الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 150، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تطرق إلى قصة إرغام اليهود على اعتناق النصرانية بأمر الملك قسطنطين، واستخدام لحم الخنزير كاختبار لولائهم. كما ناقش الخلافات العقائدية داخل الكنيسة المسيحية وظهور الأريوسيين.
اجتمع 150 أسقفا بغسطنطينية لمناقشة آراء النصارى المتباينة، وأكدوا على وحدانية الله وطبيعة المسيح. كما ناقشوا أكل اللحم واعتبروه ضرورة اقتداء بسيد المسيح.
ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن سعيد بن البطريق قصة أصحاب الكهف، ويبين خطأ ابن البطريق في مدة لبثهم. كما يستدل على تحريف دين النصارى وتفرقهم إلى فرق مختلفة.
سيتم استكمال الفصل لزيادة إيضاح المسائل التي نقلها ابن البطريق عن النصارى، بهدف جعل الأمر أكثر وضوحا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كتابه «الجواب الصحيح بدل دين المسيح». فصل: قال وأمر الملك ألا يسكن يهودي بيت المقدس، ولا يجوز بها، ومن لم يتنصر يقتل. فتنصر من اليهود خلق كثير، وظهر دين النصرانية. فقيل لقسطنطين الملك: إن اليهود ينتصرون من فزع القتل وهم على دينهم. قال الملك: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم؟ قال بولس البترك: إن الخنزير في التوراة حرام، واليهود لا يأكلون لحم الخنزير. فأمر أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتطعمهم منها. فمن لم يأكل منه علمنا أنه مقيم على دين اليهودية. فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حراما، فكيف يجوز لنا أن نأكل لحم الخنزير ونطعمه للناس؟ فقال له بولس البترك: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة وجاء بناموس آخر وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل. وفي إنجيله المقدس: أن كل ما يدخل البطن ليس بحرام ولا ينجس، وإنما ينجس الإنسان الذي يخرج من فيه. وقال بولس الرسول في رسالته إلى أهل مدينة بورين نيوس الأولى: «الطعام للبطن، والبطن للطعام، والله يلعن هذا وهذا». ومكتوب في الإبريكس -يعني أخبار الحواريين-: أن بطرس رئيس الحواريين كان في مدينة يافا في منزل رجل دباغ يقال له سيمون. وأنه صعد إلى المنزل ليصلي وقتا ست ساعات من النهار، فوقع عليه سبات. فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا إزار قد نزل من السماء حتى بلغ الأرض، وفيه كل ذي أربع قوائم على الأرض من السباع والذئاب وغير ذلك من طير السماء. وسمع صوتا يقول له: «يا بطرس، قم فاذبح وكل». فقال بطرس: «يا رب، ما أكلت شيئا نجسا قط، ولا وسخا قط». فجاء صوت ثان: «كل ما طهره الله فليس بنجس». وفي نسخة أخرى: «ما طهره الله فلا تنجسه أنت». ثم جاء الصوت بهذا ثلاث مرات. ثم إن الإزار رفع إلى السماء. فعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه من هذا المنظر. وبما قال سيدنا المسيح في إنجيله المقدس، أمر بطرس وبولس أن نأكل كل ذي أربع قوائم من الخنزير وغيره، حلالا لنا. فأمر الملك أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتقطع صغارا صغارا، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم أحد الفصح. وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير. فمن لم يأكل منه يقتل. فقتل لأجل ذلك خلق كثير. قال سعيد: وكان لقسطنطين ثلاثة أولاد، أكبرهم قسطنطين ابن قسطنطين. وذلك حين ملك أزدشير ابن سابور ابن هرمز على الفرس، وملك بعده سابور ابن سابور لخمس سنين من ملك قسطنطين. قال: وفي ذلك العصر اجتمع أصحاب أريوس وكل من قال بمقالته إلى الملك السنطين، فحملوا له دينهم ومقالتهم. وقالوا: إن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا الذين كانوا اجتمعوا بنيقية قد أخطأوا وحادوا عن الحق في قولهم: إن الإبن متفق مع الأب في الجوهر. فتأمر ألا يقال هذا، فإنه خطأ. فأراد الملك أن يفعل ذلك. قال: وفي ذلك العصر ظهر على الأقرانيون -وهو الجلج- له نصف النهار صليب من نور من الأرض إلى السماء يفوق ضوءه ضوء الشمس. فكان يبلغ إلى طور زيتا. فرأى ذلك كل من كان في بيت المقدس من كبير وصغير. فكتب أسقف بيت المقدس إلى قسطنطين ابن قسطنطين بالخبر. وقال: في أيام أبيك السعيد ظهر صليب كواكب من السماء في نصف النهار، وفي أيامك ظهر أيها الملك على الأقرانيون صليب من نور يفوق نوره نور الشمس في نصف النهار. وكتب إليه أن لا يقبل قول أصحاب أريوس، فإنهم حائدون عن الحق كفار قد لعنهم الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، ولعنوا كل من يقول مقالتهم. فقيل: قوله. قالوا: في ذلك الوقت غلبت مقالة أريوس على قسطنطينية، وإنطاكية، وبابل، والإسكندرية. فسمي التابعون لأريوس والقائلون بمقالته أريوسيين، مشتقا من اسمه. قالوا: في ثاني سنة من ملك قسطنطين صير على إنطاكية بطرك أريوسي. ثم بعده آخر أريوسي. ثم بعده آخر مناني. وصير على قسطنطينية بطرك مناني. قالوا: في عشر سنين من ملكه صير على قسطنطينية بطرك، وكان يقول: روح القدس مخلوقة. وأقام عشر سنين ومات. ونقل بعد ذلك بطرك إنطاكية وصير على قسطنطينية، وكان منانيا. قالوا: أما أهل مصر والإسكندرية فكان أكثرهم أريوسيين ومنانيين. فغلبوا على كنائس مصر، فأخذوها. ووثبوا على بطرك الإسكندرية ليقتلوه، فهرب منهم واستغفى. وصيروا على إسكندرية بطرك منانيا. وفي ذلك الزمان قدم من القسطنطينية إلى الإسكندرية قائد، وكان أريوسيا. فنفى الملك وأقام بطركا أريوسيا. فلما خرج القائد قتل الملكيون ذلك البطرك الإريوسي وأحرقوه بالنار. ومات الملك قسطنطين ابن قسطنطين، وله في الملك 24 سنة. وملك بعده يوليانوس الملك الكافر على الروم سنين. وأراد أن يرد الناس لعبادة الأصنام، وقتل من الشهداء خلقا كثيرا. وفي أول سنة من ملكه وثب الإريوسيون ببيت المقدس على أسقفها الملكي الذي كتب بظهور الصليب ليقتلوه، فهرب منهم. فسيروا أسقفا إريوسيا. قال: وفي ثاني سنة من ملكه صير على إنطاكية بطركا على الأمانة، أقام 25 سنة. وفي 21 سنة من رياسته كان المجموع الثاني بغسطنطينية. قال: وكان في عصره أهل مدينة نيريار كلهم صائبون. فوضع أسقف نيريار ميمرا في ميلاد المسيح، ويقول في ابتدائه: «الميمر السيد أولد مختونا». فخذوا المسيح من السماء واستقبلوه على الأرض. فلما قرأه عليهم استهزأوا به، وأقبلوا يضحكون منه. فلما كان عيد الحميم وضع ميمرا في عيد الحميم، هتك فيه دين الصابئين وفضحهم فيه، ومكن فيه دين النصرانية. قال: وكان في عصر بوليانوس الملك الكافر أول راهب سكن برية مصر وبنى الديارات وجمع الرهبان. وكان آخر بالشام، وهو أول من سكن برية الأردن وجمع الرهبان وبنى الديارات. قال: وخرج هذا الملك الكافر لقتال سابور ملك الفرس. فلسوء مذهبه ورداءة دينه، وما أراد أن يأخذ بعبادة الأصنام، ظفر به ملك الفرس فقتله، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة. وذكر أسقف قيسارية أنه كان جالسا في محرابه، وحذاؤه لوح فيه صورة ماري مركورس الشاهد. فنظر إلى اللوح فلم يرى فيه صورة الشاهد. فعجب من ذلك إذ غابت. فلم يكن إلا ساعة حتى عادت صورة الشاهد إلى اللوح، وفي طرف الحربة المصورة التي في يد الشاهد شبيه بالدم. فتعجب من ذلك، وبقي متحيرا حتى بلغه أن الملك الكافر قتل في الحرب. فعلم أن ماري مركورس الشاهد قتله لشدة بغضه الذي كان للنصارى، وما كان عزم عليه من عبادة الأصنام. وذكر بعد هذا جماعا من البتاركة والأساقفة، كان بعضهم أريوسيا وبعضهم منانيا وبعضهم ملكيا. وذكر فتنا بينهم، وتعصب كل طائفة لبتركها حتى يقتل بعضهم بعضا، وينفي بعضهم بعضا. وذكر أنه اختلفت آراء النصارى، وكثرت مقالاتهم، وغلبت عليهم مقالة أريوس. وأنهم ملكوا عليهم ملكا اسمه ثذوز. وأن الوزراء والقوات اجتمعوا إليه، ذاكرين أن مقالات الناس اختلفت وفسدت، وغلبت عليهم مقالة أريوس ومقدون يوس. فينظر الملك في هذا ويذب عن النصرانية ويوضح الأمانة المستقيمة. وكتب إلى بطرك اسكندرية، وإنطاكية، ورومية، وأسقف بيت المقدس. فحضروا مع أساقفتهم بغسطنطينية، إلا بطرك رومية، فإنه كتب وأنفذ بالأمانة المستقيمة. فاجتمع بغسطنطينية 150 أسقفا، وكان المقدم البطارك الثلاثة. فدفع الملك إليهم كتاب بطرك رومية، فكان صحيحا موافقا. وكان يزعم أن روح القدس إله، ولكن مخلوق مصنوع. فقال بطرك الإسكندرية: ليس روح القدس عندي معنى غير حياته. فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق، فقد قلنا إن حياته مخلوقة. وإذا قلنا إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير ميت. وإذا زعمنا أنه غير ميت، فقد كفرنا. ومن كفر وجب عليه اللعن. فاتفقوا على لعن مقدونيوس، فلعنوه وأشياعه. ولعنوا البطارقة الذين كانوا بعده يقولون بقوله. ولعنوا أسقفا لونية وأشياعه. ولعنوا بوليناريوس وأشياعه، لأنه كان يقول: إن جسد سيدنا المسيح بغير فعل. وثبتوا أن روح القدس خالقة غير مخلوقة، إله حق. وأن طبيعة الأب والإبن جوهر واحد، وطبيعة واحدة. وزاد في الأمانة التي وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الذين اجتمعوا في مدينة نيقية: وبروح القدس المحيي المميت المنبثق من الأب. وثبتوا أن الأب وحده، والإبن، وروح القدس، ثلاثة أقانيم، وثلاثة وجوه، وثلاثة خواص في وحدانية واحدة، وكيان واحد. وثلاثة أقانيم إله واحد، جوهر واحد، طبيعة واحدة. وثبتوا أن جسد سيدنا المسيح بنفس ناطقة عقلية. قال: فمن المجمع الأول إلى هذا المجمع الثاني ثمانون وخمسون سنة. قال: وأطلق بطرق الإسكندرية للبطاركة والأساقفة والرهبان أكل اللحم من أجل المنانية، ليعرف المناني منهم. لأن المنانية لا يرون أكل اللحم، ولا شيئا من الحيوان البتة. وكان أكثر أساقفة مصر منانية. فأكل بطاركة مصر وأسقفهم اللحم. أما بطاركة رومية، وقسططينية، وساقفتهها، ورهبانها، فلم يأكلوا اللحم. وأكلوا بدل اللحم السمك، وأقاموه مقاما لحم، إذ كان حيوانا. قال سعيد بن البطريق: لم يطلق أكل اللحم على أنهم يعتاضون منه بالسمك، إذ ليس بذبيحة. ويمنعون أكل اللحم، إذ كان قد أخطأ الذين أقاموا السمك مقاما لحم. وسيدنا المسيح فقد أكل اللحم. فوجب ضرورة أكل اللحم اقتداء بسيد المسيح، ولو يوما واحدا في السنة، ليزيل الشك من مذهب المنانية. قال: وفي الأبروكسس مكتوبا: «ما نظره بطرس السليح بيافة من تنزل السبنية». وفيها كل ذي أربع قوائم. ولهذا الحكم كل من لم يأكل اللحم مخالف لشريعة النصرانية، ومضاهاتا لمذهب الصابئة. قال: والروم لا يقتسلون إلى اليوم، لأن المنانية لا يرون الغسل بالماء. فلما طال بهم الزمان أقاموه على هذه السنة. وقال قوم: إنما تركوا الغسل بالماء لشدة برد بلادهم، وبرد الماء عندهم. وأنه لا يتهيأ لهم بالجملة أن يقربوا الماء في الشتاء لثلجه وبرده. فصار سنة جارية شتاءا وصيفا. والمانانية صنفان: السماعون والصديقون. فالسماعون يصومون في كل شهر أياما معلومة. والصديقون يصومون الدهر كله، ولا يأكلون إلا ما نبت من الأرض. فلما تنصروا خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيعلم بهم. فجعلوا لأنفسهم صياما، وصاموا الميلاد والحواريين. فلما طال بهم الزمان وتربوا في هذا الصوم أكلوا اللحم. فتبعتهم في ذلك النساطرة والعاقبة والمارونية. وصارت سنة استحسنتها الملكية. فتبعوهم، وخاصة المقيمون ببلاد الإسلام. وأما الروم فما تركوا أكل اللحم في أيام صوم الميلاد، وصوم الحواريين، وتلك الأيام التي يظن أنها من جملة الصوم الكبير. فمن أحب أن يصوم الميلاد والحواريين والسيدة، ولا يأكل لحما، فليس بواجب. وليس لأحد قطع اللحم طول السنة، إلا في صوم الأربعين المقدسة فقط. ومن فعل بخلاف ذلك مخالف، راجع إلى أصحاب الآراء المختلفة. قال: وفي ثماني سنين من ملك ثدوس ظهرت الفتية الذين كانوا هربوا من ذا قيوس الملك، واختفوا في الكهف. وذلك أن الرعاة على طول الزمان كانوا إذا جاوزوا بذلك الموضع الذي هو الكهف، قلعوا الطوب المبني على باب الكهف حتى عاد مفتوحا كالباب. فلما انتبهت الفتية توهموا أنهم كانوا نياما ليلة واحدة. فقالوا لصاحبهم الذي كان يذهب يبتاع لهم الطعام: «امضي واشتري لنا طعاما واستعلم خبر ذا قيوس». فلما خرج إلى باب الكهف نظر إلى البنيان والهدم. ثم مضى حتى بلغ باب المدينة وهي أفسس. فرأى باب المدينة عليه صليب كبير منصوب. فأنكر ذلك في نفسه. وقال: «أحسب أني نائم». فأقبل يمسح عينيه وينظر يمينا وشمالا، هل يرى من يعرفه؟ فلم يرى. فبقي متحيرا. وقال: «لعلي أخطأت الطريق، ولعل هذه مدينة أخرى». ثم دخل المدينة. فدفع دراهم مما كان معه عليها صورة ذا قيوس الملك. فأنكر عليه. وقالوا: «لعله أصاب كنزا». ثم قالوا: «من أين لك هذه الدراهم؟ وإلا قتلناك». فلم يكلمهم. وصاح الناس. فاجتمع إليه خلق كثير. وكلموه فلم يكلمهم. وصاروا به إلى بطرك المدينة. وكلمه فلم يتكلم. فهدده فلم يتكلم. فجاء إليه أسقف المدينة فكلمه وخوفه. وقال: «إنك إن لم تكلمني وتقول لي من أين لك هذه الدراهم؟ وإلا قتلتك». وإنما كان يمتنع من الكلام خوفا من ذا قيوس الملك. فقالوا له: «إنه قد مات، وملك بعده جماعة ملوك». فضربوه حتى آلمه الضرب. فخبرهم بحاله على جليتها. فقالوا له: «إن دقيانوس قد مات، وملك بعده ملوك كثيرة، والملك اليوم ثذوس الكبير، وقد ظهر دين النصرانية». ثم سار معهم إلى الكهف. فنظروا إلى أصحابه، والصندوق النحاس الذي في الصحيفة الرصاص مكتوب فيها قصتهم وخبرهم. فكثر تعجبهم. وكتبوا إلى الملك يعلمونه بخبرهم. فركب وصار إلى مدينة إفسوس. فنظر إليهم وكلمهم. وبعد ثلاثة أيام دخل إليهم فوجدهم أمواتا. فأمر أن يتركوا في الكهف ولا يخرجوا، ولكن يدفنوا فيه. وتبنى عليهم كنيسة وتسمى بأسمائهم. ويعيد لها عيد في كل سنة في ذلك اليوم. وانصرف إلى قسططينية. قال: فمن وقت هراب الفتية من ذا قيوس إلى الكهف إلى الوقت الذي ظهروا فيه وماتوا مئة وسبع أو تسع وأربعون سنة. فقلت: هذا مما أخطأ فيه. فإن الله تعالى أخبر أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة. لكن بعض المفسرين زعموا أن هذا قول بعض أهل الكتاب لقوله: «الله أعلم بما لبثوا». وليس كذلك. فإن الله لم يذكر هذا عن أهل الكتاب، بل ذكره كلاما منه تعالى. قال سعيد: في زمنه كانت قصة بطرق أسطنطينية يوحنا الملقب بفم الذهب. وتولى بعده ابنه ثذوس الصغير اثنين وأربعين سنة، لإحدى عشرة سنة من ملك يزدجرد ابن بهرام. حسبك سعيد. الله خير. أورد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الفصل كما سمعنا نقولات كثيرة وأخبارا وقصصا، وهو ينقلها رحمه الله كما تقدم عن سعيد بن البطريق فيما نقله سعيد بن البطريق في تاريخه. وتاريخ سعيد بن البطريق موجود مطبوع وبلغات متعددة. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكلام بن البطريق، ليس تأييدا ولا موافقة لكل ما يقول، ولكنه رحمه الله يذكر ذلك في ضمن رده على النصارى، ليستدل به من كلام بعض أئمتهم وعلمائهم عليهم، ما يبين ضلالهم في عدة أبواب، وخطأهم وما جهلوه عن دينهم. فإنه ظهر في هذه العبارات في هذا الفصل، وما تقدم، ما سيأتي إن شاء الله: كيف أن النصارى اختلفوا في بعض المسائل التي ظنوا في زمن شيخ الإسلام أنها مما أجمع عليه النصارى، وليس الأمر كذلك. بل وقد نص بعض علمائهم أن هذا مما حصل فيه التحريف، حتى وصل بهم الأمر أن يتفرقوا هذه الفرق التي مرت بنا في دروس سابقة، وأشار إلى أسمائها، وبعض ما تدين به، سواء في بعض ما يأكلون ويحرمون، أو كذلك ما يعتقدون في عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه. وهذا إن دل على شيء، دل على صدق ما سبقت الإشارة إليه وتكرر من أن دين النصارى حرف وبدل، وأنه حصل فيه ما كان سببا في نسخه. ولا أدل على ذلك من هذه الفرق التي وصل بها الحال إلى التناحر والتقاتل، وإهلاك بعضهم بعضا. وفيما أشار إليه في أول الفصل من تحريم من تحليل الخنزير، هذا المشهور من دين النصارى، لكن كما تقدم توجد فرق من النصارى تحرم ذلك، بل وتحرم كل مذبوح، كما نقله رحمه الله عن بعض تلك الفرق، وهي موجودة إلى يومنا هذا. وقد رأيت بعض هذه في بلاد أندونيسيا. وهكذا أخبرني بعض الثقات أنهم لا يزال لهم موجودا كذلك في مواضع في أوروبا، وفي أمريكا. وكذلك ما نقله رحمه الله عن قصة أصحاب الكهف، فهو ينقل ما ذكره ابن البطريق، لا يقره على كل التفاصيل. فقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه بجملة خبر أصحاب الكهف، وبين رحمه الله تعالى أن ما ذكره ابن البطريق في هذا الموضع مما أخطأ فيه، وأن الصواب ما أخبرنا الله عز وجل به، أي في مدة بقائهم، أي أصحاب الكهف: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسع سنوات، خلافا لما قاله ابن البطريق: أنهم مكثوا مئة وسبع أو تسع وأربعون سنة. فقول قوله: «قلت» القائل هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما أن قوله قبل ذلك: «وذكر، وذكر، وذكر» هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فهو ينقل عن ابن البطريق رحمه الله ما ذكره ابن البطريق في تاريخه. فأحيانا يذكر لفظه، وأحيانا يذكر معنى اللفظ. فإذا ذكر معنى اللفظ قال: «وذكر بعد هذا» إلى آخر كلامه رحمه الله. فخلاصة هذا: أنه أراد أن يستدل بهذه العبارات من كلام علماء النصارى، ما فيه حجة على النصارى. وسأتي معنا إن شاء الله تتمة هذا الفصل، ما فيه زيادة إضاحة وبيان للمسائل التي نقلها ابن البطريق عن النصارى، بما يجل الأمر أكثر وأكثر.