التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 15

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 15

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مواضع الخلاف وتطبيقاتها

يتناول المحور مواضع الخلاف بين العلماء في فهم النصوص وتطبيقها، مع التركيز على مسائل الوعيد والوعد وأحاديث الترغيب والترهيب. يبرز أهمية فهم هذه الخلافات وتأثيرها على الأحكام الفقهية.

تحليل أحاديث الربا وتفسيرها

يركز هذا المحور على تحليل أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بالربا، مثل حديث أبي سعيد وحديث أسامة بن زيد. يوضح كيفية الجمع بين الأحاديث المختلفة لتفسير أحكام الربا بشكل صحيح.

الإعذار للأئمة في مسائل الخلاف الفقهية

يتناول هذا المحور أمثلة على الإعذار للأئمة الأعلام في مسائل الخلاف، مثل ربا الفضل وإتيان النساء في أعجازهن. يبين أن الخطأ في هذه المسائل يعتبر اجتهادا يحتمل الخطأ والصواب.

تحريم الخمر والمسائل الفقهية المتعلقة به

يركز المحور على مسائل فقهية متعلقة بتحريم الخمر، مثل بيع العصير لمن يصنع منه الخمر وتحريم بيع الخمر. يشرح آراء الفقهاء في هذه المسائل ويبين الصواب منها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- بذكر مجموعة من الضوابط والمسائل التي تبين مواضع رفع الملام عن أئمة الأعلام. ومن ذلك، ومما يقع فيه الخلاف فيما يتعلق بالنص الظاهر، وأن الأصل العمل بهذا الظاهر إلا إن ثبت بيِّنَةٌ ما يدل على صرف هذا الظاهر عن ظاهره. علمنا أن هناك بعض المسائل والقواعد التي كانت سببًا في حصول الخلاف في هذا الباب، وهو ما يتعلق بالظاهر وما يُعارض به هذا الظاهر. فمن يذكر لنا بعض هذا؟ نعم، التقصير؟ نعم، وبعضهم يفصل تقصيرًا آخر بالوعيد. ماذا يقول؟ لا يفصل شيء آخر بالوعيد. منهم من يرد الوعيد مطلقًا ويقبل الوعد، ومنهم من يقبل شيء خاص في الوعيد. يفرقون فيما كان في الأحكام وما كان ليس في الأحكام. وهذا تحكم، وهذا تحكم لا دليل عليه. يعني مما عُرِ، كما مر معنا قاعدة التفريق بين القطع والظني، ثم يعملون هذه القاعدة في مواضع. ومن ذلك التفريق بين أدلة الوعد وبين أدلة الوعيد، فيقبلون الوعد ولا يقبلون الوعيد. ثم منهم من يفرق كذلك في الوعيد، فيفصل. والرد عليهم من جهة الدليل، إذا صح وجب العمل به. ثانيًا من جهة التعليل، إذا أعملناه في الوعد فمن باب أولى أن نعمله في الوعيد؛ لأنه فيه الاحتياط للدين. وذكر الشيخ -رحمه الله- ومر معنا في الأمثلة عددًا من الأدلة التي تدل على ذلك. وهكذا كذلك من مواضع الاختلاف ما ذكره مما روي عن الصحابة في بعض القراءات التي لم تثبت في القرآن. أرادوا بهذا ماذا؟ يعني يقولوا إذا لم يثبت حكم قراءتها، لا يثبت كذلك حكم العمل بها. وتوصلوا بهذا إلى رد السنة. قالوا إذا كان هذا في القرآن، فالسنة من باب أولى. كيف؟ قالوا لأننا رددنا أخبار أحد في القرآن، فكيف لا نرد أخبار أحد في السنة؟ والجواب: هذه قراءة تفسيرية، الصحيح أنها قراءة تفسيرية ليست من القراءة التي في المصحف. هذا أمر، والأمر الثاني أن بعض أحكام هذه القراءة صحيح مثبت، نثبته. نثبته، بل بعضها نثبت لفظه وإن كان منسوخًا، نقول لفظ ثابت لكن منسوخ التلاوة، مثل آية الرجم. آية الرجم الذي جاء في عدة أحاديث كما تقدم معنا. ومر معنا كذلك مما ذكره -رحمه الله تعالى- كلامه في أحاديث الترغيب والترهيب. ما وجه المناسبة من إيرادها؟ ما وجه المناسبة من إيرادها؟ يعني أن هذا يدل على أنهم كانوا يتساهلون في باب الترغيب والترهيب، وهذا باب إيش؟ الوعد. ويشددون في الأحكام، وهذا باب إيش؟ الوعيد. إذن معناه هذا على خلاف قاعدة هؤلاء الذين فرقوا بين أدلة الوعد والوعيد. في باب الأحاديث وما يسمونه ظن الدلالة أو ظن الثبوت. واضح. وقد علمنا أن العلماء ذكروا شروطًا لقبول الأحاديث في باب الترغيب والترهيب، وذكروا أشياء كثيرة. وخلاصتها أنها تضبط لضوابط، ليس كل أحاديث. ولذلك قالوا من الشروط: من يذكر لنا بعض الشروط؟ من الشروط: شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. أن لا يكون شديد الضعف. ثانيًا أن يكون له أصل، ما يأتي بشيء بدعة، شيء له أصل. الثالث ما يعضده. الرابع لا يكون في شيء فيه تعيين، تعيين زمان، تعيين مكان، تعيين شيء من العبادات. هذه أربع شروط ذكرها عدد من أهل العلم. وإذا تتبعنا هذا علمنا أنه إذن لا يعمل بالحديث الضعيف لنفسه، ما يعمل إلا بما يعتقد به من عمومات الأدلة. نعم، آخر ما وقفنا عليه. ونعم بأمثلة. طيب، قال -رحمه الله تعالى-: وهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها أنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». وصح عنه من غير وجه أنه قال: «لمن باع صاعين بصاع يدا بيد أوه عين الربا». كما قال: «البر بالبر ربا إلا هاء وها». الحديث. وهذا يوجب دخول نوعي الربا، ربا الفضل وربا النسيئة، في الحديث. ثم إن الذين بلغهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن من ربا في النسيئة». فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدا بيد، مثل ابن عباس -رضي الله عنهما- وأصحابه، مثل أبي الشعثاء وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم، من أعيان المكيين الذين هم صفوة الأمة علمًا وعملًا. لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده، تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة. وقد قيل إن ابن عباس رجع عن ذلك، وبعض أصحابه، وبعضهم لم يرجع، ولم يبلغه النص، فهو معذور، ساقط عندك. موجود في نسخة، عندنا مثبت في نسخة كذا وكذا. ذكر عدد النسخ. وعندي زيادة في بعض النسخ. ولا يخفى أن هؤلاء ما فعلوا الربا في اعتقادهم، ولا يدخل الفاعل تحت حديث اللعن. خلاصة هذه الفقرة أنه يشير إلى موضع من مواضع إعذار العلماء فيما أخطأوا فيه. فمن أوجه الخطأ، وقد تقدم معنا في أوائل الكتاب، تارة في اعتقاد أن الحديث لم يصح من جهة سنده، وتارة أنه لا يدل على المسألة التي خالف فيها. وقد مرت معنا أمثلة فيما وقع للصحابة من الخلفاء، فمن بعدهم، ومن دونهم من باب أولى. وتارة أن المفتي أو المجتهد يعتقد أن الحديث لم يرد به عين هذه المسألة، وإنما أراد شيئًا آخر، مثل هذا المثال الذي بين أيدينا، كما سيأتي معنا. وتارة اعتقاد أن الحكم المذكور المنصوص إما منسوخ أو ضعيف أو مؤول. وهذا كذلك من مقيل في هذا الذي بين أيدينا، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هنا بهذا المثال، وأشار إلى ما جاء من وعيد شديد في تحريم الربا وأكله. وقد جاء هذا كما أشار في حديث جابر وابن مسعود وغيرهما. فقد لعن في الربا خمسة: آكله وموكله وشاهداه وهم اثنان، وماذا؟ وكاتبه. خمسة لعنوا في الربا. وهل هذا محصور بالخمسة؟ بل وكل من دخل في معنى هؤلاء الخمسة، فأعان على هذا الربا. فمن أعان آكل الربا فهو له بمثل وزره، ومن أعان موكله فله مثل وزره، ومن أعان الشاهدين فله مثل وزرهم، ومن أعان الكاتب فهو له مثل وزرهم. فإذا أجناس خمسة، وليس أعداد خمسة. وفرق بين الأعداد والأجناس. نقول خمسة أجناس، يدخل تحتها أعداد لا يحصيها إلا الله. وزماننا المعاصر فيه من الصور الكثيرة. فمثلًا الذي يعمل في البنك، فهو ليس آكل ولا موكل، ولكنه يكتب هذه العقود أو يصور أوراقها، أو كذلك يختم ويثبت عقودها، أو غير ذلك مما فيه تعاون على الإثم والعدوان. وإثبات هذه العقود، وهو يلحق بهذا اللعن. وأورد هذا الحديث، وأكده بقوله: «وصح عنه من غير وجه»، يعني تحريم الربا بأنواعه، لمن باع صاعًا بصاعين. يشير إلى حديث أبي سعيد الذي تقدم معنا، هو في الصحيح في قصة بلال -رضي الله عنه- أرضاه. أراد أن يكرم النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان معه تمر رديء من تمر المدينة، فرأى تمرًا جيدًا يسمى البرني، معروف من تمر المدينة المعروف. أراد أن يكرم النبي -صلى الله عليه وسلم- به، فباع صاعين بصاع. أعطاهم صاعين رديء، وأخذ صاعًا جيدًا. فأتى به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أين لك هذا؟» بلال يعرف أن التمر الذي معه رديء، من أين جاء هذا الجيد؟ قال: بعت صاعيني مما عندنا بهذا الصاع. فقال عليه الصلاة والسلام: «أوه أوه عين الربا»، يعني وقع في الربا. لماذا؟ لأنه باع صنفين ربويين متفاضلين، ولا يجوز ذلك. فهذا في تحريم ربا الفضل. فأمره عليه الصلاة والسلام -كما جاء برواه مسلم وغيرها- أن يرده، وأن يبيع ثم يشتري الآخر. يعني لا يبيع مباشرة صاعًا بصاعين. بيع الصاعين، خذ ثمنه، ثم اشتري به ماذا؟ الصاع. أما صاع بصاعين وهو صنف واحد، فهذا لا يجوز. وهذا هو ربا الفضل. قال: «كما قال: البر بالبر ربا إلا هاء وها». يعني إذا كان الجنس واحد، فلابد أن يكون في هذه المعاملة شرطان اثنان: الشرط الأول التساوي، والشرط الثاني ماذا؟ التقابض. إلا أنه خفف في المطعوم، ولم يخفف في النقدين الذهب والفضة، وما كان بمعنى الذهب والفضة لم يخفف، ولم يرخص فيه. أما المطعوم، فقد وقع الترخيص في ماذا؟ في التقابض للتفاضل. وقع الترخيص في التقابض للتفاضل. وهذا ما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله، وله صور معروفة في كتب الحديث والفقه، وسيأتي الإشارة إليه. ثم قال: «وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل»، يعني جنس واحد من الأصناف الربوية يكون بينها تفاضل، هذا لا يجوز. «وربا النسيئة»، وهو أن لا يكون تقابض في الأصناف الربوية. فكل الأمرين لابد من الحذر منه. ربا الفضل مثل ربا أهل الجاهلية: إما أن تقضي وإما أن تربي. هذه صورة. ومن صوره: الجنس الربوي يتفاضل فيما بينها، ولو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، كما في حديث أبي سعيد في قصة بلال. فإنه لا يجوز ذلك، ولكن الحل أن تبيع الرديء وتشتري بثمن الرديء ماذا؟ الطيب. ولا تشتري يعني الصاعين بالصاع من نفس الجنس؛ لأن هذا فيه معنى آخر من معاني الربا. والثالث ربا النسيئة، ما هو ربا النسيئة؟ هو عدم حصول التقابض، عدم حصول التقابض في هذه الأصناف الربوية المذكورة في الحديث. لكن سيأتي معنى أنه جاء استثناء المطعومات، جاء استثناء المطعومات في ذلك. وهذا الاستثناء دلت عليه الأدلة بقيود وشروط معروفة. ثم قال: «ثم إن الذين بلغهم قوله: إن من ربا في النسيئة». وهذا الحديث حديث صحيح، جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أرضاه. قوله: «وجاء في قصة من حديث أسامة: لا ربا إلا في النسيئة». رواه ابن عباس عن أسامة -رضي الله عنهما- أرضاه. ولكن في الحديث قصة، ولذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث. فمن أهل العلم من قال: هذا الحديث منسوخ. من أهل العلم من قال: هذا الحديث منسوخ بحديث أبي سعيد وقصة بلال، وبغيرها من الأحاديث الأخرى. ومن أهل العلم من قال: إنما هذا في صور خاصة، فيما كان في الهبة، وما كان بمعنى ذلك. مثاله: لو أن إنسانًا صارفك، فأعطاك مئة وأخذ منك خمسين، فقال: خد الباقي لك. هذا جائز أو غير جائز؟ اختلفوا فيه. والصحيح أنه جائز؛ لأنه ليس بيعًا، هذا هبة. هذا هبة، أخذ منك ماذا؟ خمسين، وأعطاك مئة، وقال: خد الباقي لك. خد الباقي لك. هذا ليس بيعًا، هذا هبة. وليس هو مما يدخل في الحديث. ومثله لو أعطاه كذلك من الأصناف التي يتعامل بها من الأصناف الربوية، إذا كان على وجه الهبة لا على وجه البيع، فهذا على الصحيح أنه جائز. فقالوا: هذا هو المقصود بالاستثناء. ومنهم من قال: ثالثًا أن المقصود به إذا اختلفت الأصناف. وهذا ما جاء في بعض الروايات. فإن الحديث جاء في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الذهب بالفضة متقابضًا متفاضلًا، هل يجوز؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: نعم، أو قال: لا بأس به. «إنما الربا في النسيئة». يعني إذا تفاضل إذا اختلف، فلا بأس بالتفاضل، ولكن بشرط إيش؟ التقابض. ألا يكون فيه نسيئة. وهذا هو أصح ما نقل في تفسير هذا الحديث؛ لأنه جاء في بعض الروايات مصرحًا. ولهذا قال بعض الكفاض: أن أسامة -رضي الله عنه- نقل بعض ما سمع، ولم يسمع كل القصة. سمع آخر الحديث، ولم يسمع السؤال. سمع الجواب، ولم يسمع السؤال. فلما سمع الجواب في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الربا في النسيئة»، فهم أن هذا في كل الربا. وعلى هذا فهم ابن عباس، ومن أخذ عن ابن عباس من تلامذة ابن عباس من المكيين، كما أشار إليهم -رحمه الله تعالى- أنه يجوز التفاضل في الأصناف الربوية إذا كان هناك تقابض. وعلى هذا يكون عندهم ما جاء من حديث أبي سعيد منسوخًا بهذا الحديث. يظنون أن ما جاء من حديث أبي سعيد منسوخ بهذا الحديث. والصحيح أنه ليس بمنسوخ. والقاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وليس عندنا شيء صحيح صريح يدل على النسخ. فالواجب إعمال الدليلين. وكيف يكون إعمال الدليلين؟ يكون إعمال الدليلين بتوجيهه بالتوجيه الذي سمعناه. وهو أن الحديث كان فيه سؤال وجواب، فسمع الصحابي الجواب، ولم يسمع السؤال. وكان السؤال فيما إذا اختلفت الأصناف، فإنه عند اختلاف الأصناف يجوز التفاضل، ولكن لا يجوز أن نسأ فيه. فلابد من التقابض لقوله عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم»، ماذا؟ بشرط إيش؟ إذا كان يدا بيد. إذا كان يدا بيد. فإذن معنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- هو فيما جاء في هذا المعنى. إذن ابن عباس لما وقع في خلاف ما جاءت به الأحاديث، هل يصح أن نقول أن قوله هذا وفتواه يستحق بها اللعن؟ الجواب: كما ذكر -رحمه الله- لا يجوز أن يقال ذلك. ولا يجوز أن يقال هذا كذلك فيمن اتبع فتوى ابن عباس، مثل تلامذة ابن عباس الذين أشار إليهم -رحمه الله تعالى-؛ لأنهم ما قالوا ذلك معارضة للنصوص، وإنما ظنًا منهم أن هذا الحكم ثابت. ولكن كما ذكر -رحمه الله- ثبت عن ابن عباس أنه رجع عن هذا القول. كما ذكر غير واحد من أهل العلم أن ابن عباس رجع عن هذا القول. وهذا هو الصحيح. فقد جاء في صحيح مسلم عن نافع أنه سأل ابن عمر وابن عباس عن الصرف، فلم يرَ به بأسًا. ثم قال: وإني لقاعد عند أبي سعيد، فسألت عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا. فأنكرت ذلك لقولهما. فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وجاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا اللون. ثم ذكر القصة في الصاعين بصاع، وبيّن بذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، وبيّن أن هذا ربا. فالشاهد في آخر الحديث، قال: فأتيت بابن عمر بعد، فنهاني. ولم آتي ابن عباس. قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس بمكة، فكرهه. ومعناه: أن ابن عباس رجع حين سمع الحديث من أبي سعيد. وأبو سعيد يروي الحديث في قصة بلال، وكذلك في قصة أخرى تشبهها، وهو يفيد تحريم ربا ماذا؟ ربا الفضل. وكان ربا الفضل يجيزه ابن عباس ظنًا منه أن ربا الفضل منسوخ بقوله: «إنما الربا في النسيئة». «إنما الربا في النسيئة». والصحيح أنه ليس بمنسوخ لهذا الحديث، ولغيره من الأحاديث الأخرى، ولغيره من الأحاديث الأخرى. فالشاهد: استفدنا من هذا أن المؤلف -رحمه الله- ذكر موضعًا من مواضع الإعذار التي يكون فيها الإعذار للأئمة الأعلام، قد يقع في فهم بعض الأحاديث. قال -رحمه الله تعالى-: وكذلك ما نقل عن طائفة من المدنيين من إتيان المحاشي، مع ما رواه أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من أتى امرأة في دبرها فهو كافر بما أنزل على محمد». أفيستحل مسلم أن يقول: إن فلانًا وفلانًا كانا كافرين بما أنزل على محمد؟ وهذه مسألة أخرى من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم. وكما قال: روي عن طائفة من المدنيين أنهم قالوا بجواز إتيان النساء في أعجازهن. وسبب ذلك أنه ما صح عندهم هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقد روي ذلك عن مالك، وجماعة من أصحابه -رحمه الله تعالى-. وكما ذكر -رحمه الله- أن الصواب خلاف هذا، لورود الأدلة الكثيرة التي تدل على هذا. ومع ذلك فلا يجوز أن يقال: أن من أخطأ في هذه المسألة يحكم عليه بأنه ماذا؟ كافر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- أو غير ذلك من الأحكام. بل نقول: أنه اجتهد فأخطأ، والصواب خلاف ذلك. والصواب خلاف ذلك. قال: وكذلك قد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه لعن في الخمر، أو أنه لعن في الخمر عشرة: عاصر الخمر ومعتصرها وشاربها. وهو الذي رواه الترمذي وغيره عن أنس -رضي الله عنه-. قال: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراه له». والصحيح أن هؤلاء العشرة أجناس لا أعداد. أي: يدخل في معنى هؤلاء من كان بمعنى هؤلاء العشرة. فكل من عصرها وأعان على هذا العصر، كمن يعمل في مصانع الخمر، فإنه يدخل في هذا الحكم. ومعتصرها: الذي يعين على وصولها إلى هذا، كأصحاب المزارع الذين يبيعونها لمن يعتصرها، فتكون خمرًا. فكذلك لا يقول صاحب المزرعة: أنا بعت فقط عنبًا. بعت عنبًا لمن بعت عنبًا لمن يستخدمه خمرًا. لا يجوز؛ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان. ومثله كذلك كل شيء يباع لمن يصنعه خمرًا، لا يجوز. حتى ولو كان أصله حلالًا، مثل بيع السلاح لمن يقتل به في وقت الفتنة، فإنه من التعاون على الإثم والعدوان. وهكذا شاربها، فإذا صارت ليست مشروبًا مثل بعض ما هو موجود في هذا الزمان مما يذهب العقل، كالمخدرات وما كان بمعناها، فهو بحكمها. وهكذا حاملها: الحامل الحقيقي، أو الذي يسعى بالحمل، مثل الشركات التي تكون واسطة، أو كذلك تتحمل الرسوم، أو كذلك تأخذ الضمانات، ضمانات وتأمينات وغير ذلك على الأمور المحرمة، فهو من التعاون على الإثم والعدوان. والمحمول إليه: سواء أكان ليبيعها أو كان ليوزعها، مثل شركات النقل، يستلم ويوزع. يوزع ماذا؟ ربما بضائع حلال، ومعها حرام. مثل ما يبتل به للأسف الكثير من المسلمين في بلاد الكفر. يقول: أنا لا أبيع الخمر. طيب، وهذا الذي في متجرك أليس خمر؟ يقول: أنا أترك واحد كافر يبيعه. طيب، هو متجرك، وهو متجر لك، وفيه يباع الخمر. فهي محمولة إليك، ومن حملت إليه ملعون كذلك. ولو كان هو لا يبيعها؛ لأنه أعان على بيعها. أعان على بيعها. وهكذا ساقيها، ولو لم يشربها، أعان على شربها. أعان على شربها، بصنع الآلة التي يشرب بها. وهكذا كذلك كل ما هو من خصائص الخمر. وبائعها: الذي يبيعها. وبعضهم يقول: وربما أفتى بهذا بعض علماء الضلال، فيقولون: لا بأس أن تبيع للكافر ما دمت أنت لا تشربها. من أين هذا؟ والله عز وجل يقول: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». وبل في هذا الحديث، كما سمعنا، أحد العشرة الملعونين البائع. وآكل ثمنها: يعني يأكله ولو لم يبيعها، مثل صاحب السوبر هذا. صاحب المتجر، تأتي إليه بالنهاية، يأكل الربح، ويقول: الذي يبيع زيد، أنا جعلت خانة؛ لأني ملزم من هذه البلدة الكافرة أن أبيع الخمر. ولكن هذا الجزء من المتجر ليس لي، هو لمن؟ لفلان الذي يبيع. أنت أجرت له ماذا؟ يبيع خمرًا. إذن أعنت على هذا الإثم والعدوان. فالمهم: هذه العشرة تدخل في هذا اللعن، ولا يجوز التعاون على هذا. قال -رحمه الله تعالى-: وثبت عنه من وجوه أنه قال: «كل شراب أسكر فهو خمر». وقال: «كل مسكر خمر». وخطب عمر -رضي الله عنه- على منبره، فقال: «بين المهاجرين والأنصار: الخمر ما خامر العقل». وأنزل الله تحريم الخمر. وكان سبب نزولها ما كانوا يشربونه في المدينة، ولم يكن لهم شراب إلا الفضيخ. لم يكن عندهم من خمر الأعناب شيء. وقد كان رجال من أفاضل الأمة علمًا وعملًا، من الكوفيين، يعتقدون ألا خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يسكر، ويشربون ما يعتقدون حله. فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد لما كان لهم من العذر الذي تأولوا به، أو لموانع أخرى. ولا يجوز أن يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس هو من الخمر الملعون شاربها؛ فإن سبب القول العام لا بد أن يكون داخلا فيه. ولم يكن بالمدينة خمر من العنب. ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد لعن البائع للخمر. وقد باع بعض الصحابة -رضي الله عنهم- خمرًا، حتى بلغ عمر -رضي الله عنه-، فقال: «قاتل الله هلالًا، ألم يعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لعن الله اليهود، فرمت عليهم الشحوم، فباعوها، فأكلوا أثمانها». ولم يكن يعلم أن بيعها محرم. ولم يمنع عمر -رضي الله عنه- علمه بعدم علمه أن يبين جزاء هذا العمل، ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به. وقد لعن العاصر والمعتصر. وكثير من الفقهاء يجوزون للرجل أن يعصر لغيره عنبًا، وإن علم أن من نيته أن يتخذه خمرًا. فهذا نص في لعن العاصر. ما العلم بأن المعذور تخلف الحكم في حقه لمانع. ذكر -رحمه الله- هنا مجموعة من المسائل، وهي أمثلة لنظائر لها كثيرة فيما وقع فيه الخلاف للنصوص الصحيحة المحكمة التي دلت عليها ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة. وهذا الظاهر له معنى آخر مرجوح، وهو ما فهمه بعض هؤلاء الفقهاء في هذه المسائل المشار إليها. وقد أشار إلى أربع مسائل وقع فيها الخلاف، والصواب أن من خالف قد أخطأ في هذه المسائل. من هذه المسائل: زعمهم أن النبيذ ليس محرمًا، وإنما المحرم خمر المدينة خاصة، وما سواه فإنه لا يسمى خمرًا، وإنما هو نبيد. والنبيذ قد شربه النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهذا كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وخطأ؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يشرب الخمر، وإنما شرب من طَبِّ من العصير الذي هو من العنب أو من التمر، ولكنه لم يصل إلى درجة الخمر. بل كان -عليه الصلاة والسلام- إذا بدأ يتغير، يتركه ويعطيه لغلامه. كما مر معنا في شرحه وتوضيحه: ليس لأنه حرام عليه، وحلال للغلام، ولكن لأنه من الطعام الذي قد يعافه من عنده غيره، وقد يحتاجه من ليس عنده غير هذا المعاف. مثل سؤر الآدمي: سؤر الآدمي قد لا يأكله الإنسان الذي عنده غيره، وغيره الجائع الذي ما عنده طعام، يفرح بهذا السؤر، ويكون هذا بالنسبة له غنيمة. وكذلك رزق، فهو من هذا الباب. والمسألة الثانية: أنهم خصوا المحرم في العنب والتمر. خصوا المحرم في العنب والتمر. وهذا كذلك خطأ. وهذا كذلك خطأ. والصواب على خلاف هذا. وكذلك المسألة الثالثة: ما أشار إليه -رحمه الله تعالى- في قول عمر -رضي الله عنه- وارضاه- ونهيه عن التحريم والبيع له. فإنه يحرم بيعه، ولو كان حلالًا إذا كان يباع لمن يعتصره، يعني لمن يستخدمه خمرًا. فإن هذا كذلك لا يجوز؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. من التعاون على الإثم والعدوان. فلا يجوز بيع العصير لمن يصنع منه الخمر. لا يجوز بيع العصير لمن يصنع منه الخمر. وكذلك هناك مسائل أخرى، مثل أن يعين في بعض صور هذا الخمر، فيظن أن المحرم هو المباشرة لهذا الخمر دون الإعانة عليه. وقد مر معنا في الحديث الذي أشار إليه: أنه لعن في الخمر عشرة. لعن في الخمر عشرة. فدل أن كل ما كان من هذه الأجناس العشرة، فهو يدخل في هذا اللعن. يدخل في هذا اللعن. وأما ما ذكر -رحمه الله تعالى- من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن البائع للخمر، قد تقدم معنا الحديث في هؤلاء العشرة. وروي كذلك أن بعض الصحابة وقع منه ذلك. وقد أجيب بعدة أجوبة: قيل: أنه كان لم يعلم بعين هذه المسألة، وأخطأ فيها؛ لأنه باعها لبعض أهل الكتاب. وهذه مسألة قد تخفى. يعني بيع الخمر أولًا، حكم تحريم الخمر أين كان؟ في المدينة. يعني متأخر. ولذلك علم المسلمون أن الخمر حرام. لكن بعض دقائق مسائله خفيت على بعض الصحابة. طبعًا أولًا، بعضهم ضعف هذا عن الصحابة. روي هذا عن سمرة. وبعضهم ضعفه، ولم يثبتوا. ثانيًا: من صححه، قال: له عذر. ما هو عذره؟ قالوا: عذره أنه لم يعلم أنه لا يجوز بيعه للكتاب. لا يجوز بيعه للكتاب؛ لأنه باعه لكتاب، ولم يبيعه لمسلم. باعه لكتاب، ولم يبيعه لمسلم. وقيل: أجوبة أخرى. فقد ذكر أنه كذلك إنما الذي باعه باع العصير، ولم يبع الخمر. وهذا كذلك من الأوجه التي قد يحصل فيها اللبس. وقيل: أنه باع الخل الذي مر بمرحلة الخمر. وهذا الأخير هو الذي رجحه عدد من الحفاظ والفقهاء، كالقرطبي وابن الجوزي وجماعة. فإنهم رجحوا هذا. قالوا: لو صح، لقدر أنه هذا الذي حصل، وليس بيع الخمر الصريح، وليس بيع الخمر الصريح. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن تحويل الخمر إلى خل. وهذا المعنى يدل أنه لسد الذريعة في التعامل بالخمر، حتى لا يحوله أحد إلى خل، وليكون سببًا لبقائه والتجارة به، وغير ذلك. نكتب بهذا القدر لانتهاء الوقت لهنا، والله تعالى أعلم. ونكمل إن شاء الله الباقي في درس لاحق. اشتركوا في القناة.