الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 72، الدرس الثاني والسبعون:(الأصل الرابع:إثبات جميع ما ورد به الكتاب والسنة ... وإثبات ما للصفة للذات المجردة محال في العقل كما هو باطل في الشرع). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك على وجوب إثبات جميع صفات الله الواردة في الكتاب والسنة. يبين أن المخالفين في هذا الأصل ينقسمون إلى فريقين: الجهمية والمعتزلة.
يناقش معتقد المعتزلة في إثبات الأسماء ونفي الصفات، ويبين بطلان قولهم وتناقضه مع نصوص الكتاب والسنة. يشير إلى أن قولهم مخالف للمعقول والمنقول.
يناقش مفهوم الأسماء والصفات الإلهية ويرد على القول بالمجاز في استعمال الأسماء. يشير إلى بطلان هذا القول وعدم وجود أساس له في اللغة أو الشرع.
يناقش ادعاء نقل معنى كلمة الصلاة ويشير إلى عدم وجود دليل على هذا الادعاء. يوضح المعنى الصحيح للصلاة وأنه يتعلق بالحنو والعطف.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: قال الأصل الرابع: وإثبات جميع ما ورد به الكتاب والسنة من الصفات، لا فرق بين الذاتية منها كالعلم والقدر والإرادة والحياة والسمع والبصر ونحوها، والفعلية كالرضى والمحبة والغضب والكراهة. وكذلك لا فرق بين إثبات الوجه واليدين ونحوهما، وبين الاستواء على العرش والنزول، وكلها مما اتفق السلف على إثباته بلا تأويل ولا تعطيل، وبلا تشبيه ولا تمثيل. ومر معنا الكلام على تفاصيل تقاسيم أهل العلم فيما روي من مباحث الصفات، وعلى ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وتلك التقاسيم علمت بالاستقراء وبكلام أهل العلم في ذلك. ويريد رحمه الله تعالى أن الواجب إثبات جميع ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة في مباحث الصفات، وهو يشير بذلك إلى ما خالف فيه بعض المخالفين من أهل الأهواء المعطلة في باب الصفات، سواء كان ذلك التعطيل على وجه التمثيل والتشبيه المنافي لأدلة الكتاب والسنة. وقد قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كفعل بعض الرافضة ومن شابههم وقاربهم من بعض المتصوفة الذين سلكوا مسلك التمثيل والتشبيه المذموم. وهكذا كذلك في مقابل هؤلاء المعطلة الذين عطلوا مباحث الصفات بطريق التحريف، سواء التحريف اللفظي أو التحريف المعنوي. ثم قال رحمه الله تعالى: والمخالف في هذا الأصل فريقان، قال الجهمية ينفون الأسماء والصفات جميعا، والمعتزلة فإنهم ينفون جميع الصفات ويثبتون الأسماء والأحكام، فيقولون: عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وحي بلا حياة إلى آخره. وهذا القول في غاية الفساد، فإن إثبات موصوف بلا صفة، وإثبات ما للصفة للذات المجردة محال في العقل، كما هو باطل في الشرع. وأشار رحمه الله إلى مذاهب أهل التعطيل من المحرفة دون الممثلة، لأن مذهب الممثلة ظاهر البطلان، ومذهب المحرفة فيه شبهة، فإنه قد يغتر بهم من يدعي التنزيه. ولهذا فإن المتابع لهؤلاء من أهل الضلال في باب الصفات أكثر من المتابع للممثلة، الممثلة في الواقع قليل بالنسبة للمحرفة، وكلهم أهل تعطيل للصفات. ولهذا كان الكلام على هؤلاء أكثر في كتب أهل العلم. أما الجهمية فكما قال: ينفون الأسماء والصفات جميعا، والمراد بهم هاهنا الغلاة، وهم الذين يسمون أحيانا بالنفاة. وهؤلاء أهل مذاهب وفرق، الغالب العام فيهم أنهم ينفون جميع الأسماء والصفات. وما نقل عن بعضهم أنهم يثبتون إسما أو إسمين أو ثلاثة، فهم يثبتونها جامدة لا معاني لها، كما سيأتي معناه من كلام المعتزلة. وهؤلاء وهؤلاء هم شر أهل البدع والأهواء في باب الصفات، وأصلهم هو الجعد بن درهم، كما تقدم، ونشر مقالته عنه الجهم بن صفوان. ثم المعتزلة الذين هم أفراخ الجهمية، فقولهم متولد من قول الجهمية، فإنهم ينفون جميع الصفات ويثبتون الأسماء والأحكام. ومعنى يثبتون الأسماء أو الأحكام، أي يثبتون أسماء مجردة لا معاني لها، فيقولون: عليم بذاته، أو يقولون: عليم، أي لا يجهل. فهم لا يثبتون صفة العلم لله سبحانه وتعالى، ولكنهم يثبتون لفظ عليم من دون إثبات معنى صفة فيه. فأحيانا تجدهم يقولون: عليم بذاته، وأحيانا يقولون: عليم لا يجهل. ويريدون عليم بذاته، أي أنه ليس لله صفات متعددة، زعموا أن إثبات الصفات المتعددة هذا من خصائص المخلوقين، وليس هو مما يوصف به الرب. وزعموا أن لازم وصف الرب بصفات متعددة كالعلم والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر وغيره، يستلزم تعدد الذات أو تبعضه، تعدد الذات أو تبعضه. وهذا اللازم ليس بالصحيح، لأن الكلام في الذات، الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فإن كنا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت لله صفات لا كالصفات. فإن قيل لهم: لماذا لا تقولون أن ذات الرب التي أثبتتموها هي كذوات المخلوقين؟ قالوا: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فيقال لهم: كذلك أثبتوا لله صفات لا كالصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أثبتوه إثبات وجود، لا تثبتوه إثبات تكييف وتمثيل. فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالواجب البقاء على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وبه تعرف أن قولهم: عليم بذاته، المراد به تعطيل صفة العلم، ويزعمون بذلك تنزيه الرب عن التعدد والتبعض. وهذا الزعم باطل، معارض لنصوص الكتاب والسنة، ومخالف للمعقول والمنقول. وقوله رحمه الله: فيقولون عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، هذا كما سبق، يعني أن هؤلاء في الحقيقة يثبتون ألفاظا لا معاني لها، ويزعمون أن أسماء الرب جل وعلا جامدة. وهذا القول في الحقيقة هو عين تشبيه الخالق بالمخلوق، فإن أسماء المخلوقين هي الجامدة. أما أسماء الرب جل وعلا فهي حسنى، كما أخبر سبحانه: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا». ومن حسنها أنها متضمنة لمعاني تدل عليه تلك الألفاظ، لها حقائق في الوجود، بخلاف أسماء المخلوقين فهي جامدة، ليست حسنى. رجل اسمه صالح لا يلزم أن يكون صالحا، ورجل اسمه جميل لا يلزم أن يكون جميلا، ورجل اسمه عبد الله لا يلزم أن يكون عبدا لله، فقد يكون عبدا للشيطان والعياذ بالله. فأسماء المخلوقين أسماء جامدة لا تستلزم معانيها المتضمنة لها. أما أسماء الرب جل وعلا فهي أسماء كاملة في الحسن، وهذا هو لفظ القرآن والسنة: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى». «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة»، فهي كاملة في الحسن. وأما قوله: وهذا القول في غاية الفساد، فإن إثبات موصوف بلا صفة، وإثبات ما للصفة للذات المجرد محال في العقل. يريد أن اسم العليم مثلا يستلزم وجود معنى صفة العلم، واسم القدير يستلزم وجود معنى صفة القدرة، واسم الحي يستلزم إثبات وجود معنى الحياة، وهكذا. وهذا شيء يستلزمه مدلول اللغة والعقل، فضلا عن مدلول الشرع. مدلول اللغة والعقل يستلزم إثبات ما تضمنته هذه الأسماء من معاني. فخرج هؤلاء الظلال المعتزلة عن مدلول اللغة والعقل والشرع. وبه تعرف أن هؤلاء في الحقيقة سلكوا مسلك الكفرة من الفلاسفة وغيرهم. فهذا هو مبتدأ قول المعطلة في باب الأسماء والصفات. ولهذا فإن حقيقة مذهب الفلاسفة التعطيل المطلق في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي غيرها من مباحث الدين. فكل شيء عندهم لفظي ليس له معنى. فالآخرة، اليوم الآخر، والبعث النشور، وغير ذلك من مباحث اليوم الآخر، كله عند الفلاسفة ألفاظ لا معنى لها. وهم الذين يسميهم العلماء بأهل التخييل، أي يزعمون أن هذا كله تخييل ليس له حقيقة ووجود. وهكذا كذلك هؤلاء فإنهم سلكوا هذا المسلك في باب الأحكام في الصفات. ولهذا قال: ويثبتون الأسماء والأحكام، يعني أحكاما باطلة خارجة عن مقتضى الشرع واللغة والعقل. والمعتزلة سبق الكلام عليهم وعلى مذهبهم فيما تقدم بما يغني عن الإعادة. طيب، هذا سائل يقول: وجدت في فتح المجيد الكلام التالي في مسألة الصلاة أنها نقلت عن مسماها في اللغة وصارت حقيقة شرعية عندي شريعة، صوابه شرعية، واستعملت في هذه العبادة مجازا للعلاقة بينه وبين المسمى اللغوي. وقرأت أن نقل المعنى إلى معنى لوجود العلاقة بينه، وأن هذا عين الكلام بالمجاز. نعم، هذا القول ليس بصحيح. وهذا اشتهر في كلام الكثير من الشراح، ولكنه ليس بصحيح. وتحت هذا المبحث أو هذه العبارة مباحث كثيرة. أولها أن القول بالمجاز باطل، ليس بالصحيح، فليس باللغة ولا بالشرع مجاز. وعلى وجه الاختصار، وقد سبق الكلام على هذا في الكلام على معنى الصلاة في أوائل هذا الشرح. وثانيها أن هذا الفعل، وهو أو هذا الادعاء بأنها أطلقت أولا في معنى ثم نقلت إلى غيره، هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك. وثالثها أن الصحيح في معنى الصلاة ليس هو ما ذكر، بل الصحيح أن معناها فيه معنى الحنو والعطف، على ما سبقت الإشارة إليه في أوائل هذا الكتاب، فيرجع إن شاء الله إليه في الموضع المحال إليه. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.