شرح خمسون حديثا في العقيدة 37

شرح خمسون حديثا في العقيدة 37

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 37، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث النبي عن أوامر الله ووجوب الامتثال

الدرس يشرح حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم عن أوامر الله لعباده ويبين وجوب امتثال هذه الأوامر. يشير إلى أهمية التوحيد والصلاة في دين الإسلام.

أهمية التوحيد والصلاة وعلاقتهما بالأوامر الإلهية

يبرز الدرس أهمية التوحيد والصلاة في الإسلام، ويوضح أن أعظم ما أمر الله به الأنبياء هو توحيد الله، وأن الصلاة أعظم واجب بعد التوحيد.

مفهوم الجماعة وأهميتها والتحذير من مفارقتها

يشرح الدرس مفهوم الجماعة وأهميتها في الإسلام، ويحذر من مفارقتها، ويبين أن المعيار الحقيقي للجماعة هو الحق وأهل الحق.

ذم التفرق والتحزب في الإسلام

يشير الدرس إلى أن التفرق والتحزب مذموم وقد ذمه الله في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، ويعتبر هذا خلاصة ما ورد في حديث معين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث السابع والثلاثون. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان بن يزيد، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أن أبا سلام حدثه، أن الحارث الأشعري حدثه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن. أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدي إلي، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوة الجاهلية، فإنه من جثى جهنم». فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله». قال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال شيخنا غفر الله له: وصححه الشيخان الألباني في صحيح الترمذي برقم 63 و800 و2000، والوادعي في الصحيح المسند مجلد الأول صفحة 31 و22 إلى 32 و200. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة الجامعة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، لما فيه من الجمل العظيمة الجامعة. حتى أنها صارت من الكلمات الجامعة التي أمر الله جل وعلا بها أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام أن يأمروا بها. في هذا الحديث مسائل وفوائد كثيرة، من أهمها: أولا، فيه ما أمر الله جل وعلا به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام مما فيه تعليم الناس أمر دينهم، ومما هو خلاف ما أنزل الله من كتابه. وفي هذا رد على القرآنيين ومن كان على طريقتهم الذين يظنون أنه لا حكم لله إلا ما كان في كتابه. وليس الأمر كذلك، بل حكم الله جل وعلا في كتابه وفي وحيه الذي ينزله على رسوله من غير الكتاب. وهذا دليل من أدلة كثيرة، وهو يدل على أن هذا من سنة الله في رسله عليهم الصلاة والسلام الأولين والآخرين. وهكذا كذلك بهذا الحديث دليل على مسألة من المسائل الأصولية، وهو أن الأمر يقتضي الفورية. فإن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام قال: إني أخشى إن أمرتهم أن يخسف بي أو أعذب. وهكذا قوله قبل: وإنه كاد أن يبطئ بها. وفي ضمن ذلك كذلك دليل على جواز تأخير الأمر إذا كان في تأخيره مصلحة شرعية يكون فيها امتثال هذا الأمر. وفيه كذلك وجوب امتثال أمر الله جل وعلا، وأن أمر الله جل وعلا أمر واجب على كل بني آدم. فإذا كان نبي من أنبياء الله خشي على نفسه إن لم يمتثل الأمر أن يخسف به أو يعذب، فكيف بمن هو دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ وبه يعلم خطأ الكثير الذين يفتخرون بأنسابهم ويلتصقون بأحسابهم على حساب دين الله جل وعلا. فإنه لا فخر بنسب ولا التصاق بحسب، وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة ابنت محمد، سليني من مال الله ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئا». وفيه كذلك أن أعظم ما أمر الله جل وعلا به الأنبياء والمرسلين هو توحيد الله، وأن أعظم ما نهى الله جل وعلا به الأنبياء والمرسلين هو الشرك. كما في هذا الحديث، فإنه أمره أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. فهذا مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي ضمن هذا التنبيه على أهمية التوحيد وفضله وعظمه، وأن هذا مما يجب أن يؤمر به العامة والخاصة. وبه نعلم خطأ من ظن أن الدعوة إلى التوحيد سبب للفرقة، وأن الدعوة إلى التوحيد منافي للحكمة. وفيه كذلك فضيلة الصلاة، وأن الصلاة أعظم واجب بعد توحيد الله جل وعلا. وأنها من الواجبات والفروض المقدمة بعد توحيد الله جل وعلا. وفيه مرتبتها ليس في دين الإسلام فقط، بل فيما سبق من الأديان. وهذا الحديث دليل عليه، وفيه كذلك إثبات الوجه لله جل وعلا. وأنه ليس هذا في دين الإسلام بل هو في كل الأديان. وفيه صحة ما ذكره العلماء من أن عقيدة الناس أجمعين عقيدة واحدة لا تختلف من آدم عليه الصلاة والسلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذا هو تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى». يريد بذلك أن دين الأنبياء الأولين والآخرين واحد، وهو دين التوحيد: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. فسر هذا الحديث بأحد تفسيرين: أي كون أن الله جل وعلا ينصب وجهه قبل وجه المصلي. وذلك أنه فسر بأن وجه الله قبل وجه المصلي حقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته. ولكن ليس معناه أنه في قبلته في جدار المسجد أو جدار المصلى أو غير ذلك. وإنما في قبلته والمصلي في مكانه، والرب جل وتعالى في علوه. وليس ذلك على الله بعزيز، بل الله جل وعلا على كل شيء قدير. ومثل ذلك كما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولله المثل الأعلى، كمثل القمر يكون في قبلة السائرين المسافرين، وقبل وجوههم، وهو في علوه. القمر في علوه، وهو قبل وجه كل مسافر يسير في المشرق أو في المغرب. ولله المثل الأعلى. فإن المصلي إذا صلى فهو قبل وجه الله، يعني أنه قام ليقف بين يدي الله جل وعلا، وجهه قبل وجه الله. وفي هذا كذلك تنبيه على ما يجب أن يعتني به المصلي بأمر الصلاة. والتفسير الثاني: أنه قبل وجهه أي بالمراقبة وبالاعتناء. فحق العبد أن يراقب الله جل وعلا ويعتني كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهي أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان. ثم نأتي إلى مسألة سبق الكلام عليها، وهي هل شرع من قبلنا شرع لنا؟ والجواب: أن شرع من قبلنا هو شرع لنا إن لم يخالف شرعنا. فإن جاء في شرعنا وأقره شرعنا فهو من شرعنا، مثل هذا الحديث، فإنه ذكر على وجه الإقرار، فيكون من شرعنا ما لم يخالف شرعنا. فإن خالف شرعنا فليس من شرعنا. وهذا هو القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم، وهو الذي دلت عليه عموم الأدلة من الكتاب ومن السنة. ثم في آخر الحديث خمس أوامر أمر بها نبينا صلى الله عليه وسلم، أمره الله جل وعلا بها. أولها السمع والطاعة، وهي كما مر معنا بالمعروف. وثانيها الجهاد في سبيل الله. والمراد بالجهاد: جهاد العين وجهاد الكفاية، فكلا الجهادين مما أمر الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر به. والهجرة على أقسام كما مر معنا في دروس سابقة. وفيه دليل وتأكيد أن باب الهجرة لا يغلق إلى يوم القيامة. فما دام قد وجد الإيمان والكفر، فالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان باقية إلى يوم القيامة. وهكذا كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجماعة. والمراد بالجماعة: هم من كان على الحق، كما قال ابن مسعود: وإن كنت وحدك. فهذا هو المعيار الذي يعرف به الجماعة. ليس المعيار الكثرة، وليس المعيار الرجال، ولكن المعيار هو الحق وأهل الحق. وأهل الحق هم أهل العلم الراسخون العاملون الذين عرفوا بالإمامة والهداية، وهم حجة الله جل وعلا على الخلق في كل زمان ومكان. ولا تزال طائفة من ذلك إلى قيام الساعة، لا يعدم زمان من أن يكون فيه من هؤلاء. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفيه كذلك التحذير من مفارقة الجماعة، وأن من فارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. والمراد بذلك أحد أمرين: إما أن يكون المراد به الكفر، أو يكون المراد به الخوف من الوقوع في الكفر. فعلى التفسير الأول: يكون المراد أن من فارق الجماعة وقع في الكفر. وعلى التفسير الثاني: يكون المراد أن مفارقة الجماعة في قليل أو كثير تدعو صاحبه إلى خلع ربقة الإسلام من عنقه. فيخشى على من خالف الجماعة وفارقها، ولو كان في خصلة واحدة أو بعض خصال، ولو كانت مفارقته في غير مكفر. فإنه يخشى عليه أن يصل بأمره إلى الوقوع في الكفر. وهذا هو الغالب. ومنه قول العلماء: إن المعاصي بريد الكفر. لأن الشيطان لا يصل بالإنسان إلى الكفر جملة واحدة، ولكن يأخذه إليه خطوة خطوة. ثم قال: ومن ادعى دعوة الجاهلية فهو من جثى جهنم. ودعوة الجاهلية: هو الاعتزاء إلى غير الإسلام. يعني الأمر الخامس الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون اعتزاؤنا وانتسابنا إلى الإسلام، الشيء الذي سمى الله جل وعلا به. فلا يعتزى أحد إلى غير الإسلام وإلى غير الدين. فإذا اعتزى أحد فليقل: أنا المسلم، وأنا المؤمن. لا يقول: أنا ابن فلان، وأنا من القبيلة الفلانية، أو أنا من البلدة الفلانية، أو أنا صاحب اللون الفلاني، أو أنا الذي جاهي الفلاني، أو وظيفة الفلانية، أو منزلتي الفلانية، أو غير ذلك. فكل ذلك من دعوة الجاهلية. فدعوة الجاهلية: الاعتزاء بالأنساب والأحساب. هذه من دعوة الجاهلية. أما دعوة أهل الإسلام: الانتساب والاعتزاء بدين الله جل وعلا. أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. قالوا: في مثل هذه الجملة ليس اعتزاء إلى غير دين الإسلام، بل هو اعتزاء إلى دين الإسلام. لأنه قال: أنا النبي لا كذب. فهذا اعتزاء بما سماه الله جل وعلا به. وقوله: وأنا ابن عبد المطلب. هذا خبر، وأراد به مخاصمة المشركين فيما يفتخرون. يعني: إن كنتم تفتخرون بنسب، فإن عندنا مثل نسبكم. لكن النسب عندنا دون الإسلام والإيمان. النسب عندنا دون الإسلام والإيمان. فالإيمان والإسلام والوحي الذي أنزله من السماء مقدم عندنا على ذلك. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. وفي هذه الجملة دليل على نجف ونفي كل دعوة حزبية، ولو انتسبت هذه الدعوة إلى الإسلام. من أي حزب من الأحزاب التي تنتسب إلى الإسلام. فإنها إذا انتسبت إلى غير اسم الدين، وكان الولاء والبراء على غير الدين، فإنها من دعوة الجاهلية. ولهذا لما قال ذلك الرجل: يا للأنصار. وقال الآخر: يا للمهاجرين. صار الانتساب لهذين اللفظين ليس لأجل الدين، ولكن لأجل العصبية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبي دعوة الجاهلية، وأنا بين أظهركم». يعني: لا تستخدموا الألفاظ الشرعية للمقاصد العصبية. وهذا ما يفعله أهل التحزب. فأحدهم ربما يسمي بالتقوى أو بالإصلاح أو بغير ذلك من المسميات. ولكن في الحقيقة الولاء والبراء والافتخار والانتساب ليس لدين الإسلام. لأنهم يفرقون أنفسهم من المسلمين. وهذا من التفرق والتحزب المذموم الذي ذمه الله بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. به نكتفي. الحمد لله رب العالمين.