شرح أصول السنة للرازيين 19

شرح أصول السنة للرازيين 19

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 19، الدرس التاسع عشر:من( والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم ... فمن أنكر منهم أن الله عز وجل يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم التعامل مع الناس بمقتضى الظاهر من الإيمان والإسلام

يتناول حكم التعامل مع الناس بناءً على مظاهرهم من الإيمان والإسلام، حيث يكل أهل السنة سرائر الناس إلى الله. يبين الفرق بين الإيمان والإسلام عند اجتماعهما وافتراقهما.

خصال الإيمان والإسلام ومسألة الاستثناء في الإيمان

يتناول خصال الإيمان والإسلام، ويبين أن للإيمان والإسلام خصالًا، ومنها ما يوجب الكفر أو نقصان الإيمان. كما يتناول مسألة الاستثناء في الإيمان وتفصيلها حسب السياق والمعنى المقصود.

الرد على المرجئة والقدرية وبيان خطأ آرائهم

يناقش آراء المرجئة والقدرية، ويبين خطأهما في التعامل مع مفهوم الإيمان والمعاصي. يرى أهل السنة والجماعة أن كلا الطرفين ضلال في تعاملهما مع الإيمان والمعصية.

ختام الدرس والإشارة إلى استكمال الشرح

يتم ختام الدرس عند هذا الحد من شرح الموضوع، مع الإشارة إلى استكمال الشرح في درس لاحق، والتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قبل الابتداء، سألاحظ الإخوة عن التفصيل الذي أشير إليه في قضية دفع الزكوات والصدقات إلى ولاة الأمور إذا كانوا من الظالمين وممن لا يصرفها في مصارفها، وأنه على ما سبق، إن أكره على الإعطاء أعطي بما يخفف الشر ويدفع عن نفسه المضرة، ويجزئه ذلك، وما بقي دفعه بنفسه إلى مستحقه. فسأل عن إحالة، فأحيلكم إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في «مجموع الفتاوى»، الجزء الخامس والعشرين، فقد ذكر ذلك في هذا المجلد، صفحة واحد وثمانين، وهكذا في الجزء الثامن والعشرين، في صفحة مئتين وسبع وستين. قال الإمامان الرازيان، رحمهما الله تعالى: «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل، فمن قال: إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع، ومن قال: هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال: هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب». وهذا كذلك مما نقلاه عن علماء الأمصار، ودلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة. واناسب ذكره هاهنا؛ لأنه بعد أن فرغ من الكلام على طاعة ولاة الأمور وما يتعلق بها من مسائل، ناسب أن يذكر مسألة الإيمان والاستثناء فيه، وما يتعلق بالشهادة لأهل القبلة بالإسلام على ظاهر ما يظهر منهم. وأول من يطعن فيهم وأهم من ينبغي تصحيح الكلام فيهم هو ما يتعلق بالطعن بولاة الأمور. وقد سبق أن الكثير من الوعيدية والخوارج، على وجه الخصوص، يثيرون مثل هذه القضايا، فناسب ذكره لهذا. فقولهم، أو قولهما: «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل»، هذا مثل قول الطحاوي، رحمه الله: «ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين». يعني: نقر لهم بما ظهر من ظاهرهم بالإيمان والإسلام، ونكل ما خفي إلى الله سبحانه وتعالى. نحن لا ندري ما هم عند الله، يعني مما أظهروه، هل هو صدق أو نفاق؟ وكذلك لا ندري ما هم عند الله مما يقول إليه أمرهم. فإن العبد يعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وهكذا إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل الجنة، فيدخلها. فمن عقيدة أهل الإسلام أنهم يكلون الناس على ظواهرهم، فمن أظهر الإيمان والإسلام، فهو على ظاهره في أحكامه. وهذا كذلك مثل حديث أنس، في الصحيح البخاري وغيره، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تغفر الله في ذمته». فمن أظهر شرائع الإسلام وخصال الإيمان، فنحن نشهد له بذلك، بما ظهر. نسميه بمقتضى ما ظهر لنا من عمله، وباطنه إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك نعاملهم بما تقتضيه هذه الظواهر، فنصلي خلفهم، ونقبل شهادتهم، وهكذا ننفذ أنكحتهم، ونجري التوارث فيهم، على ما تقتضيه أحكام الإسلام، كما أشار إلى ذلك، رحمهم الله تعالى، وهو الذي يدل عليه معنى هذا الحديث الذي أشير إليه. وتحته، أو تحت هذا المعنى، مباحث كثيرة ومسائل، ولكن هذه إشارة إلى هذا المعنى، على وجه الإجمال. وقولهما: «فمن قال: إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع، ومن قال: هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال: هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب»، هذه إشارة منهما إلى قضية الاستثناء في الإيمان. وناسب ذكرها هنا؛ لما ذكر ما يتعلق بإمضاء ظواهر الناس من إظهار الإيمان والإسلام، ناسب أن تذكر هذه المسألة. وهنا ينبه على مسائل، منها: أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. وهذا كثير غالب، وقليل ما يأتي على خلاف هذا. ومر معنا في دروس سابقة الإشارة إلى شيء من التفصيل في هذه المسألة. فيطلق المسلم، ويراد به المؤمن، ويطلق المؤمن، ويراد به المسلم. هذا هو الغالب. وإذا اجتمعا، صار الإسلام لأعمال الجوارح، والإيمان لما يكون معه مما في القلب. وعلى هذا قول الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فإذا كان كذلك، علم أنه هناك فرق بين الإيمان والإسلام إذا اجتمعا. وهذه هي المسألة الثانية. فالمؤمنون أفضل من المسلمين؛ لأن أهل الإسلام من أظهر شرائع الإسلام وأركانه، ولا ندري ما في بواطنهم. وأهل الإيمان من ظهر لنا من أفعالهم وأقوالهم، وعلمنا كذلك بحسن إسلامهم ما يدل على إيمانهم. ولهذا فرق بين الأعراب وغيرهم بهذا المعنى. والمسألة الثالثة: إذا علمنا أن هناك فرق بين الإيمان والإسلام، علمنا كذلك أن للإيمان والإسلام خصالًا. من استوفاها، استوفى خصال الإيمان والإسلام. ومن انتقص شيئًا منها، نقص منه خصال الإسلام والإيمان. ومن خصال الإسلام والإيمان ما تركه يوجب نقض وإبطال هذا الإيمان والإسلام، كما دلت عليه الأدلة. ومنها ما لا يوجب النقض، ولكن يوجب النقصان. فدلت الأدلة على كلا المعنيين. وقد يكون في بعض المسائل الخلاف ونزاع بين أهل السنة. وهذا لا يوجب تضليل ولا تبديع. وقد روى الحافظ بن رجب، رحمه الله، أو أشار الحافظ بن رجب، رحمه الله، في «شرح الأربعين وزيادتها» إلى الخلاف المنقول عن السلف في مباني الإسلام، أي: ما دون الشهادتين، من أنه يوجب الكفر الأكبر أم لا؟ وهكذا كذلك يقال في خصال الإيمان. فإن منها ما يوجب الكفر، ومنها ما لا يوجب الكفر، ولكن يوجب نقصان الإيمان. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». حديث أبي هريرة، في الصحيحين. والمسألة التي بعدها هي مسألة الاستثناء في الإيمان، أي: قول القائل: «أنا مؤمن»، أو «أنا مؤمن إن شاء الله». فمن من أهل العلم من أوجب الاستثناء بالإيمان، يقولون: يجب أن يقول للإنسان: «أنا مؤمن إن شاء الله». ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله». ومنهم من فصل. والصحيح التفصيل. فإن من تأمل الأدلة من الكتاب ومن السنة، وتدبرها، استيقنا أن القول الحق في ذلك هو التفصيل. فإن أريد بالاستثناء الشك في أصل الإيمان، فلا يجوز الاستثناء؛ لأن أصل الإيمان ليس فيه استثناء. وإن أريد به كمال وصفات الإيمان التي يكون بها استيفاء خصال الإيمان، فهذا يكون فيه الاستثناء. مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. فهؤلاء هم المؤمنون حقًا، يعني: الذين اتصفوا بكامل صفات وخالص صفات الإيمان. فإن كان الاستثناء من مثل هذا، فنعم. تقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، يعني: أرجو أني مؤمن أستوفي خصال الإيمان. وأما أصل الإيمان الذي يكون به التمييز بينه وبين الكفر والنفاق، فهذا لا يستثنى فيه. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في قولهما. فقولهما: «فمن قال: إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع»، قولهما: «حقًا»، إذا أراد به استيفاء خصال الإيمان، فلا أحد يستطيع أن يجزم لنفسه باستيفاء خصال الإيمان. وقولهما: «ومن قال: هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين»؛ لأنه لا يدري هل كتب عند الله من المؤمنين؟ فأنت لا تدري هل استوفيت خصال الإيمان حتى تزعم أنك مؤمن؟ وقولهما: «ومن قال: هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب»، فرق بين قولك: «أنا مؤمن بالله»، فأنت لم تزعم استيفاء خصال الإيمان. إنما تتكلم الآن على أصل الإيمان، فأصل الإيمان أنت مؤمن بالله حقًا، لا تشك في أصل إيمانك بالله. فهو تعبير بمعنى التعبير الذي سبقت الإشارة إليه في التفصيل. فإذا تكلم المؤمن بالإيمان، وأراد به أصل الإيمان، فلا ينبغي الشك والاستثناء، بل يقول: «أنا مؤمن»، «أنا مؤمن بالله». وأما أن يقول مطلقًا: «أنا مؤمن حقًا»، فهذا يحتاج إلى استثناء، ولا يصلح مثل ذلك؛ لأنها كلمة عامة تشمل صفات الإيمان جميعًا، والأمر على ما سبقت الإشارة إليه من «التفصيل». والآية تدل على هذا المعنى، وكذلك السنة، فيها شيء كثير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، مع أنه ليس بكافر. وقال: «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». الحديث، حديث أبي هريرة، في الصحيح. فدل ذلك على أن أصل الإيمان موجود، الذي يتميز به عن الكفر. ولكن لم يستوفي خصال الإيمان التي يكون بها المؤمن الحق. قال: «قال رحمهم الله تعالى: والمرجئة المبتدعة ظلال». أصل الإرجاء هو الإرجاء: التأخير. وأطلق في كتب العقائد على تأخير الأعمال. والمرجئة فرق كثيرة. ومن هذه الفرق من كفرها أهل الإسلام؛ إذ أخرجت العمل عن مسمى الإيمان، وجعلت أن الإيمان ممكن أن يكون بغير عمل، ولا قول. وعلى هذا، صار لا فرق بين الكافر والمؤمن. وهم التزموا بهذا، حتى بعضهم زعم أن إبليس مؤمن، وأن فرعون مؤمن، وأن كذا وكذا من الكافرين من المؤمنين؛ لأن إقرار القلب واعترافه، ولو جحد اللسان موجود، أي: الإيمان بالله. وهذا ليس بصحيح، بل أدلة الكتاب والسنة تضافرت وتواترت في إبطال مثل هذا المعنى. وحقيقة الإيمان أنه: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فلا يتم إيمان مؤمن إلا باستيفاء هذه الأركان. فالإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. ثم تحت هؤلاء فرق، أو بعد هؤلاء فرق في إخراج مسمى الإيمان عن العمل. ومنهم من يصل للبدعة، ومنهم -كما سبق- يصل إلى الكفر. ومنهم من قال أهل العلم: أن خلافهم قد يكون خلافًا لفظيًا. والصحيح: أنه خلاف له أثر، وهو من يسمى بمرجئة الفقهاء، الذين أخروا العمل عن مسمى الإيمان. والحاصل: أن المرجئة بين من إرجاءه أوصله إلى الكفر، ومنهم من أوصله إلى البدعة أو الضلال. وكل هؤلاء على خطأ. والصواب قول أهل السنة والجماعة: أنه لا يؤخر شيء من العمل عن الإيمان، بل ينبغي أن يقرن العمل بالإيمان؛ لأنه من الإيمان. و «صح» معنى ذلك عن عدد من الأئمة. وقد بسط الأئمة في كتب العقائد الكبار والصغار معنى ذلك. فالإيمان منه ما هو قول. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله». ومنه ما هو عمل. قال: «وإماطة الأذى عن الطريق» يعني: من شعب الإيمان. ومنه ما هو في الباطن، ومنه ما هو في الظاهر. قال: «والحياء شعبة من الإيمان». وكل الأعمال، الظاهر والباطن، من الإيمان. فأهل السنة والجماعة يرون أن المرجئة مبتدعة ظلال. وقد يكون منهم من يصل إلى الكفر، ومنهم -كما سبقت الإشارة إليه- أنهم من أهل الظلال. وناسب ذكر المرجئة هاهنا؛ لأنهم في مقابل الوعيدية. لما أشار قبل قليل إلى بعض قول الوعيدية في مسألة نزع الإيمان بالمعاصي، وسلب الإسلام بالفجور، وأنه خطأ، وليس من طريقة أهل السنة والجماعة. كذلك من هو ضد هؤلاء، ويزعم أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فهذا من قول المرجئة. هم الذين يقولون: «لا يضر مع الإيمان معصية». والصحيح: أن المعاصي تضر بالإيمان. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن». فالمعاصي تضر بالإيمان. وكذلك المعاصي لا تنزع اسم الإيمان الذي يتميز به عن الكفر، وإنما يبقى مؤمن ناقص الإيمان. ومن قال: إنه ليس بمؤمن -يعني وقت المعصية- كما جاء في بعض الروايات: «يرتفع عنه الإيمان كالظلة». قال رحمهم الله: «والقدرية المبتدعة ظلال». فمن أنكر منهم أن الله عز وجل يعلم ما لم يكن قبل أن يكون، فهو كافر. أراد بالقدرية هاهنا معنيين اثنين، أو أراد معنيين اثنين: القدرية الذين هم الوعيدية. فإن القدرية أولهم، أو أوائلهم: المعتزلة، من أوائلهم المعتزلة. والمعتزلة: وعيدية، من الوعيدية. فلما ذكر الإرجاء، وقول المرجئة: «أنه لا يضر مع الإيمان معصية»، ناسب أن يذكر قول القدرية، والمراد بهم: نفات القدر، وهم المعتزلة، وهم من الوعيدية، وهم الذين يزعمون أنه يضر بالإيمان المعصية، فينزع مسمى الإيمان. والوعيدية من الخوارج والمعتزلة اتفقوا في شيئين، واختلفوا في شيئين. ما الأمران اللذان اتفقا فيهما؟ وما الأمران اللذان اختلفا فيهما؟ اتفقا في خلع مسمى الإيمان عن صاحب الكبيرة، وسلب مسمى الإيمان عنه بفعله لكبيرته. واختلفا: قال المعتزلة: إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وليس بكافر، فهو في منزلة بين منزلتين. وقالت الخوارج: إنه كافر. والقدرية -وهم المعتزلة- ضلال؛ إذ نزعوا مسمى الإيمان، وهكذا معهم الخوارج، وهم الوعيدية، عن فاعل الكبيرة. بينما ماذا فعل المرجئة؟ المرجئة قالوا: «لا يضر مع الإيمان معصية». انظر قولان متقابلان متضادان، وكلا القولين باطل وضلال. وقولهما: «والقدرية المبتدعة ضلال»، وجه ضلالهم أولًا: لما يقابل قول الوعيدية في الضدية من قول المرجئة، وكلا طرفي القولين باطل وضلال. والمعنى الثاني: لإنكارهم ونفيهم للقدر، وسبقت الإشارة إلى ذلك. فإن إنكار القدر من مذهب أهل الضلال المبتدعة. والواجب في ذلك: الإيمان بالقدر على ما جاءت به دلائل الكتاب والسنة. ولو تأملت، تجد أن مسمى القدرية بالقدرية له تعلق كذلك بمسألة الفاسق الملي. فالبدع تجر بعضها بعضًا. فالبدع تجر بعضها بعضًا؛ لما كانوا يقولون بالقول الباطل في القدر، وهو نفي القدر. ومبنى نفي القدرية للقدر: أنهم أثبتوا نوعًا من الإرادة، ونفوا نوعًا من الإرادة. فما هو الذي أثبتوه؟ وما هو الذي نفوه؟ أثبتوا الشرعية، ونفوا الكونية. القدرية أثبتوا الإرادة الشرعية، ونفوا الإرادة الكونية. فكانوا جبرية يزعمون أن الإنسان كالريشة في مهب الريح. وكلا القولين باطل وضلال. فانظر ماذا أثمر ذلك؟ يعني: البدع تجر بعضها بعضًا. كونهم يقولون: إن الإرادة الشرعية هي التي تثبت، والإرادة الكونية تنفى. إذن هم يريدون مؤمن سالم من النقص. ولهذا كان ضلال هؤلاء: أنهم جعلوا مسمى الإيمان والإسلام شيء واحد، إذا ذهب بعضه ذهب كله، وإذا وجد بعضه وجد كله. فالتزم كلا الطرفين بمعنى ذلك. فالمرجئة زعموا: أنه إذا وجد مسمى الإيمان والإسلام، فهو مؤمن كامل الإيمان. والقدرية في المقابل زعموا: أنه إذا نزع بعض مسمى الإيمان والإسلام، إذا نزع كل معنى المسمى للإيمان والإسلام. واضح: يعني لا يفصلون في ذلك. فلهذا قال المرجئة: «لا يضر مع الإيمان معصية». ولهذا قال الوعيدية من الخوارج والمعتزلة: «يضر مع الإيمان المعصية، فيزيل مسمى الإيمان». وكان قول أهل السنة: أن المعاصي تنقسم إلى قسمين: قسم منها يزيل مسمى الإيمان والإسلام، بما دل عليه الدليل. وقسم منها ينقص الإيمان والإسلام، ولا يزيل أصل الإيمان والإسلام. وهذا هو القول العدل. نقف عند هذا الحج، ونترك الباقي إلى درس لاحق، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.