الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول إنكار المشركين للبعث والنشور واستدلال القرآن بالأدلة العقلية والشرعية على قدرة الله في إحياء الموتى. يُظهر أن الله يخلق الأشجار ويجعل زرعها، وأن البعث مماثل لخلق الإنسان من عدم.
استخدم القرآن مثال الزرع الذي يعود للحياة بعد اليبس ليدلل على قدرة الله في إعادة الخلق، ويشمل هذا الإنسان كما يشمل الزرع. يُستشهد بحديث نبوي يصف كيفية بعث الناس يوم القيامة.
يفسر المقطع الآيات القرآنية ويشرح معانيها اللغوية، مشيرًا إلى حذف بعض الحروف لتخفيف النطق وزيادة البلاغة. يُبين أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وأن الله هو المانع والمعطي والقادر على كل شيء.
الله تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد وفاته، وهذا أيسر من خلقه أول مرة، وهو دليل قوي على إمكانية البعث والنشور. المنكرون للبعث يتعارضون مع قدرة الله تعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء جعلناه حطامًا فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن محرومون. قال المفسر رحمه الله: أفرأيتم ما تحرثون، تثيرون في الأرض وتلقون البذر فيها، أأنتم تزرعونه تنبتونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء جعلناه حطامًا نباتًا يابسًا لا حب فيه، فظلتم -أصله ظللتم، بكسر اللام، حذفت تخفيفًا- أي أقمتم نهارًا تفكهون -حذفت منه إحدى التائين في الأصل- تعجبون من ذلك وتقولون: إنا لمغرمون، نفقة زرعنا، بل نحن محرومون ممنوعون رزقنا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات تبعًا في إنكار المشركين للبعث والنشور، ومحاججتهم بالأدلة العقلية والشرعية على إثبات البعث والنشور. فكما أن الله عز وجل خلق الإنسان من عدم، فلا يعجزه أن يعيد خلقه، فكذلك أمر الزرع، فإن الإنسان يحرث ويرمي البذرة، والله عز وجل هو الذي يخلق الأشجار ويجعل زرعها. فإذا كان كذلك، فكذلك أمر البعث والنشور، وأمر البذرة يشبه خلق الإنسان، فإنه خلق من ماء الرجل، والله عز وجل إذا شاء أوجد المخلوق ذكرًا كان أو أنثى. وكذلك الزرع جعل الله له أسبابًا، وإذا شاء نبت ذلك من الزرع، فالزارع حقيقة هو الله سبحانه وتعالى. ومن صنع مثل هذا لا يعجزه سبحانه وتعالى أن يعيد الخلق وقد كانوا في الوجود، فإن هذا أهون، وهذه أمثلة عقلية، واحدة والآخر لإظهار فساد حجة المشركين في إنكار البعث والنشور. وقوله سبحانه: «لو نشاء لجعلناه حطامًا»، كما قال رحمه الله في تفسيره: حطامًا يابسًا لا حب فيه. ولا شك أن الحطام أعظم من يابس، الحطام هو اليابس المتكسر الذي تلعب به الريح، كما جاء في بعض السور الأخرى والآيات الأخرى. والمعنى: هذا الذي صار على هذا الشكل، الشجر بعد أن يموت ويتحطم ويصير بهذه الصورة، وقد تناثرت هنا وهناك. ومع ذلك إذا جاء المطر، ماذا؟ أعاد الله الأشجار مرة أخرى، أعادها مرة أخرى. ولذلك تجدون الأرض إذا قحلت وماتت أشجارها ويبست وتفتتت وتناثرت بقاياها في الفلاة، لا تتوقع أن هذه الأرض تعود ماذا؟ مروجًا وأنهارًا، وتعود كذلك زرعًا متكاثرًا. ولكن إذا شاء الله أنزل المطر، فنبتت الأشجار في تلك الأرض القاحلة اليابسة، وعادت حقولًا خضراء مملوءة بالأشجار. من الذي أعادها؟ إنه الله سبحانه وتعالى. لو فعل الإنسان ما فعل، لا يستطيع أن يعيدها. وإذا كان هذا في الزرع، فكذلك في الإنسان. ولهذا يوم القيامة يمطر الله عز وجل مطرًا كمني الرجال، فينبت الناس من عجب أذنابهم كما ينبت الزرع. وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، فيه معنى المذكور في هذه الآية. وقوله سبحانه: «فظلتم»، قال: نُفسر أصله ظللتم، في كسر اللام، حذفت تخفيفًا، أي أقمتم نهارًا، وهو في الوقت الذي يكون فيه الضلال، وقت الضلال هو النهار. والمعنى: فكنتم في هذا الوقت. وقوله: «تفكهون»، قال: حذفت منه إحدى التائين في الأصل، أصلها تتفكهون. والمعنى أنه حصل في هاتين الكلمتين شيء من الحذف، وهذا بحسب اللغة، والعبرة فيه السماع. وخففت هذه الكلمات زيادة في بلاغتها وبيانها. والمعنى: مرور الوقت سريعًا، «فظلتم» ليس مثل «فضلتم» بلا مِن، واحدة أقل في المعنى، وأسرع من هي إذا كانت بلامين. وفيه إشارة إلى مرور الوقت سريعًا؛ لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وهكذا كذلك «تفكهون» بلام واحدة كذلك أسرع، وكذلك أظهر في المعنى من لامين، يعني سرعان ما يحصل التغيير، فيكون التعجب. وهذا بالنسبة لله عز وجل ليس بعزيز، وهو على كل شيء قدير. وعندها يقولون هذه المقولة: «إنا لمغرمون»، يعني حصلت لهم الخسارة إذا شاء الله سلط على الزرع ما شاء من القحط أو العذاب أو نحو ذلك. وفيه إشارة إلى أن الذي يأخذها قادر على أن يردها. وقولهم: «بل نحن محرومون»، أي ممنوعون رزقنا. والذي يمنع هو الله سبحانه وتعالى، والذي يعطي هو الله سبحانه وتعالى. والمقصود الإشارة بهذه الآيات إلى أن المانع والمعطي هو الله جل وعلا، والذي يوجد بعد العدم، ويأخذ كذلك بعد العطاء، هو الله سبحانه وتعالى. ومن هذا حاله وتفرده سبحانه وتعالى وحده في أفعاله، فإنه سبحانه وتعالى قادر على أن يعيد هذا الإنسان بعد إذ كان موجودًا في هذه الدنيا. وهذا أيسر من إيجاد هذه المخلوقات من العدم. وفي هذا أكبر الحجة على المشركين المنكرين للبعث والنشور. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.