية، قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل، الابتلاء في فتنة النساء قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، الابتلاء في المال قصة قارون، وأهل العلم وأهل الجهل، وهكذا قصص كثيرة فيها آيات عبر. قال: ثانيًا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين، لقوله تعالى عن المكذبين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾، وفيه تعرف سنة الله عز وجل وعدله، وأن الله يمهل ولا يهمل، وأنك لست بأكرم من الأنبياء والمرسلين، تبتلى، وقد ابتلي من قبلك أنبياء ورسل، هم أعظم عند الله عز وجل قدرًا وأرفع درجة، ابتلا ابتلاهم الله سبحانه وتعالى، فذلك يسليك، وكذلك يدخل في قلبك الثقة أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل أبدًا، كم قد أهلك من الظالمين والكاذبين، وإذا ابتليت بشيء فاعلم أن الله سينصره، فأنت تصير في هذه الدنيا بثبات وبيقين؛ لأنك رأيت وشاهدت وسمعت خبر صدق من خبر عدد من الأنبياء والرسل كيف امتحنوا وابتلوا. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، سنة الله عز وجل، وترى حال الظالمين كيف فعل الله بهم: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، وهكذا فضيلة التوحيد وأهله، وحال المشرك وأهله. قال: ثالثًا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾، سنة الله في نصر أهل الإيمان وأهل الحق ماضية إلى قيام الساعة، فإن الله عز وجل ينصر أهل الحق، وهذه سنة الله عز وجل، فالإنسان يثق بأن الله سينصره وسيؤيده ما دام على الحق يحرص، وهذا هو ما ينبغي أن يعتني به أن يكون على الحق، والله عز وجل لن يضيعه أبدًا، والدائرة له، وعاقبة الأمور له بإذن الله تعالى. قال: رابعًا: تسرية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، سنة الله عز وجل أنه يعذب وأنه يمهل ولا يهمل، فكان كذلك في نزول الآيات وأخبار بعض القصص تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، ذكر قصة، وعيسى عليه الصلاة والسلام، تسلية، ولهذا نزل الكثير من هذا القصص على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة في وقت الامتحان والابتلاء، نزل الكثير منه في مكة في وقت الامتحان والابتلاء، لماذا نزل عليه في مكة؟ تسلية، تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنه قد سبقك الرسل وأنبياء، وابتلوا بما ابتليت به، والمعنى تصبر كما صبروا. قال: خامسًا: ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذ علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، سنة الله، ليس فقط ينجي رسولًا، بل كل رسل الله، وكل أتباع الرسل ينجيهم إذا كانوا على الإيمان والثبات. قال: وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ جَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا كذلك، وهذا كذلك فيه هذه الآيات والعبر. وأشار شيخنا -رحمه الله- هنا إلى فائدة عارضة في قوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾، بأن فيه إثبات صفة الانتقام لله عز وجل، ولكنها مقيدة، فلا تقال مطلقة، ولذلك من الخطأ أن تعد من أسماء الله: المنتقم؛ لأنها صفة مقيدة، فهو ينتقم من الذين أجرموا: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾. قال: سادسًا: تحذير الكافرين من الاستمرار بكفرهم، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾، وهكذا كذلك من هذه الحكم تحذير للكافرين؛ لأن الكافر يقرأ القرآن، يصله القرآن، خصوصًا من عنده شيء من العلم والفضول، فإنه يطلع على ما في القرآن، أي بعض الكفار أو كثير منهم، فتقوم الحجة عليهم بذكر أخبار الرسل. فيقيس قصص الأنبياء والرسل بعضها على بعض، من آمن به على من لم يؤمن به، فيرى نفسه أنه فعل جنس ما فعل أعداء من آمن به، ما في فرق، اليهود والنصراني، من آمن بموسى أو عيسى، إذا رأى ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يشك في قلبه إلا من لبست عليه بعض الشبه، وإلا فالغالب أنهم يجدون أن ما جاء به نبي عليه الصلاة والسلام يخرج من مشكاة واحدة مما جاء به موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فيكون بذلك له آية وعبرة: أين وضعت نفسك بعد هذا العلم الذي علمت؟ لأن الكثير منهم يمنعه الكبر والعناد، يمنعه الكبر والعناد والمجادلة بالباطل، وإلا لو أنصفوا أنفسهم ما وسعهم إلا أن يؤمنوا بما جاء به نبي عليه الصلاة والسلام، فهو يدعوهم للإيمان بجميع الرسل والأنبياء، والإيمان بما جاء به. قال: سابعًا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن في ذكر أخبار الكافرين بيان مقارعة الكفار وأساليب كذلك مخاطبتهم، فإنك تستفيد كيف تعامل الكافر، وكيف تناقشه، وما هو مواضع الخلل في تدينه، وفي كذلك ادعائه أنه يؤمن، وكل هذه الأشياء بهذه القصص الأخبار التي أخبر الله عز وجل بها في القرآن، كما في سورة البقرة شيء كثير من أخبار بني إسرائيل، وهي تعين في التحذير منهم، وكذلك مخاطبتهم، وهكذا سورة آل عمران، وهكذا كذلك سورة الإسراء، ومواضع من سورة الأنعام والمائدة وغير ذلك. قال: سابعًا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾، خصوصًا أن العرب وغير العرب علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لم يقرأ ولم يكتب، فضلًا أن يكون اطلع على ثقافات وعلوم الأمم الأخرى. فكيف وقد أتى النبي عليه الصلاة والسلام بأخبار قصص من قبله من الأمم على أحسن تحقيق وتدقيق، وهو عند المحققين والعارفين والعلماء منهم حجة قوية دامغة عليهم؛ لأنهم يرون حولهم من أهلهم من لا يعرف هذا التحقيق في هذه الأخبار والقصص، مثلًا إذا اختلف قوم في قضية وهم أهل شأن فيها كأهل طب مثلًا، فجاءهم رجل غريب فذكر لهم الخلاف الذي بينهم وذكر الراجح ورد عن المرجوح، كلهم سيجزمون أنه طبيب وأنه عنده خبرة بالطب، من أين له أن يأتي بهذه الأخبار وهو ليس عنده علم بهذا؟ سيجزمون بذلك. وهكذا يقال في حق نبينا عليه الصلاة والسلام على وجه التقريب، فإن أهل الكتاب يعلمون أن بينهم اختلفوا في أشياء، فجاء نبينا عليه الصلاة والسلام، وهم يعلمون أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يطلع على ثقافات أهل الكتاب وعلومهم ومعارفهم، ومع ذلك يأتي بالأخبار والقصص على هذا التحقيق والتدقيق، مما يدل أنه نبي مرسل من عند الله سبحانه، لا يسعهم إلا أن يقولوا ذلك، وهذا مما قامت به الحجة على أهل الكتاب، والكثير منهم يعلم ذلك، ولذلك آمن به أهل الإنصاف منهم، كعبد الله بن سلام، وغيره من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من اليهود أو من غيرهم. وهكذا كذلك في ذكر أخبار الأمم السابقة، وذكر بعض ما جاء به الأنبياء والرسل، مع كون النبي عليه الصلاة والسلام أميًا لم يقرأ ولم يكتب، بنصه، هذه الحجة كذلك عليهم، كما ذكر الله عز وجل في القرآن عن عيسى أنه أخبر قومه أنه سيأتي بعده نبي قال له: «أحمد»، نبينا عليه الصلاة والسلام، من أين له هذا العلم؟ وهو لم يقرأ في خبر أهل الكتاب، هذا إن دل على شيء، دل على تصديق رسالته عليه الصلاة والسلام، بما لا يجحدها إلا مكابر. قال -رحمه الله-: وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، نعم، هذا كذلك شاهد آخر يدل على أن إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأخبار، فيها هذا المعنى، والله تعالى أعلم.