الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 15، الدرس الخامس عشر : (والكتب جمع كتاب ... وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالكتب السماوية يشمل الإيمان بالكتب المعروفة والإيمان بما عداها إجمالا، ويكون على مرتبتين: إيمانا مجملا وإيمانا مفصلا. الإيمان بالكتب المعروفة مثل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن هو جزء من الإيمان.
يتناول المقطع الكتب السماوية المذكورة في القرآن والتي أنزلت على الرسل، ويشير إلى ضرورة الإيمان بالرسل المذكورين تفصيلا وبمن لم يذكر مجملا. الكتب المذكورة هي صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن.
يجب الإيمان بالرسل والأنبياء إجمالا دون البحث عن عددهم، ويجب الإيمان بأنهم بلغوا الرسالة وبينوها بيانا واضحا، وأنهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان. أفضل الرسل هم أولو العزمي مثل محمد وإبراهيم.
أولو العزم من الرسل هم محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح، وقد وردوا معًا في آيات قرآنية مما يدل على أهمية رسالتهم واتفاقها في الدعوة إلى إقامة الدين. هؤلاء الرسل لهم مكانة خاصة في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال قوله: والكتب، جمع كتاب، وهو من الكتب بمعنى الجمع والضم، والمراد بها الكتب المنزلة من السماء على الرسل عليهم الصلاة والسلام. والمعلوم لنا منها: صحف إبراهيم، والتوراة التي أنزلت على موسى في الألواح، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أنزل على داود، والقرآن الكريم الذي هو آخرها نزولا، وهو المصدق لها والمهيمن عليها. وما عداها يجب الإيمان به إجمالا. هذا المبحث جعله رحمه الله في بيان قوله: والكتب أو كتبه، فمن الإيمان بالله: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. فقوله: والكتب، يعني في قوله: وكتبه، جمع كتاب، وهو من الكتب بمعنى الجمع والضم. هذا معنى الكتب، ولهذا سمي الكتاب كتابا؛ لأنه تجمع فيه المعلومات وتضم بعضها إلى بعض، فيجمعها جامع واحد فهو كتاب. قال: والمراد بها الكتب المنزلة من السماء، إذا قيل: الكتب في هذا الموضع، فليست كل كتب، ولكن الكتب المنزلة من السماء على الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذه الكتب هي كلام الله، سواء المنزل على إبراهيم أو المنزل على موسى أو عيسى أو نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا كله كلام الله، تكلم الله سبحانه وتعالى به على ما يليق بجلاله وعظمته. ثم قال رحمه الله: والمعلوم لنا منها صحف إبراهيم وموسى، فالله عز وجل أثبت ذلك في كتاب ربنا الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو القرآن. وهكذا كذلك التوراة والإنجيل والزبور، كل ذلك مما أخبرنا به مفصلا، فنؤمن به. ولهذا يقولون: الإيمان بالكتب يكون على مرتبتين: إيمانا مجملا، وهو الإيمان بكل كتاب أنزله الله وأخبرنا به، علمنا منه ما علمنا، وما لم نعلم نؤمن به لو قدر وقوعه كما كان، وهذا تمام التسليم لله سبحانه. ومن الإيمان المفصل -وهي المرتبة الثانية- أن نؤمن بتفاصيل الكتب التي أخبرنا بها في الكتاب أو في السنة. ولم يعلم من الكتب التي ذكرت مفصلا إلا هذه الخمسة التي ذكرها: صحف إبراهيم، والتوراة التي أنزلت على موسى، وهكذا كذلك الإنجيل الذي على عيسى، والزبور الذي على داود، والقرآن الذي على محمد عليه الصلاة والسلام، هذه خمسة. وبعضهم فصل بين الصحف وبين التوراة والألواح، فجعلها مختلفة، فعلى هذا تكون ستة، فيكون أنزل على موسى التوراة، وأنزل عليه الألواح. وفي الحقيقة كلاهما أنزل على نبي واحد، فالمهم نؤمن بذلك كله، نؤمن بأن هذا مما أنزل مفصلا كما أخبرنا الله عز وجل. وهكذا كذلك ما لم نعلم، لو قدر وجود شيء فنحن نؤمن به، لكننا ما نجزم بأن هناك شيء. ولهذا ذكر بعض أهل العلم في قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، بأن كل رسول أنزل معه كتاب. وهذا القول وإنه اجتهد رحمه الله في القول به، وكان معقولا من جهة عموم الله، لكنه غير معلوم من جهة قول أهل العلم به. فالأحوط أننا نقول: ما نعلمه أثبتناه، وما لا نعلمه لو علمنا به أثبتناه. وما دمنا لا نعلم به فهو ممكن، ولا نجزم به؛ لأنه من الغيب، وقد أمرنا بالكف عن الغيب. قال رحمه الله تعالى: والرسل جمع رسول، وقد تقدم أنه من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه. والصواب أنه ليس هذا هو تعريف الرسول، وقد مر هناك التفريق بين النبي والرسول: أن الرسول من أوحى بشرع جديد، والنبي من كان تبع لشرع من قبله، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام بكتاب النبوات رحمه الله. قال: وعلينا أن نؤمن تفصيلا بمن سمى الله بكتابه منهم، وهم خمسة وعشرون، ذكرهم الشاعر في قوله: «في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر، ويبقى سبعة وهم -يعني في قول الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره- ذكر ثمانية عشر رسولا أو نبيا ورسولا، ثم قال: ويبقى سبعة وهم إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا»، فهؤلاء خمسة وعشرون كما ذكر رحمه الله، فنؤمن بهم جميعا على هذا التفصيل الذي ذكرت فيه أسماؤهم، وما ذكر كذلك من أوصافهم، وما ذكر كذلك من فضائلهم، نؤمن به مفصلا، كما أننا نؤمن مجملا بما لم نعلم أسماءهم. قالوا: أما من عد هؤلاء من الرسل والأنبياء، فنؤمن بهم إجمالا على معنى الاعتقاد بنبوتهم ورسالتهم، دون أن نكلف أنفسنا البحث عن عدتهم؛ لأنهم اختلفوا بذكر عددهم على بعض ما روي من الإسرائيليات والآثار في ذلك. فمنهم من قال: مئة وثلاثة، ومنهم من قال: أقل أو أكثر، وبعضهم أوصلهم إلى عشرة آلاف وبضعة عشر، وهذا كل يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك. قال رحمه الله: فإن ذلك مما اختص الله بعلمه، وأسمائهم كذلك، أسماء هؤلاء لا نعلمهم؛ لأن الله جل وعلا ما علمنا بهم. قال: فإن ذلك مما اختص الله بعلمه، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، فما دام أن الله عز وجل أخبر أنه لم يقصصهم علينا، فلماذا نقوض في شيء ما نعلمه، وهو من الغيب؟ والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: ويجب الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسل به على ما أمرهم الله عز وجل، وبينوه بيانا لا يسع أحدا ممن أرسل إليه جهله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يرسله -يعني بالآيات- ما على مثله يؤمن البشر». قال: وبيّنوه بيانا لا يسع أحدا ممن أرسل إليه جهله. وأنهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان والبلادة؛ لأن الأنبياء الذين يحملون الرسالة هم أكمل الخلق، فلذلك عصموا. عصمهم الله سبحانه وتعالى بتوفيقهم، لا بجبرهم، وفرق بين المسألتين. وننتبه وفقهم الله جل وعلا، فهو سبحانه يعلم أين يضع رسالته، هو أعلم حيث يجعل رسالته، فهو اصطفى من رسله من يشاء، فوفقهم الله سبحانه وتعالى للإحسان، فلذلك فهم منزهون عن كل مذموم من الصفات. قال: وأن أفضلهم أولو العزمي، والمشهور أنهم محمد وإبراهيم، فالرسل والأنبياء تفاضلون. تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، وأفضل هؤلاء الرسل هم أولو العزم. ولم يأتي دليل صحيح صريح يدل على ذكر تسميتهم: أن هؤلاء فلان وفلان بأسمائهم من الرسل هم أولو العزم، لم يأتي دليل صحيح صريح في ذلك. لكن العلماء أخذوا ذلك من اقتران ذكرهم في مواضع يدل على أنهم هم أولو العزم. قال رحمه الله: والمشهور أنهم محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح؛ لأنهم ذكروا معا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، فدلت هذه الآيات على أن اقترانهم يدل على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. فهي مسألة ليست مجزوم بها، لكن هي تقريبية مما فهموه وعلموه من مقتضى النصوص. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا المبحث، والله تعالى أعلم.