الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 27، الدرس السابع والعشرون:من( المثال الرابع:مخاصمة بين القدري والجبري ... ووفق من شاء من عباده لاتباعه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي قصة مخاصمة بين قدري وجبري حول أفعال العباد ومشيئة الله. كل طرف عرض حججه، القدري يرى أن أفعال العباد لا تتعلق بمشيئة الله بينما الجبري يعتقد أن العباد مجبورون.
الحاكم السني يبين أن كلا الطرفين لهما جانب من الحق وجانب من الباطل، ويحكم بحكم يستند على الكتاب والسنة والعقل والفطرة. أفعال العباد خاضعة لمشيئة الله وقدرته وفي الوقت نفسه من كسبهم.
يشرح مفهوم القدر والخلق في الإسلام، موضحًا أن الله خلق العبد وأعطاه قدرة ومشيئة. يُؤكد أن أهل الحق جمعوا بين الأدلة الشرعية وأقروا بأن الله خالق للعبد وأفعاله. تم اختتام الدرس على خير.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: المثال الرابع، مخاصمة بين القدري والجبري. قال: طال الخصام بين قدري يعتقد أن أفعال العباد لا تتعلق بها مشيئة الله، وبين جبري يعتقد ضد ذلك، وأنهم مجبورون على أفعالهم واقعة بغير اختيارهم، أي لفعال لأنهما متباعدان في طرفين قيد. فاتفقا على التحاكم إلى عالم من علماء أهل السنة، يعرفان كمال معرفته وكمال دينه. فقال السني: ليعرض كل منكما علي مقالته، ولكما علي أن أدقق الحكم بينكما، وأن أرد ما مع كل واحد منكما من باطل، وأثبت ما معه من الحق. فقال القدري: وأنا أقول إن الله حكم عدل لا يظلم من عباده أحدا، ومن مقتضى إثباتي لهذا الأصل أني أنزه ربي عن أن تكون الفواحش الواقعة من العباد واقعة بمشيئة الله، بل العبد هو الذي تجرى عليها وهو الذي فعلها استقلالا. وأدلتي على هذا جميع النصوص الدالة على أن الله ليس بظالم لعباده مثقال ذرة، وأنه حكم عدل؛ لأن تعلق مشيئته بأفعالهم ثم تعديبهم عليها ظلم من جهتين: ظلم من جهة إضافتها إلى مشيئته، وظلم من جهة كيف يعذبهم على أمر هو الذي شاءه وقدره. ثم إني لو قلت إنها واقعة تحت مشيئة الله لأبطلت بذلك أمر الله ونهيه، بل في ذلك إبطال للشرع، فأنا ما رأيت السلامة من هذا المحذور إلا بهذه الطريقة العادلة التي يرتضيها كل عاقل منزه لله. فقال الجبري: وهذا الكلام كما ترون نظر كما قيل بعين عوراء وبفهم غير صحيح؛ فكون الله عز وجل حكم عدل ولا يظلم العباد لا يعني ذلك أن يرد ما أثبت الله عز وجل لنفسه، فالذي أثبت الإرادة الكونية هو الذي أثبت الإرادة الشرعية. فكما أن الله عز وجل أثبت إرادة شرعية يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر ويدعوهم إلى الدين الحق وإلى العدل وعدم الظلم وغير ذلك، فهو الذي أخبر في شريعته بإرادته الكونية التي من مقتضاها أن أفعال العباد لا تخرج عن تلك الإرادة؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه سبحانه علم بالأشياء قبل وقوعها. فالواجب هو إثبات ما أثبت الله عز وجل، ولكن إذا عرض للإنسان شبهة ليس معناها أن ينفي الحق، ولكن معناها أن يستفهم عن الحق. كان لازم مثل هذا الإنسان أن يقول: أنا رأيت هذا عرض هذا، فأحتيت أن أعرف كيف يفسر هذا لمعارضته لهذا، وليس من الصواب أن يقول: رأيت هذا عارض هذا فأثبت هذا وتركت هذا؛ لأن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، والواجب أن يثبت الكل ولكن يستفهم عما أشكل. قال: فقال الجبري: أنا أقول إن الله على كل شيء قدير، وإنه خالق كل شيء، وإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قضايا لا يمكن مسلما أن ينكرها ولا ينازع فيها، يعني عموم مشيئة الله وقدرته. قال: وهذا عموم لا يخرج عنه حادثة، ومن أعظم الحوادث أفعال العباد من طاعات ومعاص وغيرها، فلو أنها خارجة عن قدرة الله ومشيئته لم يكن الله قديرا على كل شيء ولا خالقا لكل شيء، ومقتضى ذلك أن العباد مجبورون على أفعالهم غير مختارين لها؛ لأنهم لو اختاروها وفعلوها حقيقة لخرجت عن مشيئة الله وقدرته، فتعين القول بالجبر وأنهم مجبورون مقصورون على أفعالهم، قد نفذت فيهم مشيئة الله وصرفتهم الإرادة. وأدلتي على قول هذا جميع النصوص المثبتة لعموم خلق الله ومشيئته وقدرته، وأني لو قلت إن العبد فاعل حقيق لفعله لأخرجت هذا القسم عن مشيئة الله وقدرته. وهذا كذلك نظر آخر بعين عوراء وفهم للنصوص بفهم غير سديد؛ فكما أن الأول نظر إلى الإرادة الشرعية وأعرض وهمش وكذلك أهمل ما يتعلق بالإرادة الكونية، وهو تصرف خاطئ، كذلك هذا الجبري نظر إلى أدلة الإرادة الكونية القدرية ومنها عموم قدرة الله وخلقه، وأهمل الأدلة المتعلقة بالإرادة الشرعية ومنها إثبات القدرة والاختيار للعبد والفعل الذي أثبتته الأدلة، وشواهد ذلك في الحس والعقل والفطرة. وهكذا كذلك ما خالفه القدري، فكلا الرجلين نظر بنظر قاصر وفهم بفهم خاطئ، وكان الصواب بينهما وليس لهما. قال: فقال الحاكم السني: لقد وضح كل واحد منكما مذهبه توضيحا كاملا، واستدل كل واحد منكما بأدلة لا يمكن المنازعة فيها لكثرتها ووضوحها، ولكن كل واحد منكما لم ينظر المسألة من جميع نواحيها، بل لحظ جانبا وعمي عن الجانب الآخر، وكثير من الأغلاط يأتي من هذا السبب. وسأحكم بينكما بحكم يستند على الكتاب والسنة ويستند إلى العقل والفطرة، وسأقنع كل واحد منكما إن كان قصده طلب الحقيقة. أما أنت أيها القدري، فأصبت بقولك إن أفعال العباد كلها من كسب من كسبهم، وكلها من فعلهم، طاعاتها ومعاصيها وغيرها من أفعالهم، يعني غير الطاعات والمعاصي من المباحات. وأصبت باستدلالك عليها بأن الله نسبها وأضافها إليهم، وأصبت في تبريك من قول يلزم منه إسقاط الأمر والنهي وهو الجبر، وكل هذا حق. قال: ولكنك أخطأت خطأ كبيرا حيث زعمت أن مشيئة الله وقدرته لا تعلق لها بأفعال العباد، فنفيت عموم النصوص الدال على هذا الأصل، وظننت أن إثبات عموم الخلق والمشيئة لله يناهي كون الأفعال الصادرة من العباد تكون باختيارهم ومن كسبهم، وهذا ظن غلط محض؛ بل المؤمن العارف يجمع بين الأمرين، يثبت لله تعالى أنه خالق كل شيء، وأنه مع ذلك الأفعال صادرة منهم حقيقة، ولا تنافي بين هذين الأصلين، وقد مر معنا وتقدم بيان ذلك وإضاحه. قال: وأما أنت أيها الجبري، فقد أصبت بإثباتك أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن. وأصبت بهذا الاستدلال، ولكنك أخطأت خطأ كبيرا حيث زعمت أن من لوازم إثبات عموم مشيئة الله أن العبد مجبور على أفعاله لم تقع بمشيئته، أي بمشيئة العبد. وظننت أن إثبات عموم القدر يقتضي منك أن تقول هذا القول، وهذا خطأ؛ لأنه كذلك تعطيل لجانب آخر دلت عليه الأدلة الشرعية والنصوص الكثيرة، وهو إثبات قدرة ومشيئة العبد بما ثبت بإثبات الإرادة الشرعية التي جاءت بها الأدلة من الكتاب ومن السنة. قال: ثم قال السني أيضا لهما: لقد قال كل منكم قولا ممزوجا حقه بباطله، وسأحكم بينكما بحكم يتضمن إثباتا ما مع كل منكما من حق، وإبطال ما مع كل منكما من باطل. وقد دل على هذا الحكم عدة نصوص، منها قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فهذه الآية الكريمة حكمت بينكما؛ فإن الله أثبت للعبد مشيئة بها يفعل ويسلك الصراط المستقيم أو يدعه باختياره ومشيئته، وأخبر أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله غير خارجة عنها؛ فمشيئة الله عامة لا يخرج عنها شيء، ومع ذلك فالعباد هم الذين يعملون ويطيعون ويعصون. قال: ومع أن هذا هو الذي دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فهو الذي يدل عليه العقل والواقع والحس؛ فإن الله خلق العبد وخلق ما فيه من جميع الأوصاف والقوى، ألستما تعترفان بذلك؟ وكل عاقل يعترف به. قال: بلى، يعني كون أن الله خلقك وخلق جميع الأوصاف والقوى التي فيك. قال: بلى. قال السني: فإن من جملة أوصاف العبد التي خلقها الله فيه أنه أعطاه قدرة ومشيئة يتمكن بهما من كل ما يريده من خير وشر وطاعة ومعصية، وبهما تقع طاعاته ومعاصيه. وتعلمان أن العبد متى أراد أمرا من الأمور التي يقدر عليها فعله بتلك القدرة والإرادة التي خلقهم الله فيه. فإذا أوقع العبد بهما فعلا من أفعاله دخلت تحت عموم قدر الله؛ لأن خالق السبب التام الذي هو قدرة العبد وإرادته خالق للمسبب، أي أن الله عز وجل كما خلق القدرة والقوة التي بها يفعل العبد، كذلك هو خالق لأفعال هذا العبد؛ لأن هذه الأفعال وقعت بما لا يمكن وقوعها إلا بها، ألا وهي تلك الأسباب التي بها وقعت هذه الأفعال القدرة والخلق، فالقدرة والخلق من خلق الله، ونتائجها من باب أولى أن تكون من خلق الله. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، قدم قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ لأن خلقكم يتضمن خلق الأجساد وخلق الأوصاف ومنها خلق القدرة والقوة، ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وعملكم الذي سببه هو وجود تلك القوى والقدرة التي خلقها الله عز وجل لكم. قال: لأن خالق السبب التام الذي هو قدرة العبد وإرادته خالق للمسبب، يعني لما يصدر عنهما. وكل منكما يعترف أن الله خالق قدرة العبد ومشيئته كما خلق جميع قواها الظاهرة والباطنة. فإذا اتفقتما على هذا القول الذي هو الصواب بما عرف من دلالة النصوص الشرعية عليه وأنه المعقول المحسوس، عاد الأمر إلى الوفاق. ومما يؤكد ذلك ولا ينكره جبري ولا قدري أن كل بني آدم مهما اختلفت مذاهبهم يفرقون بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية؛ فهم يفرقون بين رعشة اليد التي تكون من مرض وبين حركتها التي تكون من غير مرض ولا علة. فالأول يتفق كل بني آدم أنها ليست بقدرة ولا اختيار، وأن صاحبها مجبور عليها، والثاني لا يجحد ذلك إلا مكابر: أنه يفعلها بقدرة واختيار، يكون معها إمكان الإقدام والإحجام؛ فإن شاء خطى خطوة إلى الأمام وإن شاء لم يخطو خطوة، ومثله إن شاء أطاع الله سبحانه وتعالى وإن شاء لم يطع، وإن شاء عصى الله عز وجل وإن شاء لم يعصي. فكل إنسان يجد في فطرته وفي حسه ويدرك ذلك بعقله ويثبته، كذلك الواقع بما لا يمكن المكابر معه، لكن الشبه قد تطمس تلك الحقائق؛ كون أن الإنسان يتعلق بشيء ثم يعتقده يجعله يرد أشياء ربما في الواقع لو حقق الأمر في نفسه ما استطاع أن ينكرها. قال رحمه الله: فإذا اتفقتما على هذا القول الذي هو الصواب بما عرف من دلالة النصوص الشرعية عليه وأنه المعقول المحسوس، عاد الأمر إلى الوفاق؛ فليتبرأ كل منكما من الباطل الذي معه، وليعترف بالحق الذي مع صاحبه؛ ليتبرأ الجبري من اعتقاده أن العبد مجبور مقهور على أفعاله، وليعترف أنها واقعة بكسبه وفعله حقيقة. وليتبرأ القدري من اعتقاده أن أفعاله غير داخلة تحت مشيئة الله وغير شامل لها خلق الله وقدره، وليعترف بعموم خلق الله وشمول قدره. والحمد لله الذي بيّن الصواب ووفق من شاء من عباده لاتباعه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وهذا المثال كما ترون ظاهر، ويبين لك وجه الشبهة التي وقع فيها الجبرية والقدرية حيث نظروا إلى بعض الأدلة وتركوا البعض الآخر. وأما أهل الحق فقد وفقهم الله للأخذ بكل الأدلة مما أثبتوا هؤلاء وهو الحق والصواب، وجمعوا بين هذه الأدلة بما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة بما ليس فيه اعتراض ولا شقاق. والله الهادي لسواء السبيل. وإلى هنا والله تعالى أعلم، ونكمل إن شاء الله في درس قادم.