الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 56، الدرس السادس والخمسون : (أو قصد الدعاء والتوسلا ... بعيدة عن هدي ذي الرسالة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع الزيارة البدعية والقصد بالدعاء والتوسل بالأموات، ويصنفها إلى بدعة أو شرك. يوضح أن التوسل بالأموات قد يكون بدعة إذا اعتقد أنه سبب مشروع، وقد يكون شركًا إذا اعتبرهم وسائط بينه وبين الله.
يشرح المقطع حكم التوسل بجاه النبي أو الأولياء، ويبين أن التوسل المشروع يكون بأسماء الله وصفاته أو بالأعمال الصالحة أو بدعاء الرجل الصالح الحي. يحذر من التوسل البدعي الذي قد يصل إلى الشرك.
يناقش المقطع مسألة التوسل بجاه النبي أو الصالحين، ويستعرض بعض الأحاديث التي يستدل بها البعض على جواز هذا الفعل، ويبين ضعف أو عدم صحة هذه الأحاديث. يخلص إلى أن التوسل بذات الشخص أو جاهه هو أمر بدعي قد يصل إلى الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قصد الدعاء والتوسل بهم للرحمن جل وعلا فبدعة محدثة ضلالة، بعيدة عن هدي الرسالة. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى القسم الثاني من أقسام الزيارة، أي زيارة القبور، وهي الزيارة البدعية. فقال: «أو قصد الدعاء والتوسل بهم إلى الرحمن جل وعلا فبدعة محدثة ضلالة، بعيدة عن هدي الرسالة». وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى هو بعض الزيارة البدعية، وليس كل الزيارة البدعية. وهذا هو التنبيه الأول على هذين البيتين، أن الزيارة البدعية أعم من أن تحصر بالدعاء بالأموات المقبورين أو التوسل بهم، بل شد الرحل يعد من الزيارة البدعية، وقراءة القرآن عند القبور من الزيارة البدعية، وإقامة الموالد عند القبور من الزيارة البدعية، وكذلك إقامة الطعام والشراب وتوزيعه وتوزيع الصدقات حول القبور من الزيارة البدعية. فكل شيء لم يفعل على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويفعل عند القبور على وجه التعبد لله جل وعلا والتقرب إليه، فهو من الزيارة البدعية، ما لم يكن شركًا، فهو من القسم الثالث. والتنبيه الثاني على هذين البيتين، أن قوله رحمه الله تعالى: «أو قصد الدعاء والتوسل بهم إلى الرحمن جل وعلا فبدعة محدثة ضلالة، بعيدة عن هدي الرسالة»، يفهم من كلامه أن كل من قصد الدعاء أو التوسل بالأموات فإن فعله بدعة، وليس الأمر كذلك، بل الصحيح أنه يفصل به، فإنه قد يكون بدعة، وقد يكون شركًا. فمن قصد الدعاء بالأموات بأن طلب منهم، ظنا أن الله جل وعلا جعل ذلك سببا، وأنه من التوسل بالصالحين المشروع، فهذا من البدع، ونحوه التوسل بالجاه، وكذلك المنزلة والصلاح والولاية، فهذا من هذا الجنس من الدعاء البدعي والزيارة البدعية. وأما إذا كان قصد الدعاء والتوسل بهم ليس هو على هذا المعنى، وإنما على معنى أن يجعلوهم وسائط بينهم وبين الله جل وعلا، بأن يقربوهم إلى الله زلفا، فهذا ليس من البدعة، بل من الشرك، وهو الذي سماه الله جل وعلا عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فاتخاذ الوسائط بين العبد وربه على هذا الوجه هو من الوسائط الشركية. وفي معنى الشفاعة الممنوعة التي كان يعتقدها المشركون، المنفية التي نفاها الله عز وجل في كتابه. مثل هذه الشفاعة المنفية: من يأتي بمثال للشفاعة المنفية؟ هات يا محمد. نعم، لله عز وجل الشفاعة المثبتة والمنفية، بغير الله من الصالحين أو غيرهم. فقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ونحوها، هذا من الشفاعة المثبتة التي يقابلها الشفاعة المنفية. وشفاعة المشركين التي كانوا يظنونها أن هذه الأصنام تشفع لهم عند الله، وأن كذلك من عبدوهم من الصالحين، كاللات والعزى ومناة ونحوها، مما من دون الله عز وجل من الرجال الصالحين ونحوهم، بل وعيسى وعزير عليهم السلام، فهذا كله يعتبر من الشفاعة الشركية، لأنهم يظنون أنها تقع بغير إذن الله جل وعلا، وأن هؤلاء الأموات يملكون لهم نفعا أو ضرا على غير إذن الله عز وجل. وهذا ولو قصد بهم الواسطة، هي واسطة شركية. الصحيح في هذا التفصيل، والذي يأتي إلى الأموات أو القبور له ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يأتي إليهم فيطلب منهم مباشرة أن ينفعوه أو يضروه أو يدفع عنه الضر، وهذا من الشرك الأكبر. والثاني: أن يأتي إليهم ويخاطبهم كما يخاطب الأحياء، ويطلب منهم ما يطلبه من الأحياء، مما يجوز بحق الأحياء، الأول فيما لا يجوز إلا بحق الله، ما لا يملكه إلا الله، هذا شرك أكبر. مثل: طلب النفع أو دفع الضر أو كشف الغيب ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر. النوع الثاني: أن يأتي إلى هذا المقبور أو أصحاب هذه القبور، ويطلب منهم ما يطلب من الأحياء مما يستطيعه الأحياء، كان يطلب منه النصرة، فيقول: يا ابن علوان انصرني على عدوي، يا عيد روس اقضي عني ديني، يا محضار يا محضار يسر معاملة الأولانية. فهذا إذا طلبه من الحي فهو جائز، لأن فيما يستطيعه الحي، يستطيع الحي أن يفعل ذلك، لكن إذا طلبه من الميت، الميت لا يستطيعه. ولهذا حكم العلماء أن ذلك من الشرك، الشرك الأكبر، لا الشرك الأصغر، لأنه نزل هذا الميت منزلة الله جل وعلا، فإنه لا يفعل ذلك في الغياب وعدم الإمكان إلا الله جل وعلا، فهو الذي عنده الغيب والشهادة شيء واحد. فهو جعل لهذا ما لا يكون إلا لله عز وجل. سيصرح العلماء بهذا أن دعاء الميت أو الغائب بما يكون من دعاء الحي الحاضر، يعد من الشرك، لأنه جعل له من صفات الألوهية. من وجهة: جعله يعلم الغيب، والله عز وجل يقول عن الأموات: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ويقول: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ويدعي أن هذا يعلم الغيب، وكشف الغيب ليس هو إلا لله عز وجل. والأمر الثاني: أنه جعل له من القوة والقدرة ما ليس هو من قدرة المخلوقين، وهذا وجه ثاني يجعل هذا العمل من الأعمال الشركية. النوع الثالث من دعاء هؤلاء المقبورين: أن يأتي إليهم ويسألهم الدعاء، كما قال: أن يقصد بهم الدعاء من الله، يسأل بهم، لا يسألهم مباشرة، وإنما يسأل بهم، كان يقول مثلا: يا الله يا الله اغفر لي بجاه نبيك، أو يقولون: بكل نبي وولي. ومن يستحضر عبارتهم التي يكرروها دائما: بكل نبي وولي، وكلمات أخرى ثلاثة وأربعة بعدها، يريدون منها التعظيم للجاه ونحوه، والسؤال به، فهذا على التفصيل الذي سبق. وما هو هذا التفصيل؟ يا بشير، فاجعلهم واسطة كشفعاء المشركين، فهو الشرك الأكبر. والثاني: بدعة، متى؟ إذا جعلهم وسيلة، والله عز وجل لم يجعلهم وسيلة، وظن أن هذا سبب شرعي يجعله الله، فهذا بدعة. واستدلوا بحديث الاعمال الذي أشار إليه الشارح رحمه الله، بشرحه: أن رجلا أعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وطلب منه أن يدعو الله له بالشفاء من العمى، فقال له: «تصبر ولف الجنة»، فقال: بل ادعو الله لي يا رسول الله، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم له، وأمره أن يتوضأ ويصلي ويدعو بدعاء، ومن هذا الدعاء: أنه قال: أن يقول: «اللهم شفع نبيك في»، فاستدلوا بهذا الحديث، وببعض القاضي على أنه فيه جواز التوسل بجاه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث مع صحته ليس فيه دليل، لأنه من التوسل بدعاء الرجل الصالح، وهذا جائز. والتوسل المشروع يكون بأحد أمور ثلاثة: الأمر الأول: التوسل باسماء الله وصفاته، الأمر الثاني: التوسل بالأعمال الصالحة، الأمر الثالث: التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر. هذه ثلاثة أمور يصح فيها التوسل، وما سواه فهو من التوسل البدعي، وقد يصل إلى الشرك كما سبق. وجاء ببعض ألفاظ هذا الحديث، ألفاظ يستدلون بها على ما يريدون، وهي ألفاظ لم تصح. وقد نبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى على بعض هذه الألفاظ في رسالته «التوسل»، فيرجع إليه. وهكذا هناك بعض الأحاديث أذكرها لكم على وجه الاقتصار لأهمية هذا الباب وكثرة التشويش به من قبل عباد القبور. فمن هذه الأحاديث التي يستدلون بها على هذه المسألة: ما رواه محمد بن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا...» الحديث. قالوا: بهذا دليل على التوسل بحق السائلين. وهذا الحديث ضعيف لا يصح، فقد ذكره الشيخ الألباني في «الضعيفة» حديث 24، فهو من حديث بسعيد القدري، وفيه عطية العوفي ضعيف. ولو كان هذا مشروعا لو وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أو في الصحابة، والذي وقع في عهد الصحابة على خلاف ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما الذي فعله هو دعاؤه للرجل. لو كان الدعاء بالجاه ينفع لقال الرجل: اذهب إلى بيتك واسأل الله بجاه نبيك، فإن جاه نبيك عند الله عظيم، كما يحدث عباد القبور، وهو حديث لا يصح. وهكذا في عهد الصحابة، لما قحطوا في عام الرمادة، أصابهم القحط في عهد عمر بن الخطاب، جاء عمر إلى العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأت إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام معظم قدرا من العباس. ولو كان التوسل بالجاه مشروعا وجائزا لذهبوا إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنهم لم يفعلوا لعدم مشروعية هذا العمل، بل أتوا إلى العباس وطلبوا منه أن يدعو الله. فقال: «إن كنا نستشفع بنبيك إذا اقحطنا فتسقنا، وإن اليوم نستشفع بعم نبيك فسقنا، فقم يا عباس فادع الله لنا». فقام العباس فدعا، كما في الصحيح في هذه القصة. فهذا يدل على أن دعاء الرجل الصالح هو الذي يجوز التوسل به، أما التوسل بذات الرجل الصالح وجاهه ومنزلته عند الله، فهذا من الأمور البدعية، وقد تصل إلى الشرك والعياذ بالله. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا: أنه جاء كذلك حديث آخر، وهذا الحديث له طرق كلها ضعيفة، وفي بعضها متروك، وفي بعضها ضعيف جدا، ويرجع إليه في موضعه في «الضعيفة» حديث 24. ومن الحديث كذلك: ما جاءنا بأمامة مرفوعا: «أنه كان إذا أصبح يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا أمسى: اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من عبد، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك». هذا هو الشاهد. قالوا: إذن النبي عليه الصلاة والسلام سأل الله بحق السائلين، يعني بجاههم وعظم قدرهم. وهذا الحديث رواه الطبراني، وهو ضعيف، فيه فضال بن جبير، مجمع على ضعفه، بل قال ابن حبان: «شيخ يزعم أنه سمع بأمامة، يروي عنه ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها». وقال ابن عدي: «أحاديثه كلها غير محفوظة». وهذا ذكر في ترجمته، والحديث ذكره صاحب «المجمع» الجزء العاشر مئة وسبعة عشر. ومن الحديث الذي يستدلون به كذلك: ما جاء عن أنس أن فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنها، دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود يحفرون، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اللحد، فقال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبليك، فإنك أرحم الراحمين». فزعموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا لأمه بهذا الدعاء، وفيه السؤال بحق نبيه. وهذا الحديث منكر في لفظه، وفي متنه، وفي سنده. أما في سنده: ففيه روح بن صلاح، وهو ضعيف، ضعفه ابن عدي، وقال: «يروي عنه مناكير». وقال الدارقطني: «ضعيف في الحديث». وأما من جهة متنه: فإنه يخالف ما جاء به صحيح مسلم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». فعلم بهذا أن هذا مخالف للحديث الصحيح. ومن هذه الأحاديث التي يستدلون بها كذلك: ما جاء من حديث أبي بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أبو بن عبد الله بن خالد بن أسيد، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين»، يعني بحقهم وجاههم. فهذا لا يصح، لأن أبا ليست له صحبة، وهو حديث مرسل، وفيه علل أخرى كذلك. ولو صح، حمل على أنه إنما كان يستفتح بدعاء الصالحين من الصعاليك، الصعاليك المهاجرين، يعني فقرائهم وصغارهم الصالحين. وعن عمر كذلك مما يذكر: وعن عمر مرفوعا: «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي». فقال: «يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟» قال: «يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا...» الحديث. والحديث موضوع، كما قال الذهبي رحمه الله تعالى، رواه الحاكم، وقال: «ونبه الذهبي أنه موضوع». قال: «عبد الرحمن بن زيد بن أسلم واه، يروي الموضوعات». وهكذا من هذه الأحاديث: «توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم»، وهو حديث باطل لا أصل له. هذه أهم الأحاديث التي يستدلون بها، وهناك آثار كذلك يستدلون بها، وكلها ضعيفة لا تصح. طيب، ننتبه بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.