الدرس في مفيد المستفيد 22، الدرس الثاني والعشرون:من( وجاء ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى ... واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير.الآية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تحذير أهل البدع وذمهم، مستشهدا بآثار وأقوال العلماء. يبين أن صاحب الهوى مبغوض عند الله ولا ينتفع المبتدع بكثرة عبادته إذا لم يتبع السنة.
يشرح أسباب تشديد السلف في معاداة أهل البدع، حيث يرى أن البدع أشد من الكبائر وتجر إلى الردة الصريحة. يبين أن صاحب البدعة يظن نفسه على حق بخلاف صاحب الكبيرة.
يشرح خطورة البدع وكونها بريدا للكفر، ويبين أن بعض البدع قد تؤدي إلى الشرك الأكبر. يستدل على ذلك بأقوال النبي وآيات من القرآن، ويشير إلى أهمية فهم الفرق بين البدع والردة ومجاهدة أهلها.
يشير إلى أن الدفاع عن عباد القبور يظهر حالهم للناس. يستدل من ذلك على أن هذا الفعل له تأثير في إظهار حقيقة المدافعين عن عبادة القبور.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد». قال رحمه الله تعالى: «قال وجاء ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى». يعني جاء في الآثار، وعلمنا أن الحافظ محمد بن وضاح رحمه الله تعالى، على جلالته، إلا أنه لكثرة ما يروي لا يدقق كثيرا فيما يروي، فربما اختلطت عليه بعض الآثار بالأحاديث، واختلطت عليه بعض الأقوال بالآثار، يعني بعض أقوال الأئمة تختلط عليه بالآثار أو العلماء. فقوله «وجاء ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى»، الشاهد أن في هذه المقولة المأثورة عن أهل العلم أن صاحب الهوى مما يبغضه الله سبحانه وتعالى، مبغوض عند الله. وما هو الدليل أنه يبغضه الله؟ ها الدليل، هل تستحضرون دليلا على أن صاحب الهوى يبغضه الله؟ نعم، أحد يستحضر دليلًا. ها عند من؟ صاحب الهوى مبغوط عند الله تعالى، ﴿فَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، وهذا في سياق بغض الله عز وجل لصاحبه، فالعمومات كثيرة التي تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «وقد وقعت اللعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا، ولا فريضة ولا تطوعا». وهذا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، وإنما نحو ما سمعنا في حديث عائشة وحديث أنس «إن الله حجب التوبة عن صاحب البدعة حتى يرجع عن بدعته»، ونحو ذلك. قال رحمه الله: «وكلما زادوا اجتهادا أو صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا»، مثل الخوارج، فإنهم يزدادون عبادة، لكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يعني بسرعة يخرجون خروجا سريعا من هذا الدين لأنهم على بدعة. وفي هذا إشارة إلى أن المبتدع لا ينتفع من كثرة عبادته؛ لأنه لا يوفق إلى السنة فيها، وأنه لا ينبغي له أن يغتر بكثرة عبادته؛ لأن تلك ليست بعلامة محمودة، ولكن الإحسان بمتابعة السنة بقصد دون إفراط ولا تفريط هو الممدوح. قال رحمه الله تعالى: «فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى بعده». انتهى كلام أسد رحمه الله تعالى، يعني ابن وضاح ينقل هذه العبارات من رسالة أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات. قال رحمه الله: «وأعلم رحمك الله أن كلامه وما يأتي من كلام أمثاله من السلف في معادات أهل البدع والضلالة، ضلالة لا تخرج عن الملة»، يعني لا تظن أن عدم معادات أهل البدع والأهواء كفر، ولكن الصحيح التفريق، فمنه ما هو معاداة للكافرين، وليس كل عدم معاداة للكافرين فهو يكون كفرا. وهذا صريح من المؤلف رحمه الله إلى أن المؤلف رحمه الله لا يرى أن الولاء والبراء مع الكفار والمرتدين والمشركين، عدم القيام به يكون ردة كما زعمه بعضهم في هذا الزمان، وربما نسبوه لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهو خطأ. بل أنت ترى في هذه العبارة ما هو صريح أنه أطلقها، لكن كلامه يفسر بعضه بعضا، سيأتي بعد قليل أنه يريد أنه لا يكفر بذلك، لكن ليس معناه أنه ليس فيه كفر، لا، قد يقع كفر بقيوده وصفة الذي سبقت الإشارة إليه فيما سبق، وسيأتي التنبيه عليه فيما يأتي إن شاء الله. قال: «لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين»، يعني هجران أهل البدع والأهواء، وهذا عام سواء أهل البدع كفار أو غير كفار، والكفار لهم أحكام أشد. قال رحمه الله: «الأول يعني الذي لأجله كان التشديد غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجل من الكبائر»، يعني أشد، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم، ولو كان عالما عابدا، أبغض وأشد ذنبا من السني المجاهر بالكبائر. ما هو السبب الذي استقر مثل هذا المعنى عند عامة الناس من أهل السنة؟ هو تحقق خطر البدعة عند هذا العام، وكذلك البدع الأخرى، فبدعة الرفض لما ظهر أثرها وشاع أمرها وتسلط دعاتها بالباطل على أهل الحق، فكان الفساد الذي اطلع عليه القاصي والدان، والعالم وغيره، صار عند العالم وغير العالم أن من يحمل العلم من الرافضة هو أشد شرا ممن لا علم عنده، ولو كان من أصحاب الكبائر من أهل السنة، لخطر البدعة. وهكذا كذلك البدع الأخرى. قال رحمه الله: «الأمر الثاني أن البدع تجر إلى الردة الصريحة كما وجد من كثير من أهل البدع، فالبدع بريد الكفر، وهي أشد وأحب إلى الشيطان أشد على الإنسان وأحب إلى الشيطان من الكبائر؛ لأن صاحب الكبيرة لا يزال يحدث نفسه بالتوبة، وهو لا يزال كذلك يخاف على نفسه من أن يموت على ذلك، بخلاف صاحب البدعة فإنه يظن نفسه على حق». قال رحمه الله: «فمثل البدعة التي شددوا فيها مثل تجديد النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة الله عند قبر رجل صالح، خوفا مما وقع من الشرك الصريح الذي يصير به المسلم مرتدا». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»، وجاء معناه عن عدد من الصحابة، عائشة وابن عباس وأبي هريرة وجماعة. الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف من هذا الأمر وشدد فيه؛ لأنه بريد الكفر، عبادة عند قبر الرجل الصالح، ليس هو شرك أكبر، بل هو من البدع، لكنه شرك أصغر؛ لأنه يفضي إلى ماذا؟ إلى الشرك الأكبر، يفضي يعني يوصل، قد يوصل إلى الشرك الأكبر. وهكذا كذلك الكثير من البدع توصل إلى ذلك، القدرية الذين كان لهم ما كان في مسائل القدر، هل ليقف أمرهم عند مسائل القدر أم ينتقل إلى الإيمان؟ الجواب: ينتقل إلى الإيمان؛ لأن القدر ركن من أركان الإيمان، فإذا اختل ذاك الركن أثر ذلك على الإيمان بالله سبحانه وتعالى. فأركان الإيمان الستة متوثقة متلازمة، لا ينقص واحد منها فيبقى إيمانه بالله كاملا، فصارت البدع بريد الكفر ووسائل الكفر، فمثلا الذي وقع منه خلل في باب القدر صار إيمانه بالله عز وجل وقدرته في صفاته وأفعاله جل وعلا فيها نقص، وهذا نقص في الإيمان بالله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «فمن فهم هذا فهم الفرق بين البدع وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة ومجاهدة أهلها، أو النفاق الأكبر ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي نزلت فيه الآيات المحكمات». يشير رحمه الله أنه إذا كان السلف شددوا في أمر البدع وحذروا منها لخطورتها وكونها بريد الكفر وذريعة ووسيلة إليه، فكيف بما هو أعظم من ذلك مما قد يكون بعضه ردة، كعبادة القبور والمدافع عن عباد القبور، وهكذا من يجاهد معهم أهل الحق، أو كذلك ينكر على من يجاهد أهل الباطل، سواء بجهاد باللسان، وهذا كان أول دعوة الشيخ رحمه الله، ويدل عليه ما في هذه الرسالة، أو الجهاد بالسيف والسنان. فهذه الرسالة من الجهاد الأول، الجهاد في الحجة والبرهان، فإنه كان رحمه الله قد ألف مجموعة من الرسائل الخاصة والعامة التي فيها بيان حقيقة التوحيد وما يجب وما يلزم لأجله، وحقيقة الشرك وما يجب وما يلزم في كذلك أمره. قال رحمه الله تعالى: «ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، ﴿يُحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾». يعني أن هذه الآيات ونحوها من الآيات الكثيرة تدل على ما يجب أن يكون من المسلم مع الحق وأهله، وأعظم الحق التوحيد، وضد الكفر والشرك والنفاق والردة وأهله. وهذا إذا كان كذلك، كما يقال: علم الناس القريبون والبعيدون ما عليه حال من يدافع عن عباد القبور. وإلى هنا والله تعالى أعلم.