التعليق على شرح السنة للمزني  3

التعليق على شرح السنة للمزني 3

الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح مبحث القدر والمشيئة

يبدأ الشيخ أبو عبد الرحمن بن عمر بن مرعي بن برعيك بشرح مبحث القدر والمشيئة في كتاب شرح السنة للإمام المزني، موضحا أن خلق آدم وأفعاله كانت بقدر الله ومشيئته. يبين أن أعمال العباد مخلوقة لله ولا تخرج عن مشيئته وقدره.

قصة آدم والاستدلال بالقدر

يشرح المقطع قصة آدم وإغواء الشيطان له، ويبين أن آدم تاب ورجع إلى الله، ويتطرق إلى مسألة القدر والاستدلال به، موضحا أنه لا يجوز الاستدلال بالقدر على المعاصي. يستشهد بحديث النبي عن موسى وآدم عليهما السلام.

القدر والهداية وإرادة الإنسان

يشرح المقطع مفهوم القدر وكيف يرتبط بإرادة الإنسان وفعله، ويبين أن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء. يبين أن العباد يحتاجون إلى الدعاء والحرص على الطاعة ليوفقهم الله.

تأثير الكفر على القلوب والعقول وختام المبحث

يشير المقطع إلى آية قرآنية تصف تأثير الكفر على القلوب والعقول، ويشير إلى وجود العديد من الآيات والأدلة في هذا السياق. ينهي المقطع بالتأشير إلى الانتقال إلى موضوع أو كتاب آخر.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني، أرحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن برعيك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- في الدرس الماضي عما يتعلق بمبحث القدر والمشيئة، وكذلك الملائكة وما خلقهم الله عز وجل عليه سبحانه وتعالى، وأصناف ما يقومون به. قال -رحمه الله تعالى-: قال ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم صلت عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله لها إلى الأرض سببا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلا، ولعنه لها مذهبا. ثم خلق للجنة من ذريته أهلا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدرته وبإرادته يمفدون، وخلق من ذريته للنار أهلا، فخلق لهم أعينا لا يبصرون بها، وآذانا لا يسمعون بها، وقلوبا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون. هذا تتمة لما يتعلق بمبحث القدر والمشيئة، وسابق علم الله سبحانه وتعالى. ومباحث القدر أربعة، ما هي؟ مما مر معنا في دروس سابقة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، مراتب القدر. ومباحث مسائل القدر أربعة: العلم، أن نؤمن أن الله عز وجل علم بالأشياء قبل وجودها كيف تكون ويوم تكون، ما عليه تكون، وهو بكل شيء عليم سبحانه وتعالى. والأمر الثاني: الكتابة، أن الله عز وجل أمر بكتابة كل ما يكون قبل أن يكون، يوم يكون، كيف يكون، فأمر الله عز وجل بخلق القلم، وأمره بأن يكتب بما هو كائن إلى يوم القيامة، كل شيء مكتوب كتبه الله سبحانه وتعالى. وهكذا ثالثا: المشيئة، أنه لا يكون لأحد مشيئة في خلقه ومن خلقه إلا بما يشاء سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والعلم والكتابة والمشيئة لا تنافي إرادة العبد ومشيئته وفعله، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. والرابع: الخلق، أن الله عز وجل خلق الخلق وخلق أعمالهم، فهم مخلوقون وأعمالهم مخلوقة، والله خلقكم وما تعملون، يعني خلقكم وعملكم، خلقكم وعملكم، فالخلق مخلوقون لله، وأعمالهم مخلوقة لله. وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- عند الحاكم بإسناد صحيح: «إن الله صانع كل صانع وصنعته»، فالله خالق كل صانع وصنعته، يعني وما يصنعه وما يعمله، كله مخلوق لله عز وجل. فأعمالنا مخلوقة لله عز وجل، فإذا كانت مخلوقة لله، فهي لا تخرج عن مشيئة الله، ولا تخرج عن قدر الله وعن علم الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي ذلك قدرة وإرادة العبد، كما تقدم معنا: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وغير ذلك من الأدلة في الكتاب والسنة. ومن هذه المباحث ما أشار إليها هنا؛ لأن هذا مما استدل به بعض أهل البدع والأهواء، وحاولوا أن يجعلوا محل شبهة، فيذكروا أهل السنة، ويذكروا إيضاح وجه هذه المسائل. من ذلك خلق آدم، وما يتعلق بخلقه وسكناه الجنة وخروجه إلى الأرض بسبب معصيته، كل هذا بقدر الله سبحانه وتعالى، السائق في علم الله، وفيما كتب الله، وفيما شاء الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي ذلك إرادة آدم عليه الصلاة والسلام. قال -رحمه الله-: ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، هذا من فضل آدم عليه الصلاة والسلام، كما أخبر الله عز وجل في كتابه: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، فخلق الله عز وجل آدم بيده إكراما له وتفضيلا له عليه الصلاة والسلام، وأسكنه جنته إكراما له وتفضيلا له عليه الصلاة والسلام. وبحديث الشفاعة الطويل المشهور في الصحيحين، لما يأتي الناس يختصمون الشفاعة من الأنبياء، يبدأون بآدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته -الحديث-، فهذه ميزة وخصيصة لآدم عليه الصلاة والسلام. قال: وقبل ذلك للأرض خلقه، يعني: مع أنه خلقه بيده وأسكنه جنته، لكنه سبق بعلم الله ومضى القلم بما أمره الله عز وجل أن يكتب، وشاء الله عز وجل قبل أن يكون من يكون من آدم أنه يخرج إلى الأرض، وإن كان خلقه وأسكنه الجنة، فهذا في سابق علم الله، وفيما أمر الله بكتابته وشاءه، وهو لا ينافي إرادة آدم عليه الصلاة والسلام. قال: ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، نهاه عن الأكل من الشجرة امتحانا وابتلاء، وهو يعلم سبحانه وتعالى أن آدم سيأكل من هذه الشجرة، فهذا لا ينافي القضاء، ولهذا قال: قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، يعني أكل آدم من هذه الشجرة؛ لأنه سبق في علم الله ذلك، وقضى الله عز وجل ذلك في قدره. وهل ينافي هذا عمل آدم؟ الجواب: لا، عمل آدم بإرادته واختياره، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، هذا ابتلاء، ابتلاء الله عز وجل آدم. ثم صلت عليه عدوه فأغواه عليها، يعني إبليس، صلت الله عز وجل على آدم امتحانا وابتلاء لآدم عليه الصلاة والسلام، وليكون كذلك عظة وعبرة لذريته، للحذر من هذا الشيطان الرجيم الذي قد ابتلى الله عز وجل به أبو البشر آدم عليه الصلاة والسلام. فصلى بحكمته سبحانه وتعالى عليه عدوه فأغواه عليها، كما أخبر الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فوقع ما قدره الله سبحانه وتعالى، فهذا لا ينافي القدر. فهذه الأمان والوسوسة التي وسوس بها الشيطان على آدم كانت سببا في إغواء آدم وزوجه، والأكل من الشجرة التي نهاه الله عز وجل عنها، وأقسم إبليس لآدم بالأيمان، وهذا يدل كأن طبيعة البشر حسن النية، ولكنهم ما علموا أن أحدا يقسم بالله كاذبا، يقسم بالله كاذبا. ولهذا قال بعض أهل العلم: كان هذا عذر لآدم، وكان هذا عذر لآدم، وقاسمه: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾. لو جاءك يوم وغرم لك أيمان وظاهر الإيمان وقال لك: أنا ناصح لك، هذا ينفعك ولا يضرك، تفتتن به، ولا تفتتن إذا ما عهدت الكذب، قد تفتتن به وتصدقه؛ لأنك إنسان ما عرفت الكذب، نش�أ على الصدق، وما عرفت إلا الصدق، فمن أقسم لك ربما صدقته. فكذن عصى آدم ربه، أخبر الله عز وجل بذلك، نسيه الإنسان من طبعه النسيان، نسي ما نهاه ربه عز وجل عنه، فكان النسيان سببا في إغواء الشيطان، مع هذه الأيمان الكاذبة التي أقسم بها هذا الشيطان، امتحانا وابتلاء. قال -رحمه الله تعالى-: ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم صلت عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله لها إلى الأرض سببا، يعني جعل هذا الأكل سببا لنزوله للأرض، والله عز وجل حكيم عليم، له الحكمة البالغة، فجعل بحكمته سبحانه وتعالى لنزول الأرض سببا، ولما يجري بعد ذلك، هذا السبب لكل ما جرى بعد ذلك. قال: فما وجد إلى ترك أكلها سبيلا، ولا عنها لها مذهبا، يعني وقع ما قدره الله سبحانه وتعالى، ما قضاه الله عليه سبحانه وتعالى، ومع ذلك آدم تاب، علم أنه أخطأ وأذنب بمخالفة أمر ربه، فعند ذلك تاب، ومن تاب تاب الله عز وجل عليه، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه. وقوله: وجعل أكله لها إلى الأرض سببا، كما أخبر الله عز وجل بذلك في آيات كثيرة: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، بعدما أخبر بقصة آدم وأكلهم من الشجرة. وكما قال الله عز وجل: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. وقوله: فما وجد إلى ترك أكلها سبيلا، ولا عنها لها مذهبا؛ لأن هذا قدر الله سبحانه وتعالى. وهل يجوز بعد هذا أن يحتج أحد بقصة آدم على القدر؟ الجواب: لا، لا يجوز، بل جاء صريحا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في صحيح البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة، وجاء معناه من حديث عمر وجندب وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- صحيحا: أن موسى عليه الصلاة والسلام حاج آدم، فقال موسى لآدم: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى، استفاضك الله بكلامه، وخطى لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي؟ قال: قبل أن يخلقني بأربعين سنة، وهذا نص أن هذا كان سابقا بعلم الله سبحانه وتعالى. قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «فحج آدم موسى»، «فحج آدم موسى» كررها ثلاثا، كما في رواية الإمام البخاري، كررها ثلاثا، يعني أقام آدم الحجة عليه الصلاة والسلام على موسى عليه الصلاة والسلام، يعني بالقدر. وهنا قاعدة ذكرها العلماء: أنه لا يجوز الاستدلال بالقدر على المعايب، ويجوز الاستدلال فيه على المصائب، لا يجوز أن تفعل المعصية وتستدل بالقدر، لا، هذا خطأ، وهذه معصية أخرى. لكن يجوز أن تستدل بالقدر على المصائب، وآدم إنما استدل بالقدر على المصيبة، لا على المعصية، فالاستدلال بالقدر على المصائب جائز وحق، والاستدلال به على المعايب باطل وخطأ، باطل وخطأ. «فحج آدم موسى»؛ لأنه استدل بأنها مصيبة ابتلاه الله عز وجل بها، ولذلك الشيء بعد وقوعه إذا علق كونه مصيبة ذكر بالقدر: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، مصيبة. قال -رحمه الله تعالى-: ثم خلق للجنة من ذريته أهلا، كذلك من قدر الله سبحانه وتعالى، وسابق علمه، وما أمر بكتابته، وما شاءه في خلقه: أن خلق للجنة أهلا، وخلق للنار أهلا، قبل أن يخلق الجنة والنار، قبل أن يخلق الجنة والنار. فإذا كان كذلك، فلما العمل؟ إذا ما الفائدة من العمل؟ الجواب: العمل لا ينافي سابق علم الله، وما كتبه وما شاءه؛ لأن ذلك دليل عظمة الله سبحانه وتعالى، وإحاطته وألوهيته وربوبيته، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، لا منافاة بين هذا وبين قدرة وفعل العبد. وجاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وأحمد وغيرهما بإسناد صحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي»، وفي رواية: «أخرج من ظهر آدم ذريته، فكانوا أمامه كالدر»، «فكانوا أمامه كالدر»، وجعل منهم فئة، وقال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي»، فقال قائل: يا رسول الله، فعل العمل أو فعلام العمل؟ يعني: لماذا نعمل إذا كان قد خلق للجنة أناسا وخلق للنار خلقا؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «على مواقع القدر»، وفي رواية: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له»، «فكل ميسر لما خلق له»، يعني لا ينافي القدر إرادة الخلق، لا ينافي القدر إرادة الخلق. قال -رحمه الله تعالى-: فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون، أي الخلق، فهم بأعمالها، أي أعمال أهل الجنة لمن يسر لعمل أهل الجنة، وأعمال أهل النار لمن فتن بعمل أهل النار، عاملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون. وهذا كما تقدم معنا لا ينافي ماذا؟ فعل العبد وإرادته: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنة، فسنيسره للعسرى، هذا كلام الله الحق، هذا كلام الله سبحانه وتعالى الحق. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، سعي الناس مختلف، فالسعي سعي هذا الإنسان، سعيك أنت يا ابن آدم، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة، أخذت أسباب فعل أهل الجنة، فسنيسره لليسرى، يسر الله عز وجل لك طريق الجنة، والعكس بالعكس إذا سلكت طريق أهل النار، فسيكون لك مصير أهل النار، هذا بفضله، وذاك بعدله سبحانه وتعالى. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾، إذن للعباد وللناس سعي يسعون به، وإرادة وفعل ومشيئة، لكنها لا تخرج عن القدر، ولا منافاة بذلك. وقوله: وبقدرته وبإرادته ينفذون، يعني لا يخرج ذلك عن قدر الله سبحانه وتعالى، لا يخرج ذلك عن إرادة الله سبحانه وتعالى. وفي صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع»، يعني شيء يسير، «فيسبق عليه الكتاب، فيحق القدر، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، هذا الحديث مخيف، ظاهره أن الإنسان في لحظة، بينما كان من أهل الجنة صار من أهل النار. لكن رواية أخرى في صحيح مسلم تفسر هذا الحديث، وهو أن هذا التغيير كان بسبب شيء من هذا الإنسان، كان بسبب شيء من هذا الإنسان، وهو ما جاء كذلك في صحيح مسلم: أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، «فيما يبدو للناس» حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، «فيسبق عليه الكتاب، فيحق الحق»، عند ذلك الوقت هذا النفاق، وهذا الزيف الظاهر يذهب، ويبقى ماذا؟ الصدق، ويبقى الصدق، «فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». وهكذا العكس: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»، وفي الرواية الأخرى: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس»، «فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». وبهذا نحن على يقين: ليس أحد يدخل النار وكان له فرصة ألا يدخلها، ولا أحد يدخل الجنة وكان له ألا يدخلها، بل لا يدخل الجنة داخل إلا وقد استنفذ قدرته، وأعطي فرصته لأختار طريق الجنة أو طريق النار، وهكذا كذلك العكس. ولهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، وعظيم حكمته: أن من لم يعطى الفرصة في الدنيا يعطاها متى؟ في الآخرة، يعطاها في الآخرة. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على آله وسلم: أن أربعة يمتحنون يوم القيامة، أربعة يمتحنون يوم القيامة، من هؤلاء الأربعة: صاحب الفترة، لم يدرك الرسالة، وماتا على جهل، هذا يمتحن يوم القيامة، مثل هذا ما أعطي الفرصة أن يأخذ بطريق أهل الجنة، أو بعلم وبصيرة أخذ بطريق أهل النار، فهذا يمتحن يوم القيامة. وهكذا كذلك الصبي الذي يموت قبل أن يبلغ سن الرجل والتمييز، يمتحن يوم القيامة، وهكذا كذلك الأصم الأبكم الذي لا يعقل ولا يدرك، ولا يمكنه العقل والإدراك، فإنه يمتحن يوم القيامة. وهكذا كذلك المجنون والمعتوه الذي ليس عنده عقل يميز به، فهذا كذلك يمتحن يوم القيامة، كما صح عنه -عليه الصلاة والسلام- بما رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، من حديث أسود بن سريع، وجاء معنا عن غيره -رضي الله عنه وأرضاه-. فإذن ليس أحد يخرج من هذه الدنيا وقد استعجل عليه في أخذ مصيره إلى الجنة والنار، ما أحد إلا وقد أرضي كفايته في أخذ مصيره إلى الجنة أو النار، حتى من طال عمره أو نقص عمره، لا فرق، ومن مات كبيرا أو مات صغيرا، لا فرق، إلا هؤلاء الأربعة التي استثناهم ماذا؟ الشرع، في نص حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- على آله وسلم. قال -رحمه الله تعالى-: وخلق من ذريته للنار أهلا، كما تقدم معنا، فخلق لهم أعينا لا يبصرون بها، وآذانا لا يسمعون بها، وقلوبا لا يفقهون بها، هذه القلوب والأبصار التي لا يعملون ولا يبصرون ولا يسمعون بها، هل هي موجودة وليست موجودة؟ الجواب: موجودة، لكن لما استعملوها في معصية الله عز وجل، أعمى الله عز وجل بصائرهم وبصيرتهم، البصر والبصيرة. صار كأنه غير موجود، وهو موجود، مصداق قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، خذ مثال الذي لا يعرف الدخان، ولا المخدرات، ولا المسكرات، أول ما يشمه يشمه ماذا؟ يحبه، كيف تستطيع يا أخي؟ تستسيغ هذا، وهو أول ما أخذه ربما أخذه بتكلف، دخل فيه بتكلف، لكن لما تعود عليه صار عنده أطيب من أطيب الطيب. تعرض للمدخن أحسن طيب في الدنيا، تقول له: خذ العود لك، خذ الطيب لك، أعمل ما شئت، فصار لا يرى المعروف معروفا، ولا المنكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه، هواه تعلق به هذا الباطل، فصار يراه طيبا، صار يراه طيبا. وهكذا قل في غيره كثير مما يبتل به الإنسان بسبب ذنوبه ومعاصيه، فيغير الله عز وجل قلبه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. الله عز وجل يقلب القلوب والأبصار، وفي حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن الله عز وجل يقلب قلوب العباد، وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء. كيف تتقلب بأعمال العباد؟ ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يكثر من قوله: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك»، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، «اللهم يا مقلب القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك»، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على آله وسلم. ولذلك العباد يحتاج أن يستعين بالله عز وجل العظيم الكريم بالدعاء، مع فعله وحرصه على لزوم الطاعة، حتى يوفقه الله سبحانه وتعالى، ويسدده ويكرمه، فإن أحسن فبفضله سبحانه وتعالى، وإن أساء فبعدله سبحانه وتعالى. قال: فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون، يعني كما تقدم، وأخبر الله عز وجل به: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وكما قال الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، والآيات والأدلة في هذا الباب كثيرة. طيب، نقف إن شاء الله هنا، وننتقل إلى الكتاب الآخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.