الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 92، الدرس الثاني والتسعون : (فصل:فيمن هو أفضل الأمة بعد الرسول ... جهاد من عن الهدى تولى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل الصحابة ومنزلتهم عند أهل السنة والجماعة، ويبين ثناء الله عليهم في القرآن وأثر ذلك في حبهم وتقديرهم. يشير إلى أن أهل السنة يذكرون الصحابة بالجميل.
يبرز فضل الخلفاء الأربعة وأفضلية أبي بكر الصديق بدليل الكتاب والسنة، ويشير إلى الآيات والأحاديث التي تبرز فضائله. يبين أن حب الصحابة يتأثر بمعرفة فضائلهم.
يتناول فضائل أبي بكر الصديق وأدلته على استحقاقه للخلافة بعد رسول الله، ويشير إلى إجماع المسلمين على ذلك. يحث على تقديم أبي بكر بناءً على الأدلة الشرعية.
يشير إلى ضرورة الرجوع إلى الأدلة الشرعية عند الشك، ويؤكد أن التقصير يكون من قبل الشخص نفسه إذا لم يتدبر هذه الأدلة. يلخص أهمية فهم واستيعاب الأدلة لتصحيح الفهم الخاطئ.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في منظومته: قال بصل في من هو أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر الصحابة بمحاسنهم والكف عن مساويهم وما شجر بينهم. قال رحمه الله تعالى: وبعده الخليفة الشفيق نعمى نقيب الأمة الصديق ذاك رفيق المصطفى في الغار شيخ المهاجرين والأنصار وهو الذي بنفسه تولى قتال من عن الهدى تولى أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على فضائل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وترتيب فضلهم ومنزلتهم. ويذكر أهل السنة والجماعة هذا المبحث في كتب الاعتقاد، وذلك لأنه قد قدح في الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم بعض أهل الأهواء وأهل البدع من الخوارج والنواصب. فإن بعض النواصب الذين تكلموا ببعض أهل بيت النبوة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا من أهل الأهواء، وكذلك بعض الروافض والخوارج الذين تكلموا في عدد أو في كثير من المهاجرين والأنصار، وهم كذلك على باطل وعلى بدعة. ولهذا جعل علماء أهل السنة والجماعة هذا الفصل في كتب الاعتقاد في بيان فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وذلك للتنبيه أولًا على أن هذا هو الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، وأن ما خالفه ليس من طريقة الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، بل هو من طريقة أهل البدع والأهواء. ولو أن الناس تركوا على ما هم عليه وعلى ما يجدون في المجتمع من ثقافات ومن كتب ومقالات لظلوا، ولكن من فضل الله عز وجل وتأييده ونصره أن هيأ لهذه الأمة من ورثة النبي عليه الصلاة والسلام الذين هم العلماء، من يبينون للناس الصواب من الخطأ والحق من الباطل والواجب من المحرم. فتبين للناس بالأدلة الشرعية الواضحة الظاهرة من الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة ما يتبين لهم به طريقة أهل السنة والجماعة التي يجب أن يكون عليها المسلم، وطريقة أهل البدعة والفرقة التي صار عليها الكثير من أهل الأهواء. ومن ذلك هذا الباب، باب الصحابة وحال الناس فيهم. فإن طريقة أهل السنة والجماعة هو البقاء على ما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة من ذكر فضائل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والإمساك عما وقع بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فلا يذكرون إلا بالجميل. لا يذكر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إلا بالجميل. أثنى الله عز وجل عليهم من فوق سبع سماوات، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهو القائل جل وعلا في حق المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وكذلك الآية الأخرى في حق الأنصار. فإن الله جل وعلا أثنى عليهم، أثنى على المهاجرين وعلى الأنصار، وأثنى كذلك على السابقين الأولين، فكل هؤلاء من الصحابة رضي الله عنهم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثنى على أصحابه، فقال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». وهكذا أثنى على أناس بأعيانهم، وكذلك بأوصافهم، مثل أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وبأعيانهم مثل العشر المبشرين بالجنة، ومثل الخلفاء الراشدين، ومثل كذلك عدد من الرجال والنساء من أثنى الله عز وجل عليهم على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. فبشر خديجة بالجنة ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، وهكذا بشر كذلك عائشة رضي الله عنها، والرميصة، وهكذا بشر من الرجال كثير، كعبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وبلال، وهكذا كذلك ثابت بن قيس بن شماس، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فالحاصل من هذا أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لهم فضل، وخص المؤلف رحمه الله تعالى وابتدأ بذكر الخلفاء الأربعة لأن لهم الفضل الأول، وهم أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على الإطلاق. فأفضل الصحابة هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاهم، بدليل الكتاب والسنة. فلم يذكر أحد في الكتاب بعينه وأثنى عليه بخصوصه مثل ما أثنى على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاهم. أثنى الله عز وجل عليه بكتابه، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خصائص سنته عليه الصلاة والسلام. فهو الذي أنزلت فيه -على القول الصحيح- قول الله جل وعلا في سورة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، نعم نزلت فيه -على القول الصحيح من أقوال أهل العلم- ﴿سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. وهكذا نزل فيه قول الله جل وعلا: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فهو ملازم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أول المهاجرين، وهو أول الناس إسلامًا من الرجال وإيمانًا به صلى الله عليه وعلى آله وسلم برسالته ومناصرة له رضي الله عنه وأرضاه. ومن فضائله أنه كان رضي الله عنه وأرضاه من خيار أهل الجاهلية، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». فلم يشرب الخمر قط لا في جاهلية ولا في إسلام، ولم يعرف أنه عبد وثنًا قط لا في جاهلية ولا في إسلام. فذكر أهل التاريخ والسير أن أبا قحافة أخذه -أخذ ابنه أبا بكر- أخذه إلى صنم من الأصنام ليعبده وليتقرب منه ويسأله، فلما ذهب أبوه قام أبو بكر فقال: إني جائع فأطعميني، قال: فلم تجبني بشيء. وقال: إني عار فكسيني، فلم تجيبه بشيء. وقال كذلك: إني ضعيف فأعينيني، فلم تجيبه بشيء. فرماها بحجر فانهدت وسقطت، فقال: مثل هذا لا يستحق أن يعبد، فتركها وما عبد الأوثان قط. ومثل هذه الفطرة تبين حقيقة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». ولهذا كان من أول الناس إيمانًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرجال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعده الخليفة الشفيق، أي أنه شفيق بهذه الأمة كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة عنه عليه الصلاة والسلام. نعم نقيب الأمة الصديق، والنقيب هو أخص الناس ملازمة للنبي، فالنبي يكون له نقباء يرافقونه ويصاحبونه. والصديق هو أخص من صاحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخصه بما لا يخص أحدًا من أصحابه، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». قال: ذاك رفيق المصطفى في الغار، يعني كما في الآية. شيخ المهاجرين والأنصار، يعني الكل يشهد له بالمشيخة، فلا أحد ينافسه في ذلك، بل هو شيخ المهاجرين والأنصار. فكان هو المقدم وهو كذلك المقدم في الإسلام وقبل الإسلام رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا لما مرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -كما في الصحيحين بهديث عائشة- أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فقال له بعض نسائه: إن أبا بكر رجل أسيف -أو سريع البكاء- في قراءته، فلو أنك قدمت عمر، فقال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر». فإن أبا بكر هو المقدم في كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإقرار الصحابة من المهاجرين والأنصار. قال: وهو الذي بنفسه تولى قتال من عن الهدى تولى، وذلك قتاله للردة، وهذا من فضائله رضي الله عنه وأرضاه. قال: ثانيه طيب، ذكر المؤلف رحمه الله هذه الفضائل الأربع، ويشير بذلك إلى غيرها. وقد ذكر في الشرح رحمه الله أحاديث كثيرة جدًا، الكثير منها صحيح، وقليل منها ضعيف، في ذكر فضائل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. ومما ينبه عليه هنا أن المسلمون أجمعوا على أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر، وهكذا كذلك في الخلافة أن ترتيب فضل الصحابة على ترتيبهم في خلافته. ولم يختلفوا في خلافة أبي بكر وأنه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل قال ابن حزم رحمه الله: دلت الأدلة الصريحة -أو قال: بالقرينة- أن أبا بكر عين من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه الخليفة. ومن هذه الأدلة أدلة كثيرة، ونذكر منها ثلاثة أدلة. الدليل الأول: ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في مرض موته: «يا عائشة، ادعي لي أبتي وأختي، أكتب كتابًا لا يختلف الناس»، فيتمنى متمنون -أو قال: ويرجو من يرجو- «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر». ومعنى ذلك -كما هو ظاهر- أنه أراد أن يكتب كتابًا بأن الخليفة هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه من بعده. وهكذا كذلك من تلك الأحاديث ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قيل له ما قيل في أمر الإمامة، قال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر». ولهذا قدم رضي الله عنه وأرضاه في يوم السقيفة في الخلافة بتقديمه في الإمامة، فإنه ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمسلمين في دينهم، فكيف لا يرتضونه في دنياهم؟ إذا قدمه النبي عليه الصلاة والسلام في إمامة الصلاة، فتقديمه في إمامة الدنيا من باب أولى وأحرى. وهكذا من فضائله -ومن ذلك أيضًا- ما يدل على استحقاقه للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما جاء في صحيح مسلم أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسأله بمسألة، فقال: «لا، إيتيني بعد»، فقالت: يا رسول الله، إن أتيت ولم أجدك، قال الراوي: كأنها تريد الموت، «فما أصنع؟» قال: «إن أتيت فلم تجديني، فأتي أبا بكر». وهذا يدل كذلك أن أبا بكر هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا شيء من أشياء كثيرة ذكرها العلماء في حق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. فمما يجب أن يستقر في قلب كل مسلم أن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر، وأن حق الناس بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أبو بكر. وهنا يأتي إيراد يرده بعض الناس، فيقول مثلًا: يقع في نفسي حب لعمر رضي الله عنه أكثر من حب لأبي بكر، فما السبب في ذلك؟ فالجواب عن هذا أن هذا تقصير منك، فليس ذلك لأن عمر أفضل من أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ولكن لأنك سمعت من فضائل عمر أكثر مما سمعت من فضائل أبي بكر. ولو أنك قرأت وتدبرت وتمعنّت في فضائل أبي بكر، لقدمت فضائل أبي بكر على فضائل عمر. وعند ذلك فسيكون حبك لأبي بكر أكثر من حبك لعمر رضي الله عنه وأرضاه، بحسب ما يزيدك من العلم. وبمثل هذا يقال لبعض الشيعة الذين استقر في قلوبهم حب علي رضي الله عنه وأرضاه أكثر من حب أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك بسبب كثرة قراءتهم واستماعهم لفضائل علي -بما صح وما لم يصح- وإهمال ما جاء من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم. وإلا لو قرأوا بإنصاف وتمعنوا ودققوا وحققوا، لم يجدوا بدًا إلا أن يقدموا أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، ثم عمر على علي رضي الله عنه وأرضاه. فإن ذلك هو مقتضى الإنصاف، فيكون بذلك تقديمهم في الفضل والخلافة والحب. وهذا الذي يجب أن يكون عليه المسلم، أن يستسلم لأدلة الكتاب والسنة، فهو يتابع الدليل لا يتابع العاطفة. فإذا من وجد في نفسه شيئًا مما ينافي ما دل عليه الدليل وما استقر عليه أهل السنة والجماعة، فإن التقصير من نفسه لا مما دلت عليه الأدلة. فإنه لو تدبر الأدلة وقرأها لذهب هذا الذي في نفسه. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الفصل، وبه نكتفي. والحمد لله رب العالمين.