تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية التعارف وعلاقتها بالعدل

يفسر المقطع آية التعارف من سورة الحجرات ويبين علاقتها بالعدل والتقوى. يُظهر أن التقوى هي أساس التفاضل عند الله.

شرح تقسيم أنساب العرب ومرجعهم الواحد

يشرح المقطع تقسيم أنساب العرب إلى طبقات متعددة ترجع إلى أب واحد. يُبين أن الغاية من هذا التقسيم هي التعارف وليس التفاخر بالنسب.

معنى التعارف بين الناس وحكمته

يشرح المقطع معنى التعارف وحكمة الله في خلق الناس أقوامًا وشعوبًا وقبائل. يُوضح أن الرفعة بتقوى الله لا بالنسب.

تصحيح خطأ في التفسير السابق

تم تصحيح خطأ في تفسير آية سابقة حيث تم توضيح أن الكراهية في سياق النهي وليس الإثبات. أُقر بأن الخطأ كان نتيجة سبق لسان.

التفريغ النصي الكامل

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، قال المفسر رحمه الله: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى آدم وحواء، وجعلناكم شعوبًا جمع شعب، فتح الشين وأعلى طبقات النسب، وقبائل هي دون الشعوب، وبعدها العمائر، ثم البطون، ثم الأفخاذ، ثم الفصائل آخرها»، مثاله: خزيمة شعب، كنانة قبيلة، قريش عمارة -بكسر العين-، قصي بطن، هاشم فخذ، والعباس فصيلة، «لتعارفوا» حذف منه إحدى التاءين، ليعرف بعضكم بعضًا، لا لتفاخروا، معلوم أن النسب إنما الفخر بالتقوى، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم بكم خبير بمواطنكم». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية من سورة الحجرات، وذكر تفسيرها على وجه الاختصار. ومناسبة هذه الآية للآيات التي قبلها تعليل لما أمر الله عز وجل به من لزوم العدل وعدم الوقوع في الظلم والبغي والعدوان الذي نهى الله عز وجل عنه، وله صور كثيرة. ومن صورها ما تقدم في الآيات السابقات من الغيبة والتنقص والهمز واللمز والبغي، بدأ بالبغي بالقتل والقتال، وقبله كذلك ما ذكر من أمور الاستئذان، ثم بعده ما ذكر من سوء الظن والهمز واللمز والغيبة ونحوها. ومرد هذه الظلمات التي تقع وأنواع الظلم التي تحصل بين الناس هو ما يكون من نزغ الشيطان بجعل التعالي بين الناس، فلهذا ختم الله عز وجل تلك المناهي التي نهى الله عز وجل عنها بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، أي الناس الناس سواسية، مردهم جميعًا إلى آدم وحواء، فأبونا واحد وأمنا واحدة، فلما يكون التعالي؟ هل يتعالى أخ على أخيه والأم والأب شيء واحد؟ إن كان الجواب لا، فلما يقع هذا التعالي؟ ومرد الناس جميعًا إلى آدم وحواء. ثم أكد ذلك سبحانه وتعالى بقوله: «وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»، ثم بيّن رحمه الله معنى الشعوب أنه جمع شعب، في فتح الشين، وهو أعلى طبقات النسب، وذلك كما ذكر أهل الأنساب أن مرد طبقات أنساب العرب ترجع إلى ست طبقات: الطبقة الأولى الشعوب، والطبقة الثانية القبائل، والطبقة الثالثة العمائر، والطبقة الرابعة البطون، والطبقة الخامسة الأفخاذ، والطبقة السادسة الفصائل. وهذه كلها مردها إلى ما ينتسب أو ما يتقسم فيه العرب، فالبطون تتكون منها الشعب، ومعناه أن الشعب تتشعب منه البطون، وهكذا كذلك كما سيأتي بمثاله الذي يمثل: «خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة -بكسر العين-، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة». فإذا مجموعة فصائل يكون منها الفخذ، ومجموعة الأفخاذ يكون منها البطن، ومجموعة البطون يكون منها العمارة، ومجموعة العمائر يكون منها القبيلة، ومجموعة القبائل يكون منها الشعب، فهذا هو تقسيم أنساب العرب على هذا النسق والترتيب. والغاية من وجود هذه الأقسام ليس التعالي، فمرد الجميع شيء واحد. والمعنى: إذا كانت هذه القبائل باختلاف أنواعها ترجع إلى شعب واحد، وهذا معناه أن مردهم وجدهم واحد، فكيف يتعالى بعضهم على بعض؟ وهكذا كذلك البطون، ثم الشعوب كذلك مردها فيما فوقها على حسب الأجناس إلى أن تصل إلى أب واحد وأم واحدة، آدم وحواء، فإذا كان كذلك، فلما التعالي ولما استنقاص الآخرين؟ ثم قوله جل وعلا: «لتعارفوا»، قال: حذف منه إحدى التاءين، ليعرف بعضكم بعضًا، لا لتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى. والمعنى أن هذا التقسيم الذي قسم به الناس لله حكمة بذلك، وهو أن يحصل التعارف. وقوله: «لتعارفوا» حذف منه إحدى التاءين، من معاني الحذف زيادة البيان والبلاغة بهذا الحذف، لأن القاعدة عند أهل العربية: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ونقصان المبنى يدل على نقصان المعنى، «لتعارفوا» أسرع من قولك: «لتتعارفوا»، فكأنه يقول: ليكون تعارفكم أسرع، ليكون تعارفكم أسرع. لو كان الناس شيئًا واحدًا صعب التمييز والتعارف، لكن إذا قيل: محمد مثلًا من قبيلة كذا، كثير محمد من قبيلة كذا، كثير محمد بن عبد الله من قبيلة كذا، كثير محمد بن عبد الله مثلًا بن عبد الرحمن من قبيلة كذا، فإذا تحتاج أن تعرف بتعريف أقرب، فصار كلما عرفت حتى أحيانًا تضطر أنت مثلًا في الأسرة الواحدة: يقول هذا اسمه محمد، من عبد الله مثلًا من آل فلان، يقول من جدك حتى يعرف، أنت من آل فلان من أبوك فلان، ما شاء الله، أنت إذن فلان من أولادي، فلان عرفت. فصار بهذا التعارف، والغرض من هذا التعارف ليس التعالي، ولكن الحقوق من الأقرب فتصله أكثر، ويكون لك وعليك فيه حقوق، فهذا من حكمة الله عز وجل في إيجاد هذه الأقسام في الأنساب. والعبرة بعد ذلك والرفعة بتقوى الله جل وعلا، ولهذا ختم الآية بقوله: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، يعني ليست الكرامة والرفعة بشعب ولا بقبيلة ولا ببطن إلى آخره، ولكن بتقوى الله سبحانه وتعالى. «إن الله عليم خبير»، أي ببواطنكم، لأن العلم في الغالب يقال مع اسم الله سبحانه وتعالى الخبير، كان الخبير لما خفي ودق من علمه سبحانه وتعالى، فجمع بين الاسمين العظيمين كريمين ليزداد جمالهما وحسنهما، وكذلك بيانهما وما يدلان عليه. فالله عز وجل العليم أي بكم جميعًا، وخبير ببواطنكم، فيعرف من الذي قصد خيرًا بانتسابه ومن قصد غير ذلك بانتسابه. ولهذا قلنا كما تقدم معنا أن من الطعن ما قد يكون بفخر الإنسان بنفسه ونسبه. وها هنا تنبيه: حصل خطأ وسبق لسان في الدرس الماضي في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ إلى آخره، قلنا: «نكره في سياق الإثبات»، والصحيح: نكره في سياق النهي. وخطأ وسبق لسان، وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.