شرح العقيدة الواسطية للهراس 93

شرح العقيدة الواسطية للهراس 93

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 93، الدرس الثالث والتسعون:من( والقرآن كلام الله حيث تصرف فمهما كتبناه في المصاحف ... وبالإنجيل بالسريانية وبالقرآن بلسان عربي مبين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف القرآن ككلام الله وبيان حقيقته

القرآن هو كلام الله حيثما تصرف، سواء كتب في المصاحف أو تلي بالألسنة. يضيف الكلام إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا، وهذا يستدل به على أن القرآن كلام الله حقيقة.

الرد على القائلين بالكلام النفسي وتفسير قول السلف

يناقش آراء الطوائف حول الكلام النفسي ويبين أنها باطلة وضالة. يشرح قول شيخ الإسلام حول تفسير قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، موضحا أن الكلام ينسب إلى الله ابتداء وهو صفته القائم به.

تفاصيل الإيمان بكلام الله والرد على المخالفين

الإيمان بالقرآن يتضمن الإيمان بأنه كلام الله بحروفه ومعانيه. يرد على من فرق بين الحروف والمعاني، مثل الكلابية والأشاعرة والماتريدية، ومن زعم أن كل ما خلقه الله كلام له.

التمييز بين كلمة "كن" والمخلوقات

يتم التمييز بين كلمة "كن" التي يتكلم بها الله تعالى وهي صفة غير مخلوقة، والمخلوقات التي تنشأ نتيجة هذه الكلمة. كلمة "كن" هي سبب وجود المخلوقات وليست هي المخلوقات نفسها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله حيث تصرف، فمهما كتبناه في المصاحف أو تلوناه بالألسنة لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله؛ لأن الكلام كما قال المصنف: إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. ويريد قول المؤلف رحمه الله تعالى في ذلك، بعد أن ذكر الحكاية والعبارة، قال: «بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بالمصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا». فأنت إذا قلت: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، هل هذا كلامك؟ الجواب: لا، كلام من؟ كلام النبي عليه الصلاة والسلام. فالكلام ينسب لمن قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا، فكونك تكلمت به مبلغا لم يخرجه عن كونه كلام المبلغ عنه. وهكذا كذلك كلام الله سبحانه، ولله المثل الأعلى، فكون جبريل عليه الصلاة والسلام بلغه محمدا عليه الصلاة والسلام لم يخرج عن كونه كلام الله، وكون النبي عليه الصلاة والسلام بلغه الناس لم يخرج عن كونه كلام الله؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله ويضاف إلى من قاله حقيقة وابتداء لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾، نزل به من عند من؟ من عند الله سبحانه وتعالى. فالكلام يضاف إلى من قاله ابتداء ومن قاله حقيقة. ويريد بذلك رحمه الله أن يرد على الأشاعرة والمعتزلة وسائر طوائف أهل البدع والضلال الذين نفوا هذا الكلام عن الله، إما بنفيه بالكلية كالجهمية وقريبا منهم المعتزلة، أو بتلك الطريقة الأخرى: طريقة الكلابية والأشاعرة والماتريدية الذين زعموا بالكلام النفسي، وأن ما في الوجود هو معنى كلام الله وليس هو كلام الله، وأن كلام الله هو القائم بالنفس. وقد مر معنا الكلام على الحكاية والعبارة، وأنهم اختلفوا في حقيقة القائم بالنفس، فعبر لأجل ذلك الكلابية بالحكاية، أي: لهذا الموجود قاله حكاية، على اعتبار أن ما في النفس متميز بين أمر ونهي وخبر واستخبار. وأما الأشاعرة فإنهم لما كانوا يزعمون أن ما في النفس لا يتميز إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، فإنهم عند ذلك قالوا: هو عبارة؛ لأنه ليس هناك شيء يحكى، ليس هناك شيء متميز، والجميع متفقون على أن الذي في الوجود ليس هو كلام الله، أي: القرآن، وأن كلام الله هو الكلام القائم بالنفس، وهذا باطل ترده أدلة الكتاب والسنة. وعلى هذا قال شيخ الإسلام: أن تبليغ جبريل، أي: معنى كلامه، وتبليغ النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج الكلام عن كونه كلام الله؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله ابتداء ومن قاله حقيقة. وينبغي أن ينتبه لهذا الملحظ؛ فإنه سبب ضلال من ضل من هذه الطوائف القائلة بالكلام النفسي، ومع ذلك انظر إلى خلافهم فيما بينهم، وصدق الله إذ قال: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، فإنك تجد هؤلاء فقط القائلين بالكلام النفسي: الكلابية والأشاعرة والماتريدية، هم فيما بينهم مختلفون كما رأيت. وقد أشار العلماء إلى بعض ذاك الخلاف الذي بين هذه الطوائف الثلاث، الذي يدلك على حقيقة هذا الباطل الذي زعموه ونسبوه إلى كلام الله تعالى، الله عن قولهم علوا كبيرا. فالأشاعرة، وهم أشهر هذه الفرق الثلاث، هم القائلون بالكلام النفسي، والقائلون بالعبارة، واستلزم ذلك عندهم أن يقولوا: أن هذا الذي في الوجود مخلوق، أي: كلام الله الذي هو القرآن مخلوق، وهذا كفر للعياذ بالله؛ فإن دلالة الكتاب والسنة دلت على أنه ليس بمخلوق، كما مر معنا في درسنا السابق، وفي كلامنا أيضا في مبحث السنة فيما يتعلق بالقرآن وأنه كلام الله. وهكذا ضدهم أو على خلاف ذلك الكلابية؛ لما كانوا يقولون: أن ما في المصاحف هو حكاية عما هو قائم بالنفس، فإذن هم لم يقولوا أنه مخلوق؛ لأنهم زعموا أنه حكاية عما في النفس، وما في النفس ليس بمخلوق، فحكاية المخلوق ليست مخلوقة. والماتريدية وقفوا في موقف وسط بين الأشاعرة والكلابية، وكلهم على باطل وعلى ضلال، كلهم على باطل وعلى ضلال، ويثمر أو ينتج عن ذلك أقوالا وتفريعات كلها باطلة؛ لأن مبناها على شيء باطل. قال رحمه الله: «أما معنى قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، فهو من البدء، يعني: أن الله والذي تكلم به ابتداء لم يبتدئ من غيره، هذا أحد التفاسير لمعنى منه بدأ وإليه يعود». قال: «ويحتمل أن يكون من البدء بمعنى الظهور، يعني: أنه هو الذي تكلم به وظهر منه لم يظهر من غيره، وكل المعنيين صحيح، ولكن أكثر تعابير السلف تدل على الأول: منه بدأ، أي: تكلم به ابتداء». قال: «ومعنى إليه يعود، أي: يرجع إليه وصفا؛ لأنه وصفه القائم به، ومعنى يرجع إليه وصفا: أي الكلام ينسب ويضاف إلى من قاله ابتداء، فهو كلام الله فهو صفته، وهذا معنى إليه يعود، يعني: تبليغ المبلغين وتكلم المتكلمين به لا يخرجه عن كونه كلام الله، هذا أحد تفسيرين في معنى وإليه يعود». وتفسير آخر قال: «وقيل معناه: يعود إليه في آخر الزمان حين يرفع من المصاحف والصدور، وقد دل عليه حديث حذيفة عند ابن ماجة، فيما صححه الحافظ ابن حجر والشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، قال: كما ورد في أشراط الساعة، ويشير إلى حديث: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة» الحديث، وفيه: أن كل ما في الإسلام يرفع في آخر الزمان». قال: «وأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلاً بالإيمان بالكتب، فإن الإيمان بها إيماناً صحيحاً يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها، وأنها جميعاً كلامه هو لا كلام غيره، فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية، وبالإنجيل بالسريانية، وبالقرآن بلسان عربي مبين، وهذا ظاهر وواضح». وأما قول المؤلف: «وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف»، فهذا تأكيد لما سبق، فقوله: «وكلام الله حروفه ومعانيه» رد على من زعم أنه ليس بكلام الله كالجهمية والمعتزلة، أو من أثبت أن الحروف أو أن المعاني كلام الله، والحروف ليست كلام الله، كمن؟ مثل من؟ من الذي يقول: المعاني كلام الله والحروف ليست كلام الله؟ من هم؟ كلابية والأشاعرة والماتريدية، فهم القائلون: أن المعاني كلام الله، ويزعمون -تعالى الله عن قولهم- المعنى القائم بالنفس، وهذا باطل، وأن الحروف ليس كلام الله. فعند الكلابية ماذا؟ عند الكلابية؟ حكاية، وعند الأشاعرة عبارة، عند الكلابية حكاية عن كلام الله، ليس هو كلام الله، وعند الأشاعرة عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، وهذا باطل. والماتريدية كان قولهم وسطا بين الأشاعرة والكلابية؛ لأن الكلابية يجعلون أن لله كلاما قائما بالنفس ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وهم لا يقولون بذلك، والأشاعرة لا يقولون بذلك، ولذلك لما كان الماتريدية يوافقون الأشاعرة في كل شيء إلا أنهم خالفوهم في قضية المعنى القائم بالنفس، فإنهم صار لهم قولا مشكلا من قولي الكلابية والأشاعرة. وأما قوله: «ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف»، أما «ولا المعاني دون الحروف» فواضح، أراد الكلابية والأشاعرة والماتريدية. وأما قوله: «ليس كلام الله الحروف دون المعاني»، قال بعض العلماء: أراد به المقابلة، وليس في الوجود قائل به، يعني: أراد المقابلة، مقابلة الكلام على اعتبار لو وجد قائل به لكان هذا رد عليه. وقال بعض أهل العلم: بل أراد به الرد على غلاة المتصوفة والفلاسفة والجهمية الذين قالوا: كل ما خلقه الله كلاما له، كل ما خلقه الله فهو كلام له، وهذا لازم قول هؤلاء الذين يقولون بالجبر كأولئك الصوفية ومن نحا نحوهم. وعلى هذا قولهم في البيت المشهور: «كل كلام في الوجود كلامه، سواء علينا نثره ونظامه»، فعندهم كل موجود فهو كلام الله، كل موجود هو كلام الله، وهذا على هذا التفسير وهذا المعنى يصح قول المؤلف: «ليس كلام الله الحروف دون المعاني»؛ لأن هؤلاء زعموا أن الحروف كلام الله دون المعاني، فجعلوا كل ما في الوجود من خلق الله هو كلام الله، ويريدون قوله سبحانه: ﴿كن فيكون﴾ الذي كان به الخلق. وهذا لبس وخلط وعدم تمييز بين «كن» الذي يكون به الخلق، وهي كلمة يتكلم بها الرب جل وعلا ليست مخلوقة، وما يكون من ثمرة هذه الكلمة من وجود المخلوق، فالمخلوق الذي خلق بقول «كن» ليس هو عين كلمة «كن»، إنما كلمة «كن» هو الذي كان به هذا المخلوق، فكلمة «كن» الذي قالها الله صفة لله ليست مخلوقة، وما وجد من المخلوقات بهذه الكلمة كلها مخلوقة لله سبحانه وتعالى، وفرق بين الكلمة وبين ما نشأ من أثر هذه الكلمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.