الدرس في شرح الأصول الستة 3، الأصل الثالث:أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح أهمية طاعة ولي الأمر في الإسلام مستندًا إلى الآيات والأحاديث، ويبين وجوب الطاعة حتى مع ظلم ولي الأمر. يُؤكد على أن طاعة ولي الأمر من أصول الدين.
يُنصح باجتناب حضور اجتماعات الإخوان المسلمين في فرنسا لما فيها من اختلاط بالباطل، وقد أفتى الشيخ أحمد النجمي بعدم جواز الحضور. ينبغي للمسلم الابتعاد عن مثل هذه الاجتماعات.
ينتهي المقطع بدعاء للمسلمين بالتوفيق والعصمة والرشاد، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يظهر اهتمام المتحدث بالدعاء وطلب الهداية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "الستة الأصول": قال الأصل الثالث: "أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًا". فبين الله له هذا بيانًا شائعًا كافيًا بكل وجه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ ثلث رحمه الله تعالى بهذا الأصل الذي أراد أن يبين فيه رحمه الله هذه المقارنة بين ما دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدين من هذا الأصل والثابت، مع ما عليه حال الناس في مجتمعه رحمه الله من بعدهم عن هذا الأصل والثابت من ثوابت الدين. على كثرة ما روي في هذا الباب، وقد كان في زمانه رحمه الله حال الناس في تفرقهم وتمزقهم، وبغي بعضهم على بعض، وخروجهم عن الطاعة ما كان علامة ظاهرة على بعد الناس عن دين الله عز وجل. وإن مما يقام به الدين اجتماع الناس، وتمام هذا الاجتماع كما ذكر رحمه الله بالسمع والطاعة، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فقوله: "إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا" تقدم معنى في الأصل الثاني عظيم منزلة الاجتماع في دين الله سبحانه. وبعد ذلكم العلم أراد أن يبين رحمه الله أمرًا عظيمًا متعلقًا بالأول بالثاني، أي الأصل الثاني والمسألة السابقة التي مرت وهي الاجتماع، وهي مسألة السمع والطاعة. فإن السمع والطاعة لمن تولى أمر المسلمين مما يكون به الاجتماع، ولهذا جاء في حديث المشهور الذي جاء في الصحيحين حين كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير والشر مخافة أن يدركه، فكان من ذلك والحديث طويل المشهور قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: "وهل بعد ذلك الخير من شر؟" قال: "نعم". الحديث. فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". وقبله قال: "فقلت: هل بعد هذا الخير من شر؟" قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: "صفهم لنا يا رسول الله". قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". فعندها قال: "فما تأمرني إن أدركني ذلك؟" قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". فإذن لا يكفي أن يلزم جماعة المسلمين بل وإمامهم كذلك. فلزوم جماعة المسلمين مقترن كما ذكر رحمه الله بلزوم السمع والطاعة. وقد جاء الأمر بذلك في أدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة، فمن ذلك ما تقدم في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، وهذا حال أهل الكفر والشرك، ومعناه لزوم الجماعة. وهكذا كذلك تحقيق السمع والطاعة، وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة الكثيرة الواردة في هذا الباب علِم أن ما أمر الله عز وجل به من لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، وما جاء كذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أولًا طاعة لله ولما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأدلة في هذا كثيرة، وقد تقدم بعضها. ومن ذلك الكثير قوله عليه الصلاة والسلام حين ذكر الافتراق: "فإن من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور". وقبله حين وعضهم عليه الصلاة والسلام وعض بليغة: "درِبت منها العيون، ووجدت منها القلوب"، قال: "أوصنا". قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي". تأمل اقتران الأمر بالسمع والطاعة مع الأمر بلزوم الاجتماع على الكتاب والسنة، لأنه لا يتحقق الاجتماع على الكتاب والسنة بدون إمارة. وكما يروى من الشعر: "لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا". ولا يخفى علينا حال المجتمع إذا لم يكن فيه طاعة لولي أمرهم، كيف يكون بغي بعضهم على بعض، واعتداء بعضهم على بعض، وعند ذلك يكون من الشر والفساد في الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا الله. ولهذا كذلك جاءت الأدلة بطاعة ولاة الأمور حتى ولو وقعت منهم معصية، فمعصيتهم لأنفسهم، وطاعتهم لله ولرسوله ولحفظ ما يحفظ به الدين والدنيا للمسلمين. ولا يعني ذلك أننا نقرهم في معاصيهم أو أننا نتابعهم في معاصيهم. بل صحة الأدلة الكثيرة أنه لا طاعة في معصية الله، ففي حديث ابن عمر في الصحيحين: "على المسلم السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة". وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام حين نزعها: "وأن من نزعها فمات مات ميتة جاهلية"، كما في حديث ابن عباس وغيره من الأحاديث الأخرى. قال العلماء: "موته ميت جاهلية" أي على ما كان عليه أهل الجاهلية لا يعرفون السمع والطاعة. وقال بعضهم: "لأن أمره يؤول إلى أن يموت على حالة فيها شبه بحالة أهل الجاهلية"، فلا يخلو أن يموت إما على كفر والعياذ بالله، وإما على بدعة أو معصية مصر عليها. وكفى بعدم طاعة ولاة الأمور أي المسلمين ما يدل على هذا المعنى. ومما نبه عليه العلماء كذلك أن الطاعة التي جاء الأمر بها في نصوص الكتاب والسنة هي لأولاة أمور المسلمين، فأما إن ظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، أو لم يقيموا الصلاة، فعند ذلك لا سمع ولا طاعة. وقال العلماء: "بل يجوز الخروج على هؤلاء لأجل كفرهم وبواحهم، بشرط أن لا يكون الخروج عليهم يؤدي إلى شر أشد من الشر الذي هم فيه، فإذا كان كذلك فلا يجوز". فدرء المفسدة الكبرى بالصغرى مطلب شرعي دلت عليه النصوص الشرعية الكثيرة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فإذا علمنا ذلك ينبغي أن نعلم أن من أعظم علامات أهل الإسلام اجتماعهم وطاعتهم لأولياء أمورهم. وأن من أعظم صفات أهل الكفر تفرقهم كما تقدم، وعدم اجتماعهم وطاعتهم لأولياء أمورهم، فأهل الإسلام أحق الناس بهذين الوصفين. فإذا لم يتحقق هذان الوصفان، علم أن في إيمان وإسلام من يدعي الإيمان والإسلام نقص. إذ لازم هذا الإيمان والإسلام تحقق وجود هذين الوصفين. وقد افتلي المؤلف رحمه الله في أهل زمانه بتخلف هذين الوصفين، الذي كان من لوازمه حصول التفرق، وكذلك كثرة الفتن والبغي والعدوان والشر الذي كان سببًا لضعف الدين وفتنة الدنيا. فليس فتنة الدين فحسب، بل حتى الدنيا، إذ لا يستقر للناس دين ولا دنيا ما دام لا يجتمعون على الحق، ولا كذلك يطيعون ولاة أمورهم. وقد ذكر العلماء في كتب العقائد مباحث مسائل كثيرة تتعلق بطاعة ولاة الأمور. والمقصود أن من علم هذا الأصل لزمه أن يلتزم به على ما دلت عليه النصوص الشرعية، وما نبه عليه العلماء مما جاءت به الأدلة الشرعية جملة وتفصيلًا، أي في هذا الباب، وسواء كان ذلك فيما يتعلق بالفرد أو ما يتعلق بالمجتمع، أو ما يتعلق من حق بالراعي أو يتعلق من حق بالرعية. وكل ذلك يجب أن يطبق ويحقق على وفق ما جاءت به النصوص الشرعية. وفي كلام المؤلف رحمه الله المختصر ما يدل على هذا المعنى على وجه الإجمال، وهو يريد رحمه الله تعالى أن يبين بعد الناس عن هذا الأصل مما أثمر ما هم عليه من شر وفساد، فسدت به العقائد والعبادات وغير ذلك من أمور الدين، بل وكذلك الدنيا. وأما قوله: "بيانًا شائعًا كافيًا" يعني شاع حتى اشتهر هذا البيان لكثرة ما ورد من نصوص الكتاب والسنة، وكافيًا يعني تقوم بمثله الحجة بكل وجه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا. يعني وضح وبين في نصوص الكتاب والسنة، وهذا هو الشرع بما كان مثله كافيًا في إقامة الحجة. وقوله: "وقدرًا" يعني من حال من التزم بهذا الأصل كيف أعزهم الله في دينهم ودنياهم، ومن لم يلتزم بهذا الأصل كيف أذل لهم الله ووقع لهم ما وقع من نقصان الدين والدنيا. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لم تخرج طائفة على ولي أمرها إلا كان أمرها فيما كان بعد الخروج أشد مما كانت عليه قبل ذلك"، أو كما قال رحمه الله. وقد ذكر العلماء أمثلة كثيرة فيما مرت به هذه الأمة مما يؤيد ويؤكد أهمية لزوم المسلمين هذا الأصل العظيم طاعة ولاة أمورهم في طاعة الله. فإذا قوله: "قدرًا" يعني ما وقع في هذا الكون مما هو من القدر، فكان دليلًا قدريًا كونيًا على أهمية الالتزام بهذا الأصل. والله عز وجل أخبرنا في كتابه أن الأدلة التي تدل على ما أمرنا به ودعينا إليه من ثوابت هذا الدين نوعان: أدلة شرعية، وهي التي وعظ بها الناس. وأدلة قدرية كونية، وهي ما كان من أحكام الله عز وجل المحكمة وسنته الماضية في عباده عند طاعتهم وإحسانهم، أو عند معصيتهم وإساءتهم. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد. يعني هذه آية ودليل قدري كوني يتعظ به أهل الأرض على وجوب طاعة الله ولزوم ما أمر الله به. وهكذا كذلك في هذا الأصل جعل الله عز وجل للناس آيات كثيرة فيها دليل على صحة ما دعت إليه الأدلة الشرعية، فكانت الأدلة القدرية الكونية فيما وقع للناس في تاريخ أهل الأرض ما فيه عبرة وعظة، وخصوصًا ما وقع في تاريخ المسلمين. وقوله: "ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم" معناه أن الأمر بالسمع والطاعة وأنه من تمام الاجتماع وأنه لا يتحقق الاجتماع إلا به، صار الكثير من من ينتسب إلى العلم لا يعرفه، فضلًا على أن يلتزم به. وهذا هو قوله: "فكيف العمل به؟". ولذلك تجد أحوال أهل البدع والأهواء وأهل الجهل والفسوق يتحقق عندهم هذان المعنيان: الجهل العلمي والجهل العملي في تطبيق وتحقيق هذا الأصل. فماذا يثمر ذلك؟ يثمر من التفرق والتمزق والتناحر ونقصان الدين والدنيا ما هو علامة على عقوبة الله عز وجل العاجلة، فضلًا عن الآجلة، لعدم تطبيقهم وتحقيقهم لهذا الأصل الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. وهذا هو الشاهد، أي أن ما عليه الناس في زمانه من نقصان الدين والدنيا كان لأمور كثيرة، ومنها تخلف تحقيق هذا الأصل. طيب لهنا والله تعالى أعلم. هذا سؤال يقول: هناك اجتماع سنوي للإخوان المسلمين في فرنسا في مدينة البرجة بقرب باريس، يبدأ من يوم الجمعة، تقام فيه محاضرات لرؤوسهم، وأحيانًا يأتي بعض دعاة السوء من بلدان مختلفة، ويحضر كذلك بعض المغنين من المسلمين، وأصحاب الأناشيد، وهناك قاعة خاصة للتجارة. وقد أفتى الشيخ العلامة أحمد النجمي رحمه الله تعالى بعدم جواز الحضور في هذا الاجتماع ولو للتجارة. وما زال يتردد بعض الإخوة ويستأجرون أماكن للتجارة هناك، بحجة أن في السؤال الذي وجه للشيخ النجمي رحمه الله لم يذكر أن هناك قاعتين: قاعة للتجارة وقاعة للمحاضرات والأناشيد. فما توجيهكم؟ الجواب: بارك الله فيكم، أن ما ذكره الشيخ رحمه الله شيخنا الشيخ النجمي عام يشمل ما إذا كانت قاعة أم قاعتين. فمن تأمل النصوص الشرعية الواردة في هذا الباب علم أن فتوى العلماء في هذا الباب محكمة ومقصودة على هذا الوجه. ولا يخفى علينا ما استدل به العلماء في حديث ثابت بن الضحاك حين نذر رضي الله عنه أن يذبح إبلًا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟" قالوا: "لا". قال: "هل فيه عيد من عيدهم؟" قالوا: "لا". قال: "أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله". الشاهد: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم دل على أنه لو قدر أنه وجد شيء من ذلك لمنعه عليه الصلاة والسلام، مع أنه نذر أن يذبح لله عز وجل. فكذلك ها هنا، حتى لا يغتر الناس بأهل الباطل فيكثر سوادهم، وحين يقرب إلى هذه الأسواق يسمع من كلامهم وشبههم، ويغتر بحالهم وكثرتهم، خصوصًا من في نفسه ضعف إما من جهة الدين أو من جهة الدنيا. وكان سلفنا يقولون: "القلوب ضعيفة، والشبه خطافة". وهكذا زاد بعض العلماء: "والشهوات خطافة". فالشبهات والشهوات تخطف القلوب الضعيفة التي تضعف من جهة الدين والعلم، فعند ذلك تنجر إلى هذه الفتن. ونحن مأمورون أن نجانب أهل الباطل، فالله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل". وقال عليه الصلاة والسلام: "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير". فكيف يليق بمسلم أن يعرض نفسه للشر أهل الباطل كالنار؟ من يقرب نفسه من النار؟ ما أحد يقرب نفسه من النار. فالذي يلعب بالنار هذا إما ناقص عقل، وإما ماذا؟ ناقص دين. نقصان العقل هو الذي يدفعه مثل ذلك، ونقصان الدين أنه يتحايل بأنواع الحيل. وهكذا حال بعض الناس، فلا ينبغي لإنسان أن يعرض دينه للفتنة، بل أعظم من هذا دين غيره، لأنه بهذا يسن سنة سيئة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا". والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ولا يخفى لو قال إنسان: "أنا الحمد لله أعرف شر هذه الفرقة وما عندهم من ضلال". فيقال: "إذا رأىك من هو دونك في العلم والدين، قال: فلان يحضر، إذن أنا سأحضر". فإذا أنت محصن، غيرك غير محصن. غيرك غير محصن، خصوصًا وأن معايير الناس معرفة الحق تختلف. فإن من الناس من يجعل ميزان الحق الكثرة، فإذا رأى تلك الكثرة اغتر بها. وهذا الذي يفعلونه مقصود، وإلا ما علاقة هذه الأمور كلها: دعاة ومحاضرات ودروس ومغنين ومنشدين وسوق؟ كما يقول بعض المشايخ: "مخضرية" يعني خلطوا من كل شيء: الطيب والخبيث، والنافع والضار، وما يقره الدين وما لا يقره الدين، مع أن دينهم بدعوى أو أهواء. ثم أمر آخر لا يخفى علينا حال هذه الدعوات وارتباطها ومناصرتها لدعاة التكفير والتفجير، أهل الفساد في الأرض. واليوم أعداء هذا الدين يتهمون البريء، البريء بمجرد لحيته وقميصه يتهم. فكيف إذا خالط أهل التهمة؟ أنت إذا كنت بريئًا ستتهم، عسى أن الله ينجيك من هذه التهم. فكيف إذا خالط أمثال هؤلاء؟ ولهذا ينبغي للمسلم أن يجانب هؤلاء ويبتعد عنهم سلامة لدينه ولدعوته، وكذلك لغيره من أفراد هذه الدعوة المباركة. فدعوة أهل السنة والجماعة من أعظم أسباب نجاحها وقوتها حصول التميز فيها: تميز بين الحق والباطل. ولهذا تجد بعض من ينتسب إلى هذه الدعوة إذا لم يحقق معنا التميز ضاع. إذا لم يحقق معنا التميز ضاع، لأنه اختلط مع الحزبيين مع أهل الأهواء والبدع، فعند ذلك إما أن يضيع هو، وإما أن يضيع أتباعه وطلابه، مثل حال بعض من ينتسب إلى السنة في بعض البلاد المجاورة. صار طلابهم يحضرون عند دعاة أهل الأهواء بسبب عدم التميز، فحصل في هذا اختطاف لأولئك الطلاب، طلاب المشايخ من قبل بعض أهل الأهواء ودعاة السوق بسبب عدم التميز. فلهذا نؤكد ما ذكره الشيخ النجمي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فننصح الإخوة باجتناب هذا السوق، وأن ينصح إخوانهم بالابتعاد عنه، ولكن بحكمة وبرفق وبرحمة، ليس يأخذ العصى أو يستعمل الهجر والعين الحمراء، لا. بحكمة ورحمة ورفق ينصح إخوانه بما يكون به إن شاء الله اجتماع أهل الحق على الحق. فأهل الحق أهل السنة والجماعة، كما قال شيخ الإسلام: "أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق". فيحققون هذا في علمهم وفي عملهم. نسأل الله عز وجل لنا ولكم ولسائل المسلمين التوفيق والسداد والعصمة والرشاد. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.