شرح أصول السنة للرازيين  2

شرح أصول السنة للرازيين 2

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 2، الدرس الثاني:من( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الإيمان وأقوال أهل السنة

يشرح الدرس تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة بأنه قول وعمل ونية، مستندًا إلى أقوال الأئمة والعلماء. يشير إلى تعدد التعابير حول الإيمان مع اتفاقها في الجوهر.

توحيد المعنى رغم تعدد التعريفات

يبرز المقطع أن تعدد تعريفات الإيمان لا يدل على اختلاف أو تعارض، بل يشير إلى جوانب متكاملة من الإيمان، مستشهدًا بأقوال السلف.

أدلة الكتاب والسنة على تعريف الإيمان وزيادته

يستعرض الدرس الأدلة من القرآن والسنة على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأنه يزيد وينقص، معتمدًا على الآيات والأحاديث.

علاقة الإيمان بالطاعة والمعصية وآثارها

يفصل المقطع العلاقة بين الإيمان والطاعة والمعصية، موضحًا أن الطاعة تزيد الإيمان والمعصية تنقصه، مما يدل على ديناميكية الإيمان.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بما ذكره الإمامان الحافظان الرازيان مما أدرك عليه المشايخ والعلماء من عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنهما أدركا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا، وكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وقد نقلنا في الدرس السابق أقوال أهل العلم في أن الإيمان قول وعمل، وهذا التعبير جاء عن أكثر أهل العلم، أو عن كثير من أهل العلم، كما سبق معنا، وجاءت تعابير أخرى هي لا تنافي كما سيأتي إن شاء الله هذا المذكور، وكله منقول عن أئمة السنة وعلمائها في تلك الأمصار. فمن تلك التعابير قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، عن الإمام الشافعي رحمه الله، وذكره في «الأم» أنه كان يقول: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية». وذكر هذا المعنى شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» في الجزء السابع، واللالكائي كذلك في «شرح أصول الاعتقاد». وسئل الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «الإيمان قول وعمل ونية؟» فقال: «كيف يكون بلا نية؟ نعم الإيمان قول وعمل ونية، ولا بد من النية»، قال: «النية متقدمة» يعني على القول والعمل، وذكر هذا الخلال في «السنة»، وهكذا اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد». وهكذا روي نحوه عن أحمد: يابن الحسن بن شكر، وفي رواية: الميمون بن هانئ، وحنبل. وهكذا من تعابير أهل السنة عن الإيمان أنهم قالوا: «الإيمان قول وعمل ونية واتباع السنة»، وروي هذا عن الإمام أحمد، رحمه الله، رواه الاستراباذي في «طبقات الحنابلة». وهكذا روي عن سفيان الثوري، كما ذكره اللالكائي، رحمه الله، في «أصول الاعتقاد» عن الثوري، رحمه الله. وذكر نحوه الحافظ ابن الدهبي في كتابه «تذكرة الحفاظ» عن الثوري كذلك، وقال: «وهذا ثابت عن سفيان». وهكذا روي ذلك عن علي وابن مسعود، رضي الله عنهما. وكذا روي عن الحسن، وذكره الآجري، رحمه الله، في «الشريعة». وعبر بعضهم أن الإيمان: «اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان»، وذكر هذا الآجري، رحمه الله، في «الشريعة»، فقد جاء عن جماعة من الصحابة، كذا قال الآجري، رحمه الله. وقال رحمه الله تعالى: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث»، ثم ذكر كلامًا، وقال: «دل على ذلك الكتاب والسنة، وقول علماء المسلمين». فدل على أنه لا فرق بين ما سبق ذكره؛ لأنه ذكر قبل ذلك عبارات لأئمة في أنه: قول، وعمل، وقول، وعمل، ونية. وبهذا نعرف أن هذه التعريفات للإيمان ليس بينها تعارض؛ فكلها تؤدي معنى واحدًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: «ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان؛ فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح». فإذا قالوا: «قول وعمل» فإنه يدخل في القول: قول القلب واللسان جميعًا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ونحوه إذا أطلق، قال رحمه الله. ثم ذكر كلامًا، قال: «والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب، وهذا واضح». يريد أن يقول: دفعًا لمثل هذا الوهم زاد من زاد من السلف لفظ الاعتقاد، ثم قال رحمه الله: «ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، وهذا ظاهر». ثم قال رحمه الله: «ومن زاد الاتباع للسنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، وإنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم». كما سئل سهل بن عبد الله التستري، رحمه الله، عن الإيمان ما هو؟ فقال: «قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة»، انتهى كلام شيخ الإسلام، رحمه الله، من كتاب «الإيمان»، وذكر نحوه في «مجموع الفتاوى». وعلى هذا فيعلم أنه لا فرق فيما سبق بين تلك العبارات التي رويت عن السلف ولا الأئمة والعلماء، ويدل على ذلك فعل الآجري في «الشريعة»، رحمه الله تعالى؛ فإنه ذكر في كتابه هذا المعنى، وأتبعه بذلك التبويب، وهذا يدل على ما سبق؛ حيث بوّب بما سبق ذكره، وأورد كلام السلف على ما سبق بالتعبيرات المختلفة التي تدل أنها جميعًا تنزل على معنى واحد. ويدل عليه كذلك فعل اللالكائي، رحمه الله، في «شرح أصول الاعتقاد» في الجزء الرابع؛ فذكر نحوًا مما ذكره الآجري، رحمه الله، في «الشريعة». بل ويدل عليه كذلك فعل السلف؛ كسفيان الثوري، كما سبق بيانه، وهكذا مما نقل عن الإمام أحمد؛ فإنهما نقل عنهما كلامًا فيه معنى تلك العبارات، وليس هذا من الاضطراب في تعابيرهم، ولكن من توضيح الكلام بعضه ببعض. وأما أدلة الكتاب والسنة الدالة على أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فهي كثيرة كثيرة، ويشق حصرها. ومن هذا الكثير -على سبيل المثال للحصر- قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، وفيه أن الإيمان قول وعمل، ومنه عمل القلب. وقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾، وهذا يدل على ذلك، وقوله جل وعلا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وهكذا كذلك قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية. وآيات إدخال المؤمنين الجنة برحمة الله والعمل كذلك فيها هذا المعنى، وكما ذكر الآجري، رحمه الله، هي في أكثر من ست وخمسين موضعًا. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فيه دليل على أن من لوازم الإيمان إيمان القلب. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، وهكذا الأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وهكذا أحاديث أخرى. ومما يدل على الزيادة والنقصان قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وغيرها من الآيات. وهكذا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات بالٍ وهو مؤمن»، عدي بهريرة وغيره، فهو يدل على هذا المعنى؛ فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وكل موضع فيه الزيادة يدل على النقصان؛ لأنه إذا كان يزيد بالطاعة فهو ينقص بنقصان الطاعات، وكل موضع فيه نقصان الإيمان بالمعاصي ففيه بقاء الإيمان بعدم المعاصي، فهو يدل كذلك على زيادة الإيمان ونقصانه. وبهذا القدر نكتفي، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.