الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 166، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على أهل الكتاب ببيان حالهم وتبرير بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر أن بعثته كانت ضرورية لإظهار الحق وإقامة دين الله الحقيقي.
يتناول الرد على منكري فائدة إرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين أن إرساله كان له أثر كبير في نشر الدين الحق. يقدم حججا على أن رسالته كانت ضرورية وأنها حققت مصالح كبيرة للبشرية.
يناقش ادعاءات النصارى بشأن شريعة العدل والفضل، ويبين أن الإسلام يجمع بينهما. يشير إلى أن الأنبياء جميعهم أرسلوا لتبليغ شرع الله، ويوضح أهمية إثبات نبوتهم وصدق ما نسب إليهم.
يُبيّن افتقار اليهود والنصارى إلى دين الإسلام لما فيه من العدل والفضل. يُدلل على بطلان ادعاء النصارى ويُظهر أن دلائل النبوة تشير إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح من الدين المسيح، الوجه السابع: أن يقال لأهل الكتاب خصوصا، فيقال لليهود: أنتم أذل الأمم، فلو قدر أن ما أنتم عليه دين الله الذي لم يبدل، فهو مغلوب مقهور في جميع الأرض، فهل تعجبون من أن يبعث الله رسولا يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فيبعثه بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، حتى يصير دين الله الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، منصورا ظاهرا بالحجة والبيان، والسيف والسنان. ويقال للنصارى: أنتم لم تخلصوا دين الله الذي بعث به رسله من دين المشركين والمعطلين، بل أخذتم من أصول المشركين والمعطلين، من الفلاسفة وغيرهم، ما أدخلتموه في دينكم، وليس لكم على أكثر الكفار حجة علمية، ولا يد قهرية، بل للكفار في قلوبكم من الرعب والخوف والتعظيم، ما أنتم به من أضعف الأمم حجة، وأضيقها محجة، وأبعدها عن العلم والبيان، وأعجزها عن إقامة الحجة والبرهان. تارة تخافون من الكفار والفلاسفة وغيرهم من المشركين والمعطلين، فإما أن توافقوهم على أقوالهم، وإما أن تخضعوا لهم متواضعين. وتارة تخافون من سيوف المشركين، فإما أن تتركوا بعض دينكم لأجلهم، وإما أن تذلوا لهم خاضعين. ففيكم من ضعف سلطان الحجة، وضعف سلطان النصرة، ما يظهر به حاجتكم إلى قيام الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه. فالعجب منكم كيف تعدلون عما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة، إلى ما فيه شقاءكم في الدنيا والآخرة. هذا هو العجب، ليس العجب ممن آمن بما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وفي خلافه شقاوة الدنيا والآخرة. ومثل هذا لا يرد على المسلمين، فإنه لم يزل ولا يزال فيه طائفة قائمة بالهدى ودين الحق، ظاهرة بالحجة والبيان واليد والسنان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة». وفي لفظ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة حتى يأتي الله بأمره». الوجه الثامن: أن يقال لأهل الكتاب، ولليهود: أنتم لما كنتم متبعين لموسى عليه السلام، كنتم على الهدى ودين الحق، وكنتم منصورين. ثم كثرت فيكم الأحداث التي تعرفونها، كما قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون﴾، ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأظل عن سواء السبيل﴾. وقوله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾ معطوف على ﴿من لعنه الله﴾، أي: من لعنه الله وغضب عليهم وعبده الطاغوت. والطاغوت ليس هو داخلا في خبر وجعل، حتى يلزم إشكال كما ظنه بعض الناس. وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات، وقتلوا الأنبياء. وقال تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوء وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾. وهم معترفون بأن بيت المقدس خرب مرتين، فالخراب الأول لما جاء باختنصر وسباهم إلى بابل، وبقي خرابا سبعين سنة. والخراب الثاني بعد المسيح، من نحو سبعين سنة. فقد قيل: هذا تأويل قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى من مريم﴾. فبعد الخراب الثاني تفرقوا في الأرض، ولم يبق لهم ملك. وبين الخرابين كانوا تحت قهر الملوك الكفار. وبعث المسيح عليه الصلاة والسلام وهم كذلك. ويقال للنصارى: أنتم ما زلتم مقهورين مغلوبين مبددين في الأرض، حتى ظهر قسطنطين، وقام دين النصرانية بالسيف، وقتل من خالفهم من المشركين واليهود. لكن أظهر دينا مبدلا مغيرا، ليس هو دين المسيح عليه السلام. ومع هذا، فكانت أرض العراق وفارس كفارا، المجوس وغيرهم مجوسا ومشركين، وكانوا في بعض الأزمنة يقهرون النصارى على بلادهم. وأما أرض المشرق والمغرب، ففيهما من أنواع المشركين أمم، وكان الشرك والكفر ظاهرا في أرض اليمن والحجاز والشام والعراق. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، أظهر به توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ظهورا لم يعرف أمة من الأمم، ولم يحصل مثله لنبي من الأنبياء. وأظهر به من تصديق الكتب والرسل، والتوراة والإنجيل والزبور، وموسى وعيسى وداود وسليمان، وغيرهم من الرسل، ما لم يكن ظاهرا لا عند أهل الكتاب ولا غيرهم. فأهل الكتاب وإن كانوا خيرا من غيرهم، فلم يكونوا قائمين بما يجب من الإيمان بالله ورسله، ولا باليوم الآخر، ولا شرائع دينه، ولا كانوا قاهرين لأكثر الكفار، ولا كانوا منصورين عليهم. ولهذا قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾. أما اليهود، ففيهم من التنقص من الأنبياء، في سبهم وذكر عيوب، نزههم الله عنها، ما هو معروف. حتى إن منهم من يقول: إن سليمان كان ساحرا، وداود كان منجما لم يكن نبيا، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ففيهم من الكفر بالأنبياء، من جنس ما كان في سلفهم الخبيث. وأما النصارى، فمع غلوهم في المسيح وأتباعه، يستخفون بغيره. فتارة يجعلون الحواريين مثل إبراهيم وموسى، أو أفضل منهم. وتارة يقولون كما قال اليهود: إن سليمان لم يكن نبيا، بل سقط من النبوة. وتارة يجعلون ما خاطب الله به داود وغيره من الأنبياء، إنما أريد به المسيح. مع أن اللفظ لا يدل على ذلك، بل يتأولون كتب الله بمجرد هوى أنفسهم. وتارة يقولون: إن الواحد منهم إذا طاع الله بما يزعمون أنه طاعه، صار مثل واحد من الأنبياء. ويسوبغون لمثل هؤلاء أن يغيروا الشرائع، ويضعوا دينا ابتدعوه. ومحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، أقاموا توحيد الله الذي كان عليه إبراهيم وموسى وسائر الرسل، وأمنوا بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول بعثه الله، وأقاموا دين الرحمن إقامة لم يقمها أحد من الأمم. فعامة أهل الأرض مع محمد صلى الله عليه وسلم، إما مؤمن به باطنا وظاهرا، وهم أولياء الله المتقون، وحزبه المفلحون، وجنده الغالبون. وإما مسلمون له في الظاهر، تقية وخوفا من أمته، وهم المنافقون. وإما مسالمون له بالعهد والذمة والهدنة، وهم أهل الذمة والهدنة في جميع الأرض. وإما خائفون من أمته. وحيث كان الواحد والطائف من أمته متمسكا بدينه، كان نوره ظاهرا، وبرهانه باهرا، معظما منصورا، يعرف فضله على كل من سواه. وهذا أمر يعرفه الناس في أرض الكفار، من المشركين وأهل الكتاب، لما قص الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من الهدى ودين الحق. وقد أظهروا دين الرب في مشارق الأرض ومغاربها، بالقول والعمل. فهل يقول من عنده علم وعدل: إنه لا فائدة في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يستغنى بما عند أهل الكتاب عن رسالته؟ الوجه التاسع: أنه يقال: هم معترفون بانتفاع المشركين به، غاية الانتفاع، فإنه أقام توحيد الله ودينه فيهم، وإنه عظم المسيح، ورد على اليهود قولهم فيه، وأهانهم. وحينئذ، فهذا من أعظم الفوائد وأجل المقاصد، وأعظم نعم الله على عباده. ثم هو مع ذلك، قال: إن الله أرسله وأمره بذلك. فإن كان كاذبا، فالكذاب المفتري على الله من شر الكفار، ومن يكون كذلك لا يحصل منه هذا الخير العظيم الذي ما حصل مثله من أحد من الأنبياء، فإنه أزال دين المشركين، ودين المجوس، وقمع اليهود. وكل واحدة من هذه الثلاث، لم يقدر عليه أحد قبله من الأنبياء والمرسلين. وإن كان صادقا، فهو قد أخبر أنه رسول الله إلى النصارى وغيرهم من الأمم، وأخبر عن الله بكفر كل من لم يؤمن به. وهذا الوجه ممن يخاطب به كل صنف، فيقال لكل صنف من الأمم: أنتم معترفون بأن من سواكم إذا اتبعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم، كان خيرا لهم مما هم عليه. فاليهود معترفون بأن النصارى إذا اتبعوه كان خيرا لهم من دين النصارى، والنصارى معترفون بأن اليهود إذا اتبعوه كان خيرا لهم من دين اليهود. وأهل الكتاب، اليهود والنصارى معترفون بأن من سواهم إذا اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، كان خيرا لهم مما هم عليه. فالمجوس والمشركون من العرب والسودان والترك، وأصناف الخزر والسقالبة، إذا اتبعوه كان خيرا لهم مما هم عليه. وسائر أصناف الكفار معترفون بأن اتباعه خير من غيرهم. ومن ليس من أهل الكتاب، عامتهم معترفون بأن دين المسلمين خير من دين اليهود والنصارى. وحينئذ، فيقال: من جاء بهذا الدين الذي يفضله جميع أهل الأرض على غيره، يمتنع أن يكون من أكثر الناس وأحقهم بغضب الله وعقابه. وكل من قال: إنه رسول الله، فإن كان صادقا، كان من خير أهل الأرض وأحقهم برضوان الله وثوابه. وإن كان كاذبا، كان من شر أهل الأرض وأحقهم بغضب الله وعقابه. ومن حصل منه هذا الخير أو العلم والهدى، وما فيه صلاح الدنيا والآخرة، أعظم مما حصل من جميع الخلق، يمتنع أن يكون من أكثر الناس المستحقين لغضب الله وعقابه، ووجب أن يكون من خير أهل الأرض، بل هو خير أهل الأرض وأحقهم برضوان الله وثوابه. الوجه العاشر: إن الله سبحانه وتعالى، كان سنته قبل إنزال التوراة، إذا كذب نبي من الأنبياء، ينتقم الله من أعدائه بعذاب من عنده، كما أهلك قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح الصرصر، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالظلة، وقوم لوط بالحاصب، وقوم فرعون بالغرق. قال تعالى: ﴿ولقد أتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى فصائر للناس وهدى ورحمة لقوم لعلهم يتذكرون﴾. فلما أنزل التوراة، أمر أهل الكتاب بالجهاد، فمنهم من نكل، ومنهم من أطاع. وصار المقصود بالرسالة لا يحصل إلا بالعلم والقدرة، كما قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾. فقول هؤلاء: إن التوراة جاءت بالعدل، والإنجيل بالفضل، فلا حاجة إلى غيرهما، لو قدر أنه حق، إنما يستقيم إذا كان الكتابان لم يبدل، بل كان متبعين علما وعملا، وكان أهلهما مع ذلك منصورين مؤيدين على من خالفهم. فكيف، وكل منهما قد بدل كثير مما فيه، وأهلهما غير منصورين على سائر الكفار، بل الكفار ظاهرون عليهم في أكثر الأرض، كأرض اليمن والحجاز، وسائر جزيرة العرب، وأرض العراق وخراسان والمغرب، وأرض الهند والسند والترك. وكان بأيدي أهل الكتاب الشام ومصر وغير ذلك، ومع هذا، فكانت الفرس قد غلبتهم على ذلك. ثم إن الله أظهر النصارى عليهم، فكان ظهورهم توطئة وتمهيدا لإظهار دين الإسلام. فإن الفرس المجوس لما غلبوا الروم، سأل بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، وفرح بذلك مشرك العرب، وكانوا أكثر من المؤمنين، لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، والمجوس أقرب إلى المشركين منهم إلى أهل الكتاب. ووعظ الله المؤمنين أن تغلب الروم، أن تغلب الروم بعد ذلك، وأنه يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. فأضاف النصرة إلى اسم الله، ولم يقل: بنصر الله إياهم. وذلك أنه حين ظهرت الروم على فارس، كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ظهروا على المشركين واليهود، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك يدعو ملوك النصارى بالشام ومصر إلى الإيمان به، فعرفوه وعرفوا أنه النبي المبشر به. وكان ذلك أول ظهور دينه، ثم أرسل طائفة من أصحابه إلى غيرهم، ثم قاتل المسلمون بنفسه معهم، عامة بوك للشام، ثم فتح هذه البلاد أصحابه. فكان تأييد دين الله وظهوره، وإذلال المشركين والمجوسة وغيرهم من الكفار، على يديه ويدي أمته، لا على يدي اليهود والنصارى. فلو قدر أن شرع أولئك كامل لا تبديل فيه، لكان مغلوبا مقهورا. وكان الله قد أرسل من يؤيد دينه ويظهره. فكيف، وهو مبدل؟ ولو لم يبدل، فدين أحمد أكمل وأفضل منه، فذاك مفضول مبدل، وهذا فاضل لم يبدل. وذلك مغلوب مقهور، وهذا مؤيد منصور. وبعض هذا تحصل الفائدة في إرساله، فكان من أجل الفوائد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف يقال: إنه لا فائدة في إرساله؟ الوجه الحادي عشر: قولهم: لما كان الباري عدلا جوادا، أوجب أن يظهر عدله وجوده. فيقال لهم: جود الجواد غير إلزام الناس بترك حقوقهم، فإن الجواد هو الذي يحسن إلى الناس، ليس هو الذي يلزم الناس بترك حقوقهم. هؤلاء يزعمون أن شريعة الإنجيل ألزمت الناس بترك حقوقهم، وأنه لا ينصف مظلوم من ظالمه. ولهذا ليس عندهم حكم عدل يحكمون به بين الناس، بل الحكم عندهم حكمان: حكم الكنيسة، وليس فيه إنصاف المظلوم من الظالم. والثاني: حكم الملوك، وليس هو شرعا منزلا، بل بحسب آراء الملوك. ولهذا تجدهم يردون الناس إلى حكم شرع الإسلام في الدماء والأموال ونحو ذلك. حتى في بعض بلادهم يكون الملك والعسكر كلهم نصارى، وفيهم طائفة قليلة مسلمون، لهم حاكم، فيردون الناس في الدماء والأموال إلى حكم شرع المسلمين. وذلك أن الدماء والأموال، وإن كان يستحب للمظلوم أن يعفو فيها عن ظالمه، فالحاكم الذي يحكم بين الناس، متى حكم على المظلوم بترك حقه، كان حاكما بالظلم لا بالعدل. ولو أمرنا كل ولي مقتول أن لا يقتص من القاتل، وكل صاحب دين أن لا يطالب غريمه، بل يدعه على اختياره، وكل مشتوم ومضروب أن لا ينتصف من ظالمه، لم يكن للظالمين زاجر يسجرهم، وظلم الأقوياء الضعفاء، وفسدت الأرض. قال تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾. فلا بد من شرع يتضمن الحكم بالعدل، ولابد مع ذلك من نجب الناس إلى العفو والأخذ بالفضل. وهذه شريعة الإسلام، كما تقدم ما ذكرنا من الآيات، مثل قوله: ﴿والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له﴾، وقوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم﴾، وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾، وقوله: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، وقوله: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. وقال أنس: ما رفع للنبي صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص، إلا أمر فيه بالعفو، فكان يأمر بالعفو، ولا يلزم الناس به. ولهذا لما عتقت بريرة، وكان لها أن تنفسخ النكاح، وطلب زوجها أن لا تفارقه، شفع عليها أن لا تفارقه، فقالت: أتأمرني؟ قال: «لا، إنما أنا شافع»، فلم يوجب عليها قبول شفاعته صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني عشر: قولهم: لما كان الكمال الذي هو الفضل، لا يمكن أن يضعه إلا أكمل الكمال. فيقال لهم: العدل والفضل لا يشرعه إلا الله. وشريعة التوراة لم يشرعها إلا الله، وشريعة الإنجيل لم يشرعها إلا الله عز وجل. يبين ذلك أن الله كلم موسى من الشجرة تكليما. وهم غاية ما قرروا به إلهية المسيح، أن زعموا أن الله كلم الناس من ناسوت المسيح، كما كلم موسى من الشجرة. ومعلوم عند كل عاقل: لو كان هذا حقا، أن تكليمه لموسى من الشجرة، أعظم تكليم كلمه الله لعباده. فكيف يقال: إن شريعة العدل لم يشرعها الله عز وجل؟ ثم يقال لهم: بل شريعة العدل أحق بأن تضاف إلى الله من شريعة الفضل. فإن الأمر بالإحسان والعفو، يحسنه كل أحد. وأما معرفة العدل والحكم بين الناس به، فلا يقدر عليه إلا أحد الناس. ولهذا يوجد الذي يصلح بين الناس بالإحسان، خلق كثير. وأما الذي يحسن أن يفصل بينهم بالعدل، فناس قليل. فكيف يقال: إن الذي يأمر بشرع الفضل هو الله دون الذي يأمر بشرع العدل؟ والله تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليقوم الناس بالقصد، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقصد وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾. وأمر المسيح عليه السلام للمظلوم بالعفو عن الظالم، ليس فيه ما يدل على أنه من الواجب الذي من تركه استحقى الذم والعقاب، بل هو من المرغب فيه الذي من فعله استحقى المدح والثواب. وموسى عليه السلام أوجب العدل الذي من تركه استحقى الذم والعقاب. وحينئذ، فلا منافات بين إيجاب العدل وبين استحباب الفضل. لكن إيجاب العدل يقترن به الترهيب والتخويف في تركه، واستحباب الفضل يقترن به الترغيب والتشويق إلى فعله. فذاك فيه رهبة مع ما فيه من الرغبة، وهذا فيه رغبة بلا رهبة. ولهذا قال المسيح عليه السلام: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. ولهذا قيل: إن المسيح عليه السلام بعث لتكميل التوراة. فإن النوافل تكون بعد الفرائض، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: من عاد لي وليا فقد آذنت فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما أديت إليه ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعينه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددت عن قبض نفس عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه». فصل: وجميع ما احتجوا به من التوراة والإنجيل وغيرهما من كلام الأنبياء عليهم السلام، إنما يكون الحجة فيه علمية برهانية، إذا أقاموا الدليل على نبوة من احتجوا بكلامه، بأن يبينوا إمكان النبوة، ثم يبينوا وقوعها في الشخص المعين، بالطرق التي يستدلوا به على نبوة النبي. وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، ويحتجوا بذلك بناء على أنها مقدمة مسلمة يسلمها المسلمون لهم. وهذا لا ينفعهم لوجوه: أحدها: أن فيمن ذكروه من لم يثبت عند المسلمين أنه نبي، كميخا وعاموس. الثاني: أن من ثبت عند المسلمين نبوته، كموسى وعيسى وداود وسليمان، لم يثبت عندهم أنهم قالوا جميع ما ذكروه من الكلام، وأن ترجمته بالعربية، وما ذكروه، وأن مرادهم به ما فسروه. الثالث: أن جمهور المسلمين لا يعلمون نبوة أحد من الأنبياء قبل محمد، إلا بإخبار محمد صلى الله عليه وسلم بنبوتهم. فلا يمكنهم التصديق بنبوة أحد من هؤلاء إلا بعد التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا طلب هؤلاء من المسلمين أن يسلموا نبوة هؤلاء دون نبوة محمد، لم يكن المسلمون أن يسلموا ذلك لهم، ولا يشرع ذلك للمسلمين لا عقلا ولا نقلا. وحينئذ، إذا لم يقيموا الأدل على نبوة أولئك، لم يكونوا قد ذكروا لا حجة برهانية ولا حجة جدلية. الرابع: أن المسلمين لم يصدقوا بنبوة موسى وعيسى إلا مع إخبارهما بنبوة محمد. فإن أسلموا أنهما أخبروا بنبوة محمد، ثبتت نبوته ونبوتهما. وإن جحدوا ذلك، جحد المسلمون نبوة من يدعون أنهما موسى وعيسى، الذين لم يخبروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. الخامس: أن المسلمين، وكل عاقل، يمنع بعد النظر التام، أن يقر بنبوة موسى وعيسى دون محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كانت نبوته أكمل، وطرق معرفتها أتم وأكثر. وما من دليل يستدل به على نبوة غيره، إلا وهو على نبوته أدل. فإن جحد نبوته، يستلزم جحد نبوة غيره بطريق الأولى. ولكن من قال ذلك، هو متناقض، كما يتناقض سائر أهل الباطل. ولهذا قال تعالى: ﴿إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك﴾. رأينا في الفصل السابق، وهذا الفصل، ما أتم في الفصل السابق الأوجه الاثني عشر في الرد على دعوى بولا السلامطاكي، وهو قول النصارى في زعمهم أن دين اليهود والنصارى دل على أنهم على حق، فيستغن بهما عن أي شيء آخر. وقد أضاف في هذه الأوجه الأخيرة معنى ما تقدم من أوجه كثيرة، بيّن أن دين الإسلام فيه من معنى العدل والفضل الذي زعم أنه يكتفى به في دين اليهود والنصارى، ما لا يستغن عنه اليهود والنصارى. وأنه كذلك فيه ما يعلم أن دين اليهود والنصارى فيه من التبديل والتحريف، ما يعلم به أنهم يفتقرون إلى هذا الدين. ولهذا، كما تقدم، سبق وكرر: كل الأمم تقر أنه ليس أمة ضلت إلا وهي تفتقر إلى هذا الدين. ولا أدل على ذلك، ما أصلح الله به من أمم كثيرة، حتى أن النصارى يفتقرون إلى ما في دين الإسلام، فيقرون بتحاكم المسلمين إليه، تحت حكم النصارى. لأنهم ليس عندهم من دينهم ما يستطيعون أن يحكموا أنفسهم، فضلا أن يلزموا أن يحكموا غيرهم. ولهذا كانوا يقولون من مقولتهم المشهورة: «دعوا ما لقيصر لقيصر». لماذا؟ لأن كنائسهم، كما ذكر رحمه الله، لا تنصف مظلوما، ولا تقيم عدلا، فإنما هي تدعو إلى الفضائل وتدعو إلى المكارم. وأما أن تقيم العدل وتحل ما يحتاجه الناس، فليس عندها ذلك. وهم يشهدون أن عند المسلمين ما يمكن أن يقام فيه العدل. ولهذا فهم يقرون بحكم المسلمين لأنفسهم، فيما يكون من أحكامهم. مع أن النصارى في أنفسهم يفتقرون إلى أحكام ملوكهم، وأحكام ملوكهم إنما أخذت من غير دين النصارى. وهذا وجه، وأوجه كثيرة ذكرها، تدل على افتقار النصارى، فضلا عن غيرهم، وهم يزعمون أنهم أفضل من اليهود. فإذا علم افتقار النصارى، فعلم بذلك افتقار اليهود، وغيرهم من أهل الأرض إلى هذا الدين، دين الإسلام. وأما هذا الفصل الأخير، فاستدل به على بطلان دعوى النصارى أن دينهم مبني على كلام الأنبياء السابقين. وقد بين رحمه الله من هذه الأوجه أن هذا الكلام باطل. أولا: لأن أكثر من يدعى فيه النبوة ليس بنبي. وبعد ذلك يقال: ما أثبتتم به نبوة من أثبتتم له النبوة؟ فدلائل ذلك تقتضي إثبات النبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم. فقد جاء بما جاءت به الرسل قبله، وزيادة. فكل منصف، لو أنصف نفسه، كما تقدم، سيقر ويدعون أنه نبي الله ورسوله حقا وصدقا عليه الصلاة والسلام. فقد أيد بالآيات والدلائل ما على مثله يؤمن البشر. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي إلا وأيد بمعنى ذلك». وبهذا يعلم أن المنصف من النصارى، فضلا عن غيرهم، يلزمه أن يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولكن كما تقدم، أكثر من امتنع إنما هو من أهل الجهل، أو من أهل العناد والكبر. أما في الحديث أنس الذي أشار إليه، أحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. والله تعالى أعلم.