تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نهي الله عن مشابهة اليهود في التناجي بالإثم

تناول المقطع الأول نهي الله المسلمين عن مشابهة اليهود في تناجيهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، موضحًا تحذير الله لهم من اتباع سلوك اليهود وعقابهم في جهنم. كما أوضح أن اليهود كانوا يتناجون بالكلام ويستهزئون بالنبي والمؤمنين.

مناجاة اليهود وتحايلهم في سب النبي

تناول المقطع الثاني مناجاة اليهود وتحايلهم في سب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يتناجون بما يسبب الرعب للمسلمين ويطعنوا في النبي، ويحاولون إظهار السلام مع إخفاء السب واللعن، وقد نزلت الآيات لتحذر من هذه الأفعال.

أحكام الرد على أهل الكتاب والكفار وتحريم التنقص

المقطع الثالث يشرح حكمة الإسلام في الرد على أهل الكتاب والكفار، ويبين تحريم التنقص بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويستنبط أحكامًا تتعلق بالعقوبة في الدنيا لمن يظهر هذا التنقص، مشيرًا إلى أن الرد عليهم يكون بـ 'وعليكم'.

عقوبة الجهر بالمعصية في الإسلام

المقطع الأخير يشير إلى أن الجهر بالمعصية يستوجب العقوبة، وأن الجهر بالمعصية يزيد من خطورتها، ويتناول مفهوم العقوبة في الإسلام وعلاقتها بالمجاهرة بالمعاصي.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؟ وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله، ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول، حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير. قال مفسر رحمه الله: ألم تر تنظر إلى الذين نهوا عن النجوى، ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، هم اليهود، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عما كانوا يفعلون من تناجيهم، أي تحدثهم سرًا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة. وإذا جاءوك حيوك أيها النبي بما لم يحيك به الله، وهو قولهم السام عليك، أي الموت. ويقولون في أنفسهم لولا هل لا يعذبنا الله بما نقول من التحية، وأنه ليس بنبي إن كان نبيًا، حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في سورة المجادلة وتدرجها في الأحكام، فقد حوت هذه السورة عددًا من الأحكام، وهذه الأحكام عددًا من الآداب التي يؤدب بها أهل الإسلام في تعاملاتهم وأقوالهم وألفاظهم. وقد مر معنا الكلام على الظهار، ثم ما أتبع ذلك من الوقوف عند حدود الله وأحكامه عمومًا، ثم ها هنا بعد ذكر أمر المراقبة وإحاطة علم الله سبحانه وتعالى للغيب والشهادة، ناسب أن يذكر، وهذا من تناسق وتناسب آيات القرآن العظيم وما فيها من الإحكام والإتقان في اللفظ والمعنى والتركيب والسباق والسياق. فلما ذكر أمر مراقبة الله عز وجل وسعة علمه جل وعلا، ناسب أن يذكر هذا الحكم في أمر المناجاة والإسرار بالكلام وإخفائه. ولما كان اليهود من سكان المدينة وكانوا يصنعون من الأقوال والأفعال ما فيها أذية للمسلمين وللنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، نهى ربنا سبحانه وتعالى المسلمين أن يتشبهوا باليهود فيما يكون فيه مدخل وذريعة لهؤلاء اليهود في أذية المؤمنين عمومًا والنبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا. ومن أخلاق اليهود الذميمة الساقطة أنهم كانوا يتناجون بالكلام ويتناجون بالإثم والعدوان، ومعنى يتناجون الكلام فيما بينهم، وهذا التناجي نوع من الطعن بالمؤمنين عمومًا وبالنبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا، استهزاء وسخرية وتنقص، وكذلك تخويف. فإذا مر الرجل من المسلمين بين اليهود أو في أحياء اليهود، تناجوا بما يدخل الرعب في قلبه، كأنهم سيقتلونه أو سيؤذونه أو نحو ذلك. وفعلًا فعلوا مثل هذا، فقد قتلوا الجارية وسرقوا ذهبها، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث به قصة. وهكذا كانوا يتناجون، أي يتناجون الكلام بالطعن في المسلمين وبالطعن في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتكذيبه وأنه ليس بنبي ولا رسول. ومن ذلك أنهم كانوا كذلك يسرون بالتسليم ويخففون فيظهرون السلام، وفي الحقيقة هم يطعنون ويسبون. ولهذا ذكر المفسر رحمه الله هنا أن الآية نزلت في اليهود، وهذه أول آية أو آيات المناجاة كما سيأتي معنا والكلام على شيء من أحكامها. فقوله سبحانه: ألم تر، قال: تنظر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وفيه على الصحيح إثبات الرؤية لله عز وجل، فالله يرى ما يرى ويأمر برؤية ما يرى سبحانه وتعالى، إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. قال: هم اليهود، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عما كانوا يفعلون من تناجيهم، أي تحدثهم سرًا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استدعاهم وحذرهم وذكرهم بما هم عليه من العهد والميثاق، وجاءت فيه أحاديث. وقوله سبحانه: وإذا جاءوك حيوك، قال: أيها النبي بما لم يحيك به الله، يعني يظهرون التحية ويبطنون المذمة والمسبة، وهو قولهم كما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة: السام عليك، أي الموت عليك. ويظهرون أنهم يسلمون كأنهم يقولون السلام عليك، ولكنهم يلفظونها بلغض السام. وإذا قيل لهم ماذا قلتم، قالوا: إنما سلمنا، وهم في الحقيقة إنما يدعون بالموت. ولهذا جاء في صحيح مسلم أنها عائشة رضي الله عنها وارضاها قالت: وعليكم السام واللعنة يا إخوة القردة والخنازير، فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما سمعت يا رسول الله لما قالوا؟ فقال لها: أما سمعت لما قلت؟ النبي عليه الصلاة والسلام اكتفى بأن قال: وعليكم، يعني إن كانت مسبة فترجع المسبة عليهم، وإن كان سلامًا فيرجع السلام عليهم. وهذا من حكمة الإسلام في الرد على أهل الكتاب والكفار، لا يرد عليهم بالسلام لأنهم مظنة الخيانة، لأنهم مظنة الخيانة وموضع الحقد عندهم أكثر، فلذلك يقال: وعليكم، لأنك لا تدري ما يقولون، هل يقولون السلام فعلًا أو يقولون السام؟ وهذا من الأحكام التي سيأتي كذلك الكلام عليها إن شاء الله. وقوله رحمه الله تعالى: أي الموت، أي هذا هو معنى السام في لغتهم اللغة العبرية. قال: ويقولون في أنفسهم لولا، قال: هلا، وهكذا لولا تأتي بمعنى هلا كثيرًا، وهذا من مواضعها، يعذبنا الله بما نقول، قال: من التحية، وأنه ليس بنبي إن كان نبيًا، ومعناه لو كان نبيًا لعلم أننا ما فعلنا التحية وإنما دعونا عليه، فأنزل الله عز وجل هذا القرآن وفضحهم وبين كذبهم، فلو صدقوا لآمنوا به واتبعوه عليه الصلاة والسلام. حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير، أي بئس مصير من كان هذا حاله وهذا صنيعه، والخطاب لليهود ولمن تشبه بهم من الكافرين أو المنافقين. وقد وقع ذلك من بعض المنافقين كما وقع من بعض الكافرين، فقد كان بعض المنافقين يستهزئون بالمؤمنين وبالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما فعل بعضهم في التأذي من حمار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتعريض بالطعن وغير ذلك من العبارات التي هي مبطنة بالطعن والسب والتنقص. فكل عبارة مبطنة ظاهرها السلامة وحقيقتها الطعن فهو مما يدخل في عموم هذه الآية، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كانت الآية في لغط التحية، لكنها عامة في كل ما هو بمعناها مما فيه التنقص للمؤمنين عمومًا وللنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصوصًا. وكذلك استنبط منه العلماء، ومع ما سيأتي استحقاق العقوبة في الدنيا لمن ظهر منه هذا التنقص. فإذا كان التنقص بخفاء، فمن أحكام الإسلام أننا لا ندعي عليهم ما ليس علينا فيه بينة، ما ليس عندنا فيه بينة، فما دام ليس عندنا بينة فلا نقيم شيئًا. وأما إذا قامت البينة، فإنه تكون لهم العقوبة. ولذلك لما أتى في تلك الجارية التي قد قتلت بسبب سبها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جعل النبي صلى الله عليه وسلم دمها هدرًا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، جعل دمها هدرًا لأنها جاهرت وأظهرت هذا التنقص، بخلاف من أخفاه وأبطنه، فإننا لا نقيم عليه شيء من الحدود والعقوبة الظاهرة ما دام ذلك لم يظهر. وهذا عام فيما كان بالأقوال أو الأفعال، فيما كان بالأقوال أو الأفعال. وبالمثل إذا كانت هذه الأقوال أو الأفعال فيها تنقص بالمجاهرة، فإنها تستحق العقوبة كذلك بالظهور والجهر. والجهر طيب، نكتفي بهذا إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.