الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الله تعالى أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في براءتهم من الكافرين وتوكلهم على الله. يُبين أن المؤمنين يجب أن يتخذوا من إبراهيم والذين معه قدوة حسنة في مواجهة الكافرين.
يشرح مفهوم الولاء والبراء وميزان المحبة والمودة في الإسلام، ويبين عدم جواز الاستغفار للمشركين حتى لو كانوا من الأقربين. يُبين أن من كان يرجو الله واليوم الآخر عليه أن يقتدي بإبراهيم عليه السلام.
يشرح معنى تولي الكفار وجزاء من يفعل ذلك، ويبين أن الله غني عن عباده ويستغني عن من يترك اتباع أمره. النص ينتهي بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، قَدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ أَيْ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ كَضَرِيفٍ ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أَنْكَرْنَاكُمْ، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ وَاوًا، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مُسْتَثْنًى مِنْ أُسْوَةٍ، فَلَيْسَ لَكُمُ الِاتِّبَاعُ بِهِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَغْفِرُوا لِلْكَافِرِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ مِنْ عَذَابِهِ وَثَوَابِهِ، يُرِيدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَفَضْلِهِ مَعَ ذَلِكَ لَا يَمْلِكُ لِأَبِيهِ أَنْ يَنْفَعَهُ أَوْ يَضُرَّهُ. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ مِنْ مَقُولِ الْخَلِيلِ وَمَنْ مَعَهُ، أَيْ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ فَيَفْتَتِنُوا، أَيْ تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ بِنَا. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فِي مُلْكِكَ وَصُنْعِكَ. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، فِيمَا يَعْتَقِدُ مِنْ خَوْفِهِمَا مَا يُخَافُ وَمَا يُرْجَى مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ بِأَنْ يُوَاليَ الْكُفَّارَ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، حَمِيدٌ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، وَبِهَذِهِ الْآيَةِ تَتِمَّةٌ لِمَا سَبَقَهَا مِنْ آيَاتٍ فِي تَأْصِيلِ مَعْنَى الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ وَمِيزَانِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ. فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وَقُرِئَ كَمَا ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْكَسْرِ، فَقَرَأَ السَّبْعَةُ بِالْكَسْرِ إِلَّا عَاصِمًا فَبِالضَّمِّ، أَيْ قَدْوَةٌ. وَالْأُسْوَةُ مَعْنًى زَائِدٌ عَنِ الْقَدْوَةِ، فَالِاتِّسَاءُ الْمُتَابَعَةُ وَالِاقْتِدَاءُ. هَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ الْأَقْرَبِينَ لَا يَجُوزُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بِالصَّحِيحِ حِينَ سَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَبُوكَ؟» قَالَ: أَبُوكَ فِي النَّارِ. فَلَمَّا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ قَالَ: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ». وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي». فَالشَّاهِدُ أَنَّ أَبَوَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّارِ لِمَا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ الَّذِي مَاتَا عَلَيْهِ، فَمَنْ بَابِ أَوْلَى مَنْ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ لَا يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ كَذَلِكَ مَوَدَّةٌ وَمَحَبَّةٌ تُنَافِي الْبَرَاءَةَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قَالَ: كَالنَّفْيِ عَنْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَهُ غَيْرَ الْاِسْتِغْفَارِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مُسْتَثْنًى مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ ظَاهِرُهُ مِمَّا يُتَأَسَّى فِيهِ. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ هَذَا كَمَا قَالَ مِنْ مَقُولِ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أَنْ نَقُولَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ وَأَنْ نَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، فَنَقُولُ أَهْلَ تَوْحِيدٍ حَقًّا وَصِدْقًا، وَأَهْلَ افْتِقَارٍ وَتَجَلٍّ إِلَى اللَّهِ وَتَوَكُّلٍ عَلَيْهِ. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: أَيْ لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ فَيَفْتَتِنُوا، أَيْ تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ بِنَا. وَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ الظُّهُورِ، سَوَاءٌ بِظُهُورِهِمْ أَوْ كَذَلِكَ بِحُصُولِ التَّنَازُلِ مِنَّا لَهُمْ، وَذَلِكَ بِاتِّخَاذِ الْمَوَدَّةِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ لِدَفْعِ عَدَاوَتِهِمْ وَأَذَاهُمْ. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لِمَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مُؤْمِنٌ مَهْمَا بَلَغَ فِي الْإِيمَانِ مِنَ التَّقْصِيرِ. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ يَعْنِي يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، فِعْلًا بِهَذَا الِاعْتِقَادِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ بِأَنْ يُوَاليَ الْكُفَّارَ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فَهُوَ غَنِيٌّ يَغْنِيكَ، وَهُوَ غَنِيٌّ يَسْتَغْنِي عَنْكَ إِنْ تَرَكْتَ حَبْلَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَالْتَفَتَّ إِلَى غَيْرِهِ. نَكْتَفِي بِهَذَا الْقَدْرِ إِلَى هُنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِينَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.