التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 14

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 14

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أقسام الأخبار ودلالتها الشرعية

يتحدث الشيخ عن أقسام الأخبار ودلالتها على الأحكام الشرعية، ويشرح كيفية التعامل مع خبر الواحد ومسألة الأخذ بالظاهر في النصوص.

تفصيل حكم بيع السلعة لنفس البائع وتحليله

المقطع يتناول مسألة بيع السلعة لنفس البائع ويشرح آراء العلماء في حكمها، ويبين أن الأحوال تختلف حسب الظروف.

الاحتجاج بقبول الوعيد في الشريعة وأهميته

يؤكد الشيخ على وجوب قبول الوعيد سواء كان مجملًا أو معينًا، ويعتبر التفريق بينهما تحكمًا بالأدلة الشرعية.

الرد على المتكلمين بشأن الدليل القاطع للأحكام

يناقش المقطع آراء المتكلمين الذين يشترطون الدليل القاطع لإثبات الأحكام، ويرد عليها بالدليل والتعليل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بما يكون من أعذار ترفع الملام عن الأئمة الأعلام من المسائل التي يقع فيها خلاف، وأهل المعرفة بالعلم والجهابذة المتبحرون يعلمون أن مثل هذا مما يكون به الإعذار. ولكن قد يخفى على بعض من لم يتبحر بالعلم وتعمق فيه، فيحصل عنده من التقليد ومن الإصرار على الخطأ ما لا يجوز مثله عند العقلاء والمنصفين. ولأجل هذا أورد رحمه الله هذه الأمثلة بشيء من الاسترسال وبعض الإيضاحات على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كثير من كتبه وكتاباته رحمه الله رحمة واسعة. ومن ذلك ما مر معنا في مسألة ما يفيد القطعية، وكنا أن النظر إلى معنى القطعي قد يكون تارة للسند وقد يكون تارة في المتن. فمن يعطينا القرائن التي قد تحتف ببعض الأخبار فتجعله قطعيًا؟ من يعطينا بعض هذه القرائن عند من؟ فضلًا ارفع صوتك، نحن لا نتكلم على التواتر الآن، نقول: المتواتر قطعي انتهينا من هذا، المتواتر قطعي وقطعي الثبوت بقي قطعي الدلالة هذا شيء آخر. الآن نتكلم على غير المتواتر كيف يصل إلى معنى القطعي؟ قلنا: بعدة أشياء، مثال هذه الأشياء واحد، كثرة المخبرين أو بالصفات المخبرين أو المخبر به أو المخبر عنه. نعم، هذه أربعة، وذكر خامسًا الخبر. نعم، المخبر عنه والمخبر به والخبر هذه ثلاثة، وصفات المخبرين وكذلك عدد المخبرين هذه خمسة أشياء، أشياء كأمثلة وليست للحصر، هي أغلبية يكون بها إفادة القطع في الأخبار ولو كانت من أخبار الآحاد ولو كانت من أخبار الآحاد. وضربنا مثالًا لذلك، مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات» لا نشك بل نقطع بأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه خبر واحد من الصحابة والتابعين واتباع التابعين، فهذا مثال. هناك أمثلة كثيرة تدل على ذلك. القسم الثاني له قال رحمه الله تعالى: وأما القسم الثاني وهو الظاهر، فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين. فإن كان قد تضمن حكمًا علميًا مثل الوعيد ونحوه، فقد اختلفوا فيه. فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن وعيدًا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل، ولا يعمل به في الوعيد إلا أن يكون قطعيا. قال: وكذلك لو كان المتن قطعيا لكان الدلالة ظاهرة. وعلى هذا حملوا قول عائشة رضي الله عنها: «أبلغي زيدًا أنه قد أغطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب». قالوا: فعائشة رضي الله عنها ذكرت الوعيد لأنها كانت عالمة به، ونحن نعمل بخبرها في التحريم وإن كنا لا نقول بهذا الوعيد لأن الحديث إنما ثبت عندنا بخبر واحد. وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية فلا يثبت إلا بما يفيد العلم. وأيضًا فإن الفعل إذا كان مجتهدًا في حله فإن الفاعل... طيب هتف لي عبارة. طيب عندي نسخة، يقول: في المطبوع عندك منديل هتمنديل. طيب عندي في نسخة يقول: أيها في المطبوع حكمه إذا كان مجتهدًا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد. وأيضًا فإن الفعل إذا كان مجتهدًا في حكمه... طيب هو إذا قلنا: فإن الفاعل إذا كان مجتهدًا في حله تستقيم العبارة أو وأيضًا فإن الفعل إذا كان مجتهدًا في حكمه تستقيم العبارة؟ يعني معناه إذا قلنا: الفعل ويكون في حكمه، وإذا قلنا: الفاعل ويكون في حله. طيب فهكذا لعله تستقيم العبارة إن قلنا: في حله فهو الفاعل، وإن قلنا: في حكمه فنقول: الفعل، الحكم في الفعل والحل من الفاعل والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: لم يلحقوا فاعله الوعيد، فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقًا، ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية. وهذا الكلام ليس بصحيح، بل الصحيح فيه التفصيل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الآن هذه المسألة تتعلق بالأخذ بالظاهر، ظاهر النص، فقد تقدم معنا ما هو الظاهر، وهو كما تقدم معنا ما هو الظاهر. الظاهر عندنا نص وظاهر، نعم، هو المعنى الراجح من أحد معنيين أو معاني، والنص المادل على معنى واحد. الآن الظاهر الذي هو المعنى الراجح من معاني أو معنيين، فيقول: عند بعض أهل العلم أن هذا يعمل به إلا أن يكون في شيء فيه وعيد، فإن كان في شيء فيه وعيد فهم يفرقون بين القطع والظن فيقبلون القطع ولا يقبلون الظن. وهذا ليس بالصحيح، والصحيح أننا نفصل في أولًا ثبوت هذا النص، إذا ثبت فهنا نقبله، وإذا ثبت ووجد ما يخالفه فهنا ننظر فيه. والمثال الذي ضربه رحمه الله اختلف أهل العلم في هذه المسألة، والسبب في الخلاف لأمرين اثنين، الأمر الأول في صحة هذا الخبر عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، لأنه روي من طريق امرأة ذهب بعض أهل العلم أنها مجهولة، ولم يقبلوا الحديث لوجود هذه الجهالة في السند. ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى توثيق هاتين المرأتين لا بالعين ولكن بالوصف لكون إحدى المرأتين زوجة لأحد الأئمة وهو أبو إسحاق السبيعي وهو من هو في الإمامة، وقد روى عن امرأته عن امرأته، فيقولون: مثل هذا الإمام لا يمكن أن يروي عن امرأته وتكون ليست محل للرواية، وما دام أنه روى عنها فهذا تزكية وتوثيق منه لهذه المرأة. ثم إنه روي في بعض الأسانيد أنه جاء من حديث من طريق شعبة، وكما قيل: إذا جاء الحديث من طريق شعبة فاشدد به، فكان شعبة لا يروي إلا الصحيح ويحذر من أن يروي شيئًا ضعيفًا أو فيه ضعف. فلأجل هذا قبل الإمام أحمد رحمه الله حديث عائشة وعمل به، ورده بعض أهل العلم لأن فيه هذا الضعف أولًا. وهذا الوجه الأول من الخلاف وهو ثبوت سند هذا الحديث وهذه القصة. الوجه الثاني اختلف في توجيه هذا الحديث، فالحديث فيه قصة وهي أنه نقل إلى عائشة رضي الله عنها وارضاها أن جارية ابتاعت من زيد بن أرقم، فسألت عائشة رضي الله عنها عن ذلك. قالت: كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه، يعني إلى أن يتيسر له المال، كأنه كان يأتيه شيء في آخر الشهر أو نحو ذلك، وأنه أراد بيعها أخذ بالآجل، ثم احتاج أخذها بثمانمائة، قالت: فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، أخذها بثمانمائة وباعها بستمائة نقدًا، يعني صار الآن بيع للدراهم، بيع مع وجود هذه الجارية في الوسط، وحصل تفاضل بالدراهم، يعني كأنه حصل حيلة على ماذا؟ على الربا. ولهذا قالت عائشة ما قالت، وهذه المسألة اختلف فيها، والصحيح فيها التفصيل كما سأخذ مثاله المشهور اليوم عند الناس أن بعض الناس يحتاج يقترض مالًا فما يجد أحد يقرضه، لكن يجد أحد يبيع له سلعة بالآجل، فيذهب يشتري مثلًا غسالة من صاحب المتجر الالكترونيات أو الكهربائيات، يشتريها مثل ما هنا بثمانمائة أو نقول بثمانية آلاف، يشتريها بثمانية آلاف أو ثمانمائة، ثم يأخذ هذه الغسالة فيرجع لنفس الرجل ويقول له: أنا محتاج أريد منك تشتري مني هذه الغسالة جديدة مثل ما هي في الكرتون، فيقول له: كيف أنا بعتها لك بثمانمئة وأشتريها منك بثمانمئة؟ لابد أرخص من بعدك، سأشتريها منك بستمئة، فيرجع له الغسالة ويأخذها بكم؟ بستمئة. الظاهر أن البيع والشراء كان ليش للغسالة، لكن الحقيقة ثمانمئة أخذ بدلها كم؟ ستمئة. فمن نظر إلى النتيجة قال: هذه المعاملة ربًا. ومن نظر إلى بيع السلعة فقال: أن هذه السلعة بيعت واشتريت بما تراضي عليه، وأين الربا؟ ما في ربًا. لهذا كان الأحوط والأسلم ألا يبيع لنفس الرجل، لا يبيع لنفس الرجل، يعني مثلًا إنسان اشترى الغسالة بثمانمئة فاحتاج وأراد أن يبيعها باعها لإنسان آخر بستمئة، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، باعها لإنسان آخر يجوز، وإن كان فيه الغرر عليه فهذا شيء آخر. نقول: لا يجوز أن تضر بنفسك، لا يجوز أن تضر بنفسك. لكذا قال: أنا أصلا في ضرورة فما بعت إلا لدفع هذه الضرورة. فإن قال: هل يجوز؟ نقول: يجوز. أما بيعها لنفس الإنسان شبهة، الصحيح النهي شبهة، أقل أحواله أنه شبهة ولا يجوز بيعه لنفس الإنسان. فالعلماء اختلفوا بهذه المسألة من وجهين، أولًا لصحة هذا الأثر المروي عن عائشة كما تقدم معنى. والوجه الثاني أنه كذلك اختلفوا في معناه، والصحيح في هذه المعاملة التفصيل. فأقل أحواله أنه شبهة، أما إذا فعل حيلًا على الربا فلا شك أنه محرم، مثل أن يأتي ويقول له: أريد منك دين ثمانمائة، أريد منك دين ثمانمائة، يقول: ما عندي دين، خذ مني الغسالة. طيب أنا أريد فلوس ما أريد غسالة، خذ الغسالة وسأشتريها منك بستمائة، إذن هذا إيش؟ حيلة على الربا، واضح، حيلة على الربا محرم، لا تزيد الأمر إلا حرمة، فتتضاعف الحرمة هنا. أو كما يفعل بعض المحتالين يفتح الأب الآن يوجد مؤسسات تشتغل فقط بالدين شغلها بالدين يسمونها بعض الأحيان بدعم المشاريع الصغيرة التمويل الأصغر، التمويل الأصغر يفتح لك محل اسمه التمويل الأصغر، فبعض الناس لما بلغهم أن هذه الصورة محرمة لأنهم ماذا فعلوا؟ الأصل يعطون مال ويأخذوا الربح من هذا المال. فلما قيل لهم هذا الربح لا يجوز، قاموا أتوا بالسلع ويبيعونها بتقصيد ويشتروها منك ببيع الربح. فلما قيل لهم هذا أقله شبهة، فعلوا حيلة ثالثة يفتح الأب تمويل أصغر وبجانبه الابن محل بجانبه يبيع ويشتري الأدوات الكهربائية ربوية، فيأتي عند الأب يشتري السلعة بثمانمائة ويقول له: أريد يبيع له، يقول: لا شبها، طيب إيش الحل؟ قال: شوف اللي بجنبي هذا يشتري، جاره وولده جاره وولده أو شريكه فيبيع لجاره بستمائة وترجع الفلوس للأول. فهذه الحيلة هل حللت الحرام؟ ما تحل الحرام، ما زاد الحرام إلا حرمة. فلذلك أقل أحوال هذه المعاملة أنها شبهة، وفي بعض الأحوال تكون محرمة لأنه حيلة على الربا، وفي بعض الأحوال تكون جائزة. مثال الجائز: إنسان آخر لا علاقة له بالبائع، إنسان آخر لا علاقة له بالبائع، هذا هو الصحيح. هذه المسألة كما ذكرها غير واحد من أهل العلم، قال رحمه الله تعالى: ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان، فإنها تضمنت عملًا وعلما وهي خبر واحد صحيح، فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنًا لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين. وهذا له أمثلة ونظائر كثيرة، والصحيح أن أكثر ما روي في هذا الباب هو من القراءة التفسيرية، هو من القراءة التفسيرية، فهي توضح ألفاظ القرآن. مثل ما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس أنه قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، قرأ: «أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» زاد كلمة «صالحة» يعني سليمة غصبا، فكلمة «صالحة» ليست من القرآن ولكنها قراءة تفسيرية تفسر القرآن. وجاء كذلك بقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾، جاء عن ابن عباس: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين»، فقوله: «فكان كافرًا» ليس من القرآن ولكنه قراءة تفسيرية. ومثله كذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود، وهذا كثير عن ابن مسعود وعن ابن عباس أي: القراءة التفسيرية في قول الله عز وجل: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، قال: «كالصوف المنفوش». إذن هذه قراءة تفسيرية وليست من المصحف وليست من المصحف. وهكذا آيات أخرى ثبتت معانيها ونسخت كما جاء من حديث أبي هريرة وحديث أبي، أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، فنسخ الكثير منها لفظًا وحكمًا، ونسخ بعضها لفظًا وبقي حكمها. وقد ذكر العلماء بعض الأمثلة على ذلك. فالشاهد هو أننا نفصل فيما ذكر في معنى هذه الأمثلة على التفصيل الذي سمعناه، قال رحمه الله تعالى: وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من العمل والوعيد. فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة. وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي تثبت بالأدلة الظاهرة تارة وبالأدلة القطعية أخرى. فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد، بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل فيه اليقين والظن الغالب، كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العلمية. وهو كما قال رحمه الله تعالى: من تأمل الشريعة وجد أنها ثبتت بالأدلة القطعية اليقينية وبالأدلة الظنية التي غلب بها الظن، فأفادت معنى قريب من معنى القطع، ويجب العمل بها جميعًا سواء سميت قطعية أو سميت ظنية. قال رحمه الله: ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث أن كل منهما إخبار عن الله. ويقول: هذا لأن بعض هؤلاء الفقهاء تأثر بأهل الكلام فقال بقولهم مطلقًا، فردوا كل ما فيه وعيد. ومنهم من أراد أن يتوسط فأخذ ما كان من الوعيد مجملًا أخذوا به، وما كان من الوعيد فيه تعيين إذا كان ليس قطعيا ردوه. وهذا تحكم تحكم بالأدلة الشرعية. والصحيح أن ما صح وثبت يجب قبوله ولو كان فيه وعيد، بل ولو كان فيه وعيد بعقوبة معينة، هذا هو الواجب والصحيح. فالشرع لا يفرق بين مجتمع كما لا يجمع بين متفرق. قال رحمه الله تعالى: من حيث أن كل منهما إخبار عن الله، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل فكذلك الإخبار عنه بالثاني. المراد بالأول المجمل، والمراد بالثاني المفصل والمعين، فكلاهما خبر عن الله، فما دام قبلنا الأول فالواجب كذلك أن نقبل الثاني. وإلا فيقال لهم: أعطونا الدليل على التفريق، فنقبل الأول ولا نرد الثاني، ولا يوجد دليل صحيح صريح يدل على هذا التفريق. قال رحمه الله تعالى: بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، يعني أننا كوننا نعمل بها في الوعيد أكثر مما نعمل في الوعد. لأنهم هم يقبلون ما جاء في الوعد، ما هو الفرق بين الوعد والوعيد؟ ما هو الوعد؟ ما هو الوعيد؟ نعم، الوعد الثواب، والوعيد العقاب، فهم يقبلون ما كان في الثواب ولا يقبلون ما كان في العقاب. وهذا ليس بالصحيح، لو نظروا بالقياس كان الأولى أن يقبلوا ما في الوعيد، لماذا؟ لأن الواجب على الإنسان أن يحترس لدينه حتى لا يقع في شيء محرم، حتى لا يقع في شيء محرم. ومن أراد أن يحترس لدينه يقبل الوعيد أو لا يقبل الوعيد؟ يقبل الوعيد لأجل أن يسلم له دينه. ولهذا قال رحمه الله: والعمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، يعني لو قال قائل هذا فكان قوله صحيحًا لأن عمومات الشريعة تدل على وجوب اجتناب المحرمات ولو بالشبهة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه» والحديث في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في أحاديث الأحكام. والترغيب والترهيب هذا في الفضائل، وأحاديث الأحكام هذا في الثواب والعقاب، فإذن كانوا يشددون لأجل الاحتياط. قال: لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترهيب، فإذا كان ذلك الوعيد حقًا كان الإنسان قد نجاه، وإن لم يكن الوعيد حقًا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد، لم يضر الإنسان إذا ترك ذلك الفعل، خطأه في اعتقاده زيادة العقوبة لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضًا. وكذلك إن لم يعتقد بذلك الزيادة نفيًا ولا إثباتًا فقد يخطئ أيضًا، وهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة أو يقوم به سبب استحقاق ذلك. فإذا الخطأ في الاعتقاد على التقديرين: تقدير اعتقاد الوعيد وتقدير عدمه سواء، والنجاة من العذاب على تقدير اعتقاد الوعيد أقرب. فيكون هذا التقدير أولًا، والمعنى أنه في كلا الأمرين ينبغي عليه أن يسلم بدينه، ولا يسلم بدينه إلا بالعمل بالوعيد جملةً وتفصيلاً وعامًا وتعيينًا حتى يحتاط لدينه ويسلم. قال رحمه الله: وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاضر على الدليل المبيح، وهو قولهم: يقدم الحاضر على المبيح. من أين أخذوا هذه القاعدة؟ أخذوها من عمومات كثيرة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وكذلك أقوال وعمل سلف الأمة. ما جاءت هذه القاعدة من فراغ، قال رحمه الله تعالى: وسلك كثير من الفقهاء طريقة الاحتياط في كثير من الأحكام بناءً على هذا. وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة. فإذا كان خوفه من الخطأ بنفي اعتقاد الوعيد مقابلًا بخوفه من الخطأ في عدم هذا الاعتقاد، بقيت دليل الموجب لاعتقاده والنجاة الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن المعارض، وهو ما يأخذ بطريق السلامة، وطريق السلامة ما هو؟ الاحتياط، طريق السلامة الاحتياط. وطبعًا قاعدة الاحتياط ليست مطلقة بل مقيدة بضوابط حتى لا نفتح باب الوسواس. مثلًا إنسان شك صلى ثلاثة وأربع، طيب وشك في فعل الطهارة ولم يفعلها، لا نقول له دائمًا خذ بالاحتياط، لو قلنا له دائمًا خذ بالاحتياط فتحنا عليه باب الوسوسة. ولكن بحديث عبد الله بن زيد: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، معناه إغلاق باب الوسوسة، لا ينصرف إلا بدليل وبينه. فإذا أخذنا بقاعدة الاحتياط ماذا سنقول؟ خلاص هو بين أمرين إما أحدث أو لم يحدث، الاحتياط إيش؟ أحدث، يروح يتوضأ، هل فعل هذا النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، إنما قال: «لا ينصرف شاكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد شيئًا في الصلاة». إذن هذه القاعدة ليست معمول بها في هذا المثال، لماذا؟ لأجل سد باب الوسوسة. إذن قاعدة الاحتياط ليست مطلقة وإنما مقيدة بضوابط ولها مواضع، وفي مواضع أخرى لا يعمل بها. فماذا عرض هذه القاعدة هنا؟ عرضها قاعدة أخرى وهو الأصل بقاء ما كان على ما كان. وهذه القاعدة من أين أخذت؟ أخذت من أدلة كثيرة ومنها هذا الحديث حديث عبد الله بن زيد، فإن فيها تأصيل وتأكيد هذه القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. فإذن قاعدة الاحتياط يعمل بها ما لم يعارضها قاعدة أقوى منها مثل الأصل بقاء ما كان على ما كان. وهل هذا محصور بهذه القاعدة؟ الجواب لا، بل هناك قواعد أخرى كثيرة، ولهذا يرجع فيها إلى كتب القواعد الفقهية، وكيف نعمل هذه القواعد إذا تعارضت؟ وكيف نرجح بينها مع النظر إلى الأدلة ومعاني هذه القواعد وأمثلتها. قال رحمه الله تعالى: وليس لقائل أن يقول: عدم الدليل القطعي على الوعيد دليل على عدمه، كعدم الخبر المتواتر على القراءات الزائدة على ما في المصحف. وقد مر معنا أن الصحيح أن أكثر هذا المروي من القراءات التفسيرية وليست من القراءات المحكمة. قال: لأن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول عليه، ومن قطع بنفي شيء من الأمور العلمية لعدم الدليل القاطع على وجودها كما هو طريقة طائفة من المتكلمين فهو مخطئ خطأ بينًا. وقد مر معنا أن المتكلمين تارة يردون الخبر بسبب زعمهم أنه آحاد ليس بقطعي من جهة الإسناد، وتارة بزعمهم أنه ليس قطعي من جهة المتن، فيقولون: هذا ضعيف الثبوت، ضعيف الدلالة فيردونه. وتارة يقولون: هذا قطعي الثبوت لكنه ضعيف الدلالة فيردونه، وهذا باطل، بل الصحيح إذا ثبت السند وصح الخبر والحديث ولو كان ظنيًا فإنه يجب العمل به ما لم يكن هناك معارض له. ما لم يكن هناك معارض له، وقد مرت معنا هذه القاعدة وأمثلتها. وكذلك من قول هؤلاء المتكلمين أن كل ما زاد على القرآن فإنه عندهم إذا كان معارضًا فهو أنباب أولى يرد، وإذا كان أضاف حكمًا جديدًا فعندهم إضافة الحكم الجديد في حكم إيش؟ في حكم المعارضة التي لا تقبل التي لا تقبل. ولهذا رد التخصيص بالسنة، وكذلك زيادة الحكم، وهذا ليس بصحيح، فيرد عليهم بالدليل والتعليل وبكثرة الأمثلة التي تدل أننا عملنا بالسنة في مواضع، فيجب العمل بها في مواضع أخرى. الصلاة الخمس ليست مذكورة في القرآن، وجاء تفصيلها في السنة، والمسلمون مجمعون على إثبات أحكامها، فما كان جوابًا في هذا يكون جوابًا في غيرها مما رده هؤلاء. قال رحمه الله تعالى: ومن قطع بنفي شيء من الأمور العلمية لعدم الدليل القاطع على وجودها كما تقدم معنا في خبر الأحاد ومعارض القرآن، قال: كما هو طريقة طائفة من المتكلمين فهو مخطئ خطأ بينًا. لكن إذا علمنا أن وجود الشيء مستلزم لوجود الدليل، وعلمنا عدم الدليل قطعنا بعدم الشيء المستلزم، لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم. ومعناه: إذا علمنا أن وجود ذلك الشيء الذي مراد إثبات حكمه مستلزم لوجود الدليل، ولا وجود لهذا الدليل، فالأصل هو عدم إثبات الحكم، فالأصل هو عدم إثبات الحكم لأن إثبات الحكم لا يكون إلا بدليل. والأصل البراءة من أي حكم وتكليف، ولا نثبت الحكم إلا بدليل، فلابد من ثبوت الدليل، وهذا ما يسمى استصحاب البراءة الأصلية. قال: وقد علمنا أن الدواعي متوفرة على نقل كتاب الله عز وجل ودينه، وأنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج إلى نقله حاجة عامة. فلما لم ينقل نقلًا عامًا صلاة سادسة ولا سورة أخرى علمنا يقينًا عدم ذلك. فلو قال إنسان: هناك صلاة سادسة غير هذه الصلاة الخمس، نقول: من أين أتيت به؟ من أين أتيت به؟ هل في دليل؟ فالجواب: لا يوجد دليل، إذن نقول: الأصل براءة الناس من فرض صلاة سادسة، هذا حكم علمي أو عملي؟ ومثله الحكم العلمي مثل إثبات سورة زيادة سورة، فنقول له: من أين أتيت؟ سور القرآن كم؟ مئة وأربعة عشر سورة، أنت تدعي أنها زيادة عن هذا، إيتي بالدليل، ما عندك دليل، الأصل بقاء على ما أجمعت عليه الأمة وما قد أثبتته أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: وباب الوعيد ليس من هذا الباب، فإنه لا يجب في كل وعيد على فعل أن ينقل نقلًا متواترًا كما لا يجب ذلك في حكم ذلك الفعل. فثبت أن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط وله موانع، وهذا سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في الأمثلة الآتية بما يوضح ويجلي هذا. فالقاعدة عندنا أن الدليل إذا ثبت وصح فيجب العمل به سواء كان في الوعد أو كان في الوعيد، وسواء أكان في الوعيد المجمل أو كان في الوعيد المفصل أو المعين. وهذا قد دلت عليه الأدلة الشرعية الكثيرة. وأما التوقف في بعض الأدلة فينبغي أن نقيده بشروطه وثبوتها مع الموانع وكذلك وجودها كما سيأتي معنا إن شاء الله تفصيله في الأمثلة التي ستأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. نقف إلى هنا ونترك الباقي في درس لاحق والله تعالى أعلم. هل تنصحون بحفظ رياض الصالحين أو نحفظ صريح البخاري؟ بعد البخاري ماذا تنصح بحفظ رياض الصالحين هكذا أن نحفظ صريح البخاري أم سنن الترمذي أم اللؤلؤ والمرجان؟ الذي أنصح به أن تتدرج فتبدأ بحفظ عمدة الأحكام ثم بلوغ المرام ثم رياض الصالحين، ثم إذا انتيسر لك اللؤلؤ والمرجان أو تبدأ في الجمع بين الصحيحين، وهذا أفضل وأكمل إن كانت عندك همة عالية. وإن شاء الله سيرتب جدول للحفاظ حفاظ السنة وسيشرف عليها مجموعة من المشايخ، فيفضل أن تأخذ الجمع بين الصحيحين لأنك بهذا ستتدرج في حفظ كتب السنة بحفظ الزوائد، فهذا هو. أما إذا كان الإنسان يعرف أن وجوده في طلب العلم له فترة محدودة فيكتفي بالأصول مثل ما قلنا: عمدة الأحكام، بلوغ المرام، رياض الصالحين، اللؤلؤ والمرجان. فإن وجد همة زاد، ومن كان عنده همة وعنده وقت فيدخل مباشرة في الجمع بين الصحيحين فهذا أنفع إن شاء الله. لا، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، الجمع بين الصحيحين فيه ما اتفق عليه وما زاد، يقول: وانفرد مسلم بكذا، وانفرد البخاري بكذا، هذا أفضل لأنه يجمع له ما بين الصحيحين ثم يعطيه الأفراد. يقول: الحديث «من غسل واغتسل وبكر وابتكر...» إلى آخره، علمنا الأجر في هذا الحديث، فهل يحصل المبكر لصلاة الجمعة؟ وما هو أجر الخطيب؟ الخطيب له أجر كذلك لكن بحسبه، فكونه قام بهذه الخطبة على وجهها التي جاءت في أدلة الكتاب والسنة وعمومات الشريعة، كلما أكمل الوصف الذي ينبغي أن تكون عليه كان أجره أكمل. كما أن المبكر والحريص بالمعنى الحسي والمعنوي يكون له الأجر بقدر حرصه، إنسان يأتي مبكر ويأتي ما شاء الله وينام في المسجد لما يؤذن المؤذن يقوم يتوضأ ويجلس، هل مثل الذي جاء مبكر وهو يقرأ القرآن ويصلي ويذكر الله سبحانه وتعالى؟ هل هم سواء؟ هذا مبكر وهذا مبكر، كلاهما في الساعة الأولى هل هم سواء؟ لا. وآخر خطيب اعتنى بالخطبة وحرص على ما ينفع الناس وما يعالج الناس، وآخر يأتي في آخر لحظة خمس دقائق يفتح كتاب أو يأخذ مباشرة الجوال ويقرأ على الناس خطبة من الجوال، هل هو والأول سواء؟ لا، إذن الخطباء يختلفون وكذلك المبكرون يختلفون. يقول: لعب الكرة مع المنتخبات والنوادي وما يحصل من التصوير والاختلاط وغير ذلك ومودة الكفار وتقليدهم، فما نصيحتكم لمن كان يحب الالتحاق من صغره بهذه النوادي؟ الذي ننصح به أن يسلم بدينه، من يلتحق بهذه النوادي لا يسلم له دينه أبدًا على وجه اليقين، ليس على وجه الشكل، لأنه لا بد أن يقدم تنازلات. أما يلعب الكرة مع إخوانه في وقت الراحة والإجازة والفسحة هذا شيء مباح. أما يلتحق بالنوادي ويتدرج وتخرج هذه النوادي إلى سفريات وغير ذلك، لا تسلم هذه الطريق من التنازل عن أشياء كثيرة في العقيدة والدين والعبادة وغير ذلك. فكم من صلوات تضيع وكم من مواضع يلزم فيها الولاء والبراء وغير ذلك تحصل، فضلًا عن الفتن الأخرى: الاختلاط بالنساء، وحصول أمور فيها منكرات كبيرة، كل هذا مما لا يسلم منه من يقتحم في هذا. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.