شرح أصول السنة للرازيين  4

شرح أصول السنة للرازيين 4

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 4، الدرس الرابع:من( والقدر خيره وشره من الله عز وجل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإجماع على أن القدر خيره وشره من الله

نقل الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان إجماع العلماء على أن القدر خيره وشره من الله، وتظاهرت النقولات عن الصحابة والتابعين وأئمة العلم على ذلك. واستدل بهذه العقيدة أدلة من الكتاب والسنة.

أدلة الإيمان بالقدر من القرآن والسنة النبوية

القرآن الكريم يحتوي على آيات تؤكد أن كل شيء مخلوق بقدر، والله يعلم كل شيء ويكتب مقادير الخلائق. كما أن هناك أحاديث نبوية تؤكد على أهمية الإيمان بالقدر وأنه يجب أن يكون على أربع مراتب.

مراتب الإيمان بالقدر وأهميته

مراتب الإيمان بالقدر تبدأ بالعلم السابق لله تعالى بكل شيء، ثم الإيمان بالمشيئة والخلق. الإيمان بالقدر له أهمية كبيرة في العقيدة الإسلامية وهو سر الله تعالى يجب الإيمان به وفق أدلة الكتاب والسنة وسلف الأمة.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامان الحافظان أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي وأبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي، رحمهم الله، فيما نقلاه عن جماعة من السلف مما أدركا من العلماء في جميع الأمصار: حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، وأنه كان من مذهبهم ما سبق ذكره. قالا: «والقدر خيره وشره من الله عز وجل»، أي كذلك مما أجمع عليه العلماء في جميع الأمصار، كما سبق الإيمان بالقدر خيره وشره من الله عز وجل. وقد تظاهرت النقولات الكثيرة عن العلماء، لا سيما من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى زمن الرازيين رحمهم الله، وغيرهم، بل ومن بعدهم في ذلك. وقد ذكر نحو ذلك عن عدد من الأئمة، عدد ممن سبق ذكرهم، منه: اللالكائي رحمه الله، وعبد الله بن أحمد في «السنة»، وهكذا الخلال، وغير واحد مما سبق ذكره. وكما قلنا: لولا الإطالة لذكر أسماء من ذكر ذلك، ولكن المقام لا يتسع لمثل ذلك، فتكفي تلك الإشارات. ومما يذكر ويناسب ذكره في هذا المقام ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾، قال: يعني القدر خيره وشره من الله. وروى البيهقي في «مناقب الإمام الشافعي» رحمه الله، وذكر نحوه في كتابه «الاعتقاد»: أن الإمام الشافعي رحمه الله قال: «إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق الله تعالى، أفعال العباد، وإن القدر خيره وشره من الله عز وجل». ثم ذكر مسائل فيما نقل عن الإمام الشافعي بالاعتقاد، من عذاب القبر وغيره. وهكذا كذلك ذكر محمد بن عبد الكريم ابن أبي بكر الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» في الجزء الأول منه، قال: ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل. قال رحمه الله: ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن رحمه الله تعالى ممن يخالف السلف، فإن القدر خيره وشره من الله. فقال بعد ذلك: وإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم، يعني القدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى، أمر مجمع عليه، وتضافرت النقولات فيه عن الأئمة. وهكذا روى البيهقي بسنده إلى الإمام الحافظ محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله، أنه قال: «السنة عندنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أئمتنا: مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأن القدر خيره وشره من الله عز وجل، قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». ثم ذكر كلامًا نقله عنه عبد الله بن أسعد في كتابه «مرهم العلل المضللة في الرد على أئمة المعتزلة». وقوله رحمه الله تعالى -أو رحمهم الله تعالى-: «القدر خيره وشره من الله تعالى»، قد دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب، وأخرى من السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرًا﴾، ومثلها قوله جل وعلا: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿الذي قدر فسوى﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾، أي مكتوب عليهم في صحف الملائكة. وقوله جل وعلا: ﴿وكان أمر الله قدرًا مقدورًا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾»، فدل على أن أهل الجاهلية كان فيهم من ينكر القدر. وكما مر معنا قريبًا في درس شرح «التائية» تائية القدر لشيخ الإسلام، للعلامة السعد رحمه الله، الآيات التي تدل على أن في المشركين من كان ينكر مسائل في القدر، فنزلت فيهم آيات، ومنها هذه الآيات في سورة القمر. وذكر الإمام البخاري رحمه الله في «خلق أفعال العباد» بإسناد صحيح، وذكره شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول»، وذكر شيخنا الوادعي رحمه الله: أن سبب نزول هذه الآية ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ذكر البخاري رحمه الله في «خلق أفعال العباد» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نزلت هذه الآية: ﴿إن المجرمين﴾ الآية، ثم ذكر أنها نزلت في أهل القدر. قال البخاري رحمه الله بعدها: «ويروى عن ابن عباس، ومعاذ بن جبل»، وذكر كلامًا بعده رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك روى الإمام مسلم في «الصحيح» عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، ومعنى ذلك: أن الحذق والذكاء والعجز وعدم الاستطاعة كله بقدر الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك لا يخفى علينا حديث ابن مسعود في «الصحيحين» في إرسال الملك بعد نفخ الروح، فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد. وهكذا كذلك حديث ابن عباس: «يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله، احفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، إلى أن قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»، الحديث هو عند الترمذي وغيره، وهو حديث حسن مشهور. وهكذا فيما رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وفيه كذلك ما يجب الإيمان به في القدر. ومن هذه الأدلة وغيرها نعرف أن الإيمان بالقدر لا يتم حتى يؤمن به على أربع مراتب. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله قال: على درجتين، وفي كل درجة مرتبتين، وهو يشير رحمه الله إلى ما أنكره وجحده بعض أهل البدع في مباحث القدر. وذكرت الدرجة الأولى، وهو مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة: العلم والكتابة. العلم والكتابة، فإن الله جل وعلا بكل شيء عليم، ومن ذلك أنه علم ما سيكون، كيف يكون يوم يكون، على وجه الإجمال والتفصيل، من ذوات العباد وأفعالهم وأوصافهم، فكل ذلك يدخل في عموم علم الله سبحانه وتعالى، وهذا من القدر. وهكذا كذلك من الإيمان بالقدر الإيمان بالكتابة: أن الله جل وعلا أمر بكتابة كل ما يكون، كما جاء في حديث «البراء بن عازب»: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة»، رواه أحمد وغيره، وهو حديث حسن. فإن الله عز وجل أمر القلم بكتابة كل شيء يكون مما علمه سبحانه وتعالى من أمر هذا الكون. ومنكر هذه الدرجة كافر بنصوص الكتاب والسنة، وبإجماع الأمة؛ لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة. ولهذا فإن العلماء يقدمون هذه الدرجة -الدرجة الأولى المجملة على هاتين المرتبتين- مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. وأما الدرجة الثانية، فهي المتضمنة لمسألتين ومرتبتين من مراتب ومسائل القدر، وهو الإيمان بالمشيئة والخلق. وهو أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن للعبد مشيئة تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. والمرتبة الثانية من هذه الدرجة الثانية: الإيمان بالخلق، أن الله عز وجل خلق العباد وخلق أعمالهم وأفعالهم، وهم مخلوقون لله، وأعمالهم مخلوقة لله سبحانه وتعالى، كما مر معنا في كلمة الإمام الشافعي رحمه الله: «أن العباد لم يخلقوا أفعالهم، بل العباد هم مخلوقون لله، وأعمالهم وأفعالهم مخلوقة لله»، كما قال الله عز وجل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أي خلقكم وعملكم، فما ها هنا مصدرية، أي خلقكم وعملكم. وكما جاء عند الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، فالخلق مخلوقون لله، وما يصنعون من أعمال وذوات فهي كذلك مخلوقة لله جل وعلا. وقد أنكر هذه المراتب الأربعة طوائف من الناس، فظلوا بذلك، ومنهم من كان ضلاله كفرًا، ومنهم من كان ضلاله دون ذلك، وكلهم أهل بدع وضلال. ولما كان هذا الكتاب كتابًا مختصرًا، كانت مثل هذه الإشارات -إن شاء الله- كافية في مثل هذا المقام. فالمقصود هو إضاح ما كان عليه الأئمة وما نقلوه عن السلف مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة في مسائل الاعتقاد. ونفتتح هنا بحديث رواه الإمام ابن ماجة وأبو داود رحمهم الله بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، عن ابن الديلمي، قال: «أتيت أبي بن كعب، فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار». قال: «ثم أتيت ابن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك». فهذا الحديث تتابع الصحابة رضي الله تعالى عنهم بحكايته، وأصله من قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما حدث به زيد بن ثابت رضي الله عنه. بل معناه جاء في «الصحيح» في صحيح مسلم، من حديث ابن عمر، فقد ذكر نحو ذلك، أو معنى ذلك، حين أخبر بمن أنكر القدر: «أنه لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر». فإنما قاله ابن عمر: كذلك هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا أهمية الإيمان بالقدر، وأنه سر الله تعالى، ويجب الإيمان به كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة. إلى هنا والله تعالى أعلم.