شرح العقيدة الواسطية للهراس 1

شرح العقيدة الواسطية للهراس 1

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 1، الدرس الأول : (ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ومكانته العلمية

يتناول هذا الفصل ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يذكر نسبه ومولده وأسرته وشيوخه وتلاميذه، بالإضافة إلى مكانته العلمية وثناء العلماء عليه لما يتمتع به من علم واسع في مختلف المجالات.

ثناء العلماء على ابن تيمية وعلمه الغزير

يبرز هذا الفصل ثناء العديد من العلماء على ابن تيمية، مشيدين بعلمه واجتهاده وزهده وورعه، ومبينين عظم منزلته وفضله في مختلف العلوم الشرعية والعقلية، مع ذكر بعض أقوالهم في وصف تفوقه واجتهاده.

نصيحة بشأن التخصص والشهرة العلمية

ينصح هذا الفصل بعدم ترك ما اشتهر به الإنسان لأنه يصبح علامة عليه، وتركه قد يكون غير مناسب، مشيراً إلى أهمية الاستمرار في المجالات التي برع فيها الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نبتدئ إن شاء الله في هذا اليوم القراءة في شرح الواسطية للهراس. وقبل الابتداء به، إتماما للفائدة، نقرأ ما ذكره محقق النسخة التي عندي من ترجمة موجزة للشيخ صاحب المتن، شيخ الإسلام بن تيمية، رحمه الله تعالى، ولصاحب الشرح محمد خليل هراس. قال رحمه الله تعالى: ترجمة موجزة لشيخ الإسلام بن تيمية. قال: نسبه ومولده هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني. أما عن لقب تيمية، فقد قيل: إن جده الخامس محمد بن الخضر، حجة على درب تيماء، وتيماء اسم موضع في جهة تبوك. قال: فرع هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتا، فقال: يا تيمية يا تيمية، نسبة إلى تيماء، بلدة بالقرب من تبوك، فلقب بذلك. وقال ابن النجار: ذكر لنا أن جدة محمد كانت أمه تسميه تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها وعرف بها، يعني صار لقبا لهذا الرجل، ثم صار لقبا لهذه العائلة. قال: ولد يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة للهجرة، بحران من أرض الشام، ويلقب بشيخ الإسلام تقي الدين، ويكنى بأبي العباس. وقيل في معنى شيخ الإسلام وجوه، يعني لماذا يلقبون بشيخ الإسلام؟ قال: أفضلها أن يقال: أي شيخ في الإسلام قد شاب وانفرد بذلك عن من مضى من الأتراب، وحصل على الوعد المبشر بالسلامة: «أنه من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة»، ومعناه أنه له حياة حسنة حتى صار شيخا في الإسلام، لا يعرف له إلا الخير، حتى كبر سنه، وصارت له سن الشيخوخة، فكان بذلك لقبا يقال لمن بلغ مثل هذا السن، وكان على استقامة. شيخ الإسلام، فهو يقال لأي واحد، ولكن ليس الأمر كذلك، بل هو لقب يقال غالبا للعلماء. قالوا: منها ما هو في عرف العوام، أن العدة أو مفزعهم إليه بعد الله في كل شدة، يعني مثل ما يقول العامة، ولي أنها منزلة يبلغها الأولياء والصالحون، هذا خطأ، بل هذا هو عين الشرك إذا قصد به هذا المعنى. قالوا: منها أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقة أهله، قد سلم من شر الشباب وجهله، فهو على السنة في فرضه ونفله. والظاهر والله أعلم أن هذا اللقب يقال إذا بلغ الإنسان منزلة عليا في العلم والاستقامة، فإنه يقال فيه مثل هذا اللقب، أو يقال تيمنا وطلبا لهذا المعنى، ولو كان هو لم يحصله قبل. وكانت هذه ألقاب تقال لكل من سلك طريق العلم، يعطي نفسه أو يعطى له من غيره لقبا، كأنه يقال: إن شاء الله تكون أنت جلال الدين، وأنت تكون شيخ الإسلام، وأنت تكون شمس الدين، ونحو ذلك. وأما عن مشروعية هذه التسمية، فهي تسمية غير صحيحة، معناها مخالف لما تدل عليه الأدلة الشرعية، فقد قال الله سبحانه: «ولا تزكوا أنفسكم»، وأعلم بمن اتقى، ونهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الأسماء التي فيها تزكية، بل غير عددا من الأسماء التي فيها تزكية لرجال ولنساء. وليس هذا الموضع للكلام على هذا، لكن يكفي أن نعرف هذا المعنى. وقد أشار شيخ العلامة المحدث الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة إلى هذا المعنى، وبسط القول فيه. قال رحمه الله: وقد استعملت هذه التسمية في القديم، استعملها الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما. والصواب ما سمعنا أن الأولى ترك هذه الأسماء لما فيها من التزكية. قال: أسرته، أسرة آل تيمية من الأسر العريقة بحران، وقد اشتهرت بالعلم والدين. فجده أبو البركات مجد الدين من كبار أئمة الحنابلة، ومن مؤلفاته «المنتقى من أخبار المصطفى»، وهذا الكتاب المشهور الذي شرح من قبل الشيخ العلامة الشوكاني رحمه الله في كتابه «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار»، شرح الشوكاني المعروف. قال: الذي شرح الشوكاني بكتابه «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار». ووالده شهاب الدين عبد الحليم أبو المحاسن تولى المشيخة بعد والده، وعلم ولديه أبا العباس وأبا محمد. وأخوه أبو محمد شرف الدين تفقّه في المذهب الحنبلي وبرع فيه، فهي أسرة علم، الأب والأخ والجد كلهم علماء. قال: شيوخه، يقول تلميذ بن عبد الهادي: وشيوخ الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ. ومن أشهرهم شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن قدامة المقدسي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وأمين الدين أبو اليقظان عبد الصمد بن عساكر الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ست وثمانين وستمائة، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد القوي بن بدران المرداوي المتوفى سنة ست وثلاثين وسبعمائة. قال: تلاميذه، كان شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله وما زال مدرسة عريقة، تتلمذ فيها في عصره كثير من العلماء، ولا يزال يتتلمذ عليها إلى يومنا هذا عبر مؤلفاته الجم الغفير. ومن أشهر من تتلمذ على يده شمس الدين بن عبد الهادي المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وشمس الدين الذهبي المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وشمس الدين بن القيم المتوفى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وشمس الدين بن مفلح صاحب «الآداب الشرعية» المتوفى سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وعماد الدين بن كثير صاحب التفسير المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة. وكل واحد من هؤلاء نقل الشيء الكثير من علم الشيخ. فأما ابن عبد الهادي ففي ردوده ومؤلفاته، وأما الذهبي ففي كتبه في التاريخ والسير، فإنه كثيرا ما ينقل عن شيخ الإسلام ويذكر شيئا من أحواله. وأما ابن القيم فما من كتاب كتبه إلا ويحيل إلى شيء من علم الشيخ. وأما ابن مفلح ففي كتاب «الآداب الشرعية» وفي كتاب «الفروع»، فإنه ينقل عن الشيخ كثيرا، بل لا تكاد تجد بابا من الأبواب إلا وينقل فيها نقلا عن الشيخ. بل قيل: إن أعرف تلامذته بآرائه الفقهية هو ابن مفلح. وأما ابن كثير فينقل عنه كثيرا، ولكنه لم يكن بالمعرفة كابن القيم وابن عبد الهادي وابن مفلح، فهؤلاء الثلاثة من أعرف الناس بمذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: مذهبه، نشأ بليغا، ثم كان منه ما قال عنه الذهبي: وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده. ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها. وهذا من الذهبي رحمه الله، كفى بها شرفا وفخرا. والذهبي هو هو في الإمامة والجلالة والعلم والمعرفة. قال رحمه الله: عقيدته، يجيبنا هو عن عقيدتي بقصيدة نظمها، فقال: يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي... رزق الهدى من للهداية يسأل. اسمع كلام محقق في قوله... لا ينتقي عنه ولا يتبدل. ثم ذكر القصيدة اللامية المشهورة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: مؤلفاته، وعن مصنفاته يقول الذهبي: جمعت مصنفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله، فوجدته ألف مصنف، يعني ألف مصنف. ثم رأيت له أيضا مصنفات أخرى، يعني غير الألف. ومعناه أنه ألف أكثر من ألف مصنف. قال: وتصنف تلميذه النجيب بن القيم الجوزية كتابا سماه «أسماء مؤلفات ابن تيمية»، حققه صلاح الدين المنجد وطبع بدار الكتاب الجديد ببيروت. قال: وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين، شهد له بذلك خصمه ابن الزملكاني، وهو مشهور بحسن ترتيباته وتقاسيمه وتبيينه. قال: وكان يتكلم اللغة العبرية، أي اليهودية، واللغة اللاتينية، ويفهم ذلك من قوله: «والأي الألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر». وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية. ويذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان غاية في الذكاء وغاية في الحفظ، فربما يأخذ الكتاب بين يديه وعلى عجل فيعرف ما فيه وينطبع ذلك في صدره. وقرأ كتب أهل الكلمة والفلسفة، فعرفها وصار يرد عليهم من كتبهم. قال: صفاته الخلقية والخلقية. قال: أن صفاته الخلقية، فقد كان كريما مجبولا عليه، لا يتصنعه. وكان شجاعا، زاهدا في الدنيا، لا يتعلق منها بشيء. وكان يترفّع كثيرا من المباحات خشية الوقوع في المحرمات. وأما صفاته الخلقية، فقد كان أبيض اللون، أسود شعر الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمتي أذنيه. عيناه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، وهذا يدل على شدة الذكاء. كأن عينه تتكلم. قال: ربعة من الرجال، معتدل، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة، تعتريه حدة، لكنه يقهرها بالحلم. قال: جهاده، جاهد رحمه الله بلسانه وقلمه ويده، وحارب التتار، وحرض المسلمين ضدهم، وتقدم الصفوف في واقعة شقحب سنة اثنتين وسبعمائة، وصمد ضدهم في يوم مرج الصفر، ودخل على ملك التتار قازان وكلمه كلاما أثار دهشة الحاضرين لجرأته، كما هدد سلطان مصر لما فاوض يسلم بلاد المسلمين للتتار. قال: ثناء العلماء عليه، لقد أثنى على شيخ الإسلام أعداؤه وأقرانه قبل أصدقائه وتلامذته، حتى عدّ ابن ناصر الدين الدمشقي أكثر من ثمانين عالما من معاصريه أثنى عليه، وأفرد لذلك كتابه الشهير «الرد الوافر»، يرد فيه على محمد بن محمد العجمي الشهير بالعلاء البخاري المتوفى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، الذي زعم أن من قال عن ابن تيمية: شيخ الإسلام، فهو كافر. قال: ومن هذا الكتاب استخرجت أقوال أشهر مشاهير علماء عصره وعصر المؤلف ابن ناصر الدين. ولم أُثقل عليكم بتلامذته له، أمثال ابن القيم وابن كثير وابن عبد الهادي، لأنها كثيرة معروفة. فممن أثنى عليه خيرا وبين منزلته من الإسلام ابن سيد الناس، صاحب «عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير»، توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. قال رحمه الله: «لقيته ممن أدرك من العلوم حظا، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حظا. إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى فقهه فهو مدرك غايته، أو ذاكر أخبار الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رأى مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه». وقال شمس الدين الذهبي، صاحب «سير أعلام النبلاء»، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. قال رحمه الله: «أكبر من أن ينفث مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم». وقال بموضع آخر: «قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ، برع في العلم والتفسير وأفتى ودرس، وله نحو العشرين، وصنف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه. وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر. وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره في أيام الجمع، يعني من حفظه. وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مئتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحاحه وسقمه فما يبيد حق فيه. وأما يعني ما حواه عقله، وأما نقله للفقه ومذاهبه ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلا عن المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظير. وتتعجب كيف ينقل المتخصصون عنه رحمه الله، ما يدلك على إمامته في هذا الباب. فكثيرا ما تجد ابن كثير على جلالته في علم الحديث ينقل عن شيخ الإسلام وعن شيخ المزي في «البداية والنهاية» وغيرها من كتبه، تصحيحا وتضعيفا وتعليلا لعدد من الأحاديث، ويدلك ذلك على إمامته». قال: وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام، فلا أعلم له فيها نظيرا. ويدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدا. وتعرفون القصة التي وقعت بينه وبين صاحب «البحر المحيط»، فإنه ذكر لما ذكر له ما ذكر من المؤاخذات في اللغة، عجب وظن أن شيخ الإسلام متعالم، ولكن علم العلماء أنه ما تكلم إلا بعلم. قال: ومعرفته بالتاريخ والسيَر فعجب عجيب. أما شجاعته وجهاده وإقدامه، فأمر يتجاوز الوصف، ويتفوق النعوت. وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل. وفيه زهد وقناعة باليسير في المأكل والملبس. قال: وقال تقي الدين السبكي، وهل التاج السبكي صاحب «طبقات الشافعية الكبرى». قال رحمه الله معترفا: «معترفا بكبر قدره وغزارة بحره وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه بكل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، إلى أن قال: وقدره في نفس أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهد والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالأخذ الأوفى. وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان». انتهى كلامه رحمه الله، يعني أنه إنسان عجيب في ذلك الزمن. قال: وقال محمد بن عبد البر الشافعي. قال رحمه الله: «ما يغضب ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به». وقال كمال الدين ابن الزملكاني الشافعي، وكان من خصومه. قال رحمه الله عن شيخ الإسلام: «كان إذا سئل عن فن من العلم، ظن الرأي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك. ولا يعرف أنه ناظر أحدا من أقطاب معه، ولا تكلث في علم من العلوم، سواء كان من علوم الشرع أو غيره، إلا فاق في أهله والمنسوبين إليه. لم ير من خمسمائة سنة أحفظ منه، حتى قيل: حديث لا يحفظه شيخ الإسلام ليس بحديث، أو لا يعرفه ليس بحديث». قال: وقال ابن دقيق العيد القشيري المالكي الشافعي رحمه الله: «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد»، يعني غاية في الحفظ. ولهذا من نوادر ما نقل عنه، ومما تعجب منه العلماء، المؤلفات الكثيرة التي ألفها وهو في السجن، ما أنه ليست عنده كتب، ومع ذلك يحيل ويحقق ويفرق ويبين بما لا يستطيعه من عنده الكتب. قال: سابعا البرزالي، أبو محمد القاسم بن محمد الإشبيلي الأصل الدمشقي. قال عن ابن تيمية: «كان إماما لا يلحق غباره في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين. وكان إذا ذكر التفسير أبهت الناس من كثرة محفوظه وحسنه يراده، وإعطائه كل قول ما يستحق من الترجيح والتضعيف والإبطال. وخوضه في كل علم، كان الحاضرون يقضون منه العجب، حتى مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى والتجرد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى». قال: وقال أبو الحجاج المزي، صاحب «تهذيب الكمال». قال عن شيخ الإسلام: «ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أتبع له منه». وقال مرة: «لم ير مثله منذ أربعمائة عام»، يعني في تاريخ العلماء. قال: تاسعا ابن حجر العسقلاني، صاحب «فتح الباري». قال عنه: «ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان أعظم الناس قياما على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتناصح وتصانيف بذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت حصر». وقال أيضا: «لو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب التصانيف السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته. فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم والتميز في المنطوق والمفهوم، أئمة عصره من الشافعية وغيرهم، فضلا عن الحنابلة». قال: وقال بدر الدين العيني الحنفي، صاحب «عمدة القاري شرح صحيح البخاري». قال عن الشيخ: «هو الإمام الفاضل البارع التقي النقي الورع، الفارس في علمي الحديث والتفسير والفقه والأصولين، المراد بأصول الفقه وأصول الدين، بالتقرير والتحرير. والسيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بهمة وشجاعة وإقدام فيما يروحه ويزجره. كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، خشن العيش والقناعة من دون طلب الزيادة. وكانت له المواعظ الحسنة السنية، والأوقات الطيبة البهية، مع كف عن حطام الدنيا الدنية. وله المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوى القاطعة غير المعلولة». وقال منافحا وذابا عنه، ذاب من نال من عرضه. قال: «ليس هو إلا كالجعل، يعني هذا الذي يتكلم في شيخ الإسلام. قال: باجتمامي الورد يموت، حتى وأنفه، لأن الجعل إذا أخرجت من القاذورات تموت، ما تعيش إلا بين النجاسات والقاذورات. وهكذا الذي يتكلم في شيخ الإسلام. قال: وكالخفاش يتأذى ببهور سناء الضوء لسوء بصره وعفته. وليس لهم سجية نقادة، ولا روية وقادة. وما هم إلا سلقط بلقط، سلقط ومعنى أنهم مجهولون. قال: هو المكفر منهم الذي يكفر شيخ الإسلام. صل معه ابن قل معه، وهيهات ابن بيانه، وظل ابن ظلال، وظلال ابن التلال. ومعنى أنه من هو؟ إنما هو من النكرات الذين لم يعرفوا، فضلا عن أن يكون عنده من البدع والطوام والضلالات، وربما الكفريات ما يستحق أن يكون هو الذي يحكم عليه بهذا الحكم». قاله من الشائع المستفيض: «أن الشيخ الإمام العلامة العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية، من شم أرانيين الأفاضل، ومن جم براهين الأعلام، الذي كان له من الأدب مآدب تغذي الأرواح، ومن نخب الكلام له سلافة تهز الأعطاف المراح، ومن يانع ثمار أفكار ذوي البراعة، طبعه المفلك في الصناعة، الخالي عن وصمة الفجاجة والبشاعة. وهو الكاشف عن وجوه مخدرات المعاني نقابها، والمفترق عرائس المباني بكشف جلبابها. وهو الذاب عن الدين طعن الزنادقة والملحدين، يعني طعن فيهم بما أبان من عوارهم. والناقض للمرويات عن النبي سيد المرسلين، وللمأثورات من الصحابة والتابعين». انتهى كلامه رحمه الله. طيب هذا خلاصة ما ذكره رحمه الله. ثم ذكر بعد ذلك بعض الافتراءات على شيخ الإسلام، وأجاب عليها. لكن لا نحب أن نطيل، نكتفي بهذا. وإن شاء الله نكمل ما تيسر في درس لاحق. قال: إذا كان الأولى ترك التسمي بشيخ الإسلام، فهل يترك إطلاق شيخ الإسلام على ابن تيمية؟ لا، لا يترك، لأنه اشتهر بهذا، فصار علما عليه.