الصحيح المسند من دلائل النبوة 24

الصحيح المسند من دلائل النبوة 24

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 24، الدرس الرابع والعشرون:من( فصل:ومن دلائل النبوة ما جاء عن الكهان والجن ... ولم يقل:وأرسل معه عمه بلالاً ولكن قال رجلا اهـ من التحفة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تكهن الكهان بظهور النبي

يروي عمر بن الخطاب قصة كاهن أخبرته جنيته بظهور نبي، وتحققت نبوءته فيما بعد. الكهان لا يعلمون الغيب ولكن قد يصل إليهم بعض الأخبار عبر الجن.

تكهن الكهان والرهبان بخروج النبي وتكهناتهم

الكهان والرهبان تكهنوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، واستخدموا عبارات نادرة. كما يروي قصة لقاء النبي براهب نصراني أثناء رحلته إلى الشام.

قصة الراهب بحيرا وتحليل روايتها

يناقش المقطع قصة الراهب بحيرا واختلاف الروايات حولها. أصل القصة صحيح بينما بعض التفاصيل قد تكون ضعيفة أو غير صحيحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: فصل، ومن دلائل النبوة ما جاء عن الكهان والجن وأهل الكتاب في شأنه صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني عمر أن سالما حدثه. قال شيخنا: قال الحافظ رحمه الله: عمر هو ابن محمد بن زيد، قال: حدثه أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ما قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. علي الرجل فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيتك اليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما -يعني الجنية- قال: بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم ترى الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق. بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. قال: فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي -يعني ما هي إلا فترة يسيرة حتى ظهر أمر نبوة النبي عليه الصلاة والسلام بمكة-. وهذه القصة أوردها شيخنا رحمه الله بهذه الرواية عن الإمام البخاري، وفيها ما أخبر به عمر رضي الله عنه مما سمعه وحضره، ومن خبره هذا الكاهن. وخلاصة ذلك فيه أن الكهان قد تكهنوا بظهور النبي عليه الصلاة والسلام. وكما نعلم الكهان لا يعلمون الغيب، لكن من يعينهم في استراق السمع من الجن يطلعون على بعض الغيب بحكمة من الله سبحانه وتعالى، فيرسل الله عز وجل على من يشاء منهم فيحرقه ويتبعه شهاب ثاقب، وينجو منهم من يشاء الله عز وجل أن ينجو بحكمته؛ ليبتلي سبحانه وتعالى بما يصل إلى الناس من خبر هذا الجن الذي يوصله إلى الكاهن. فليس نجاته لخروجه عن قدرة الله، بل ربنا جل وعلا على كل شيء قدير، ولا لعجز جند الله، بل أمره إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، ولكن حكمة من الله سبحانه وتعالى أراد أن يبتلي بذلك سبحانه. فالشاهد أن آل كهان تكهنوا بخروج النبي عليه الصلاة والسلام، كما في هذه الرواية الصحيحة في «الصحيح البخاري». وأما العبارات التي ذكرت -يعني إشارة إلى عبارات الكهان وما ينقلونه عن الجن- من حرصهم على العبارات التي فيها تقعر في اللغة، والتقعر يعني الإتيان بالغريب النادر من لغة القوم. فمنها ما هي أسماء لمسميات قد لا تعرف إلا عند القلة من الناس، ومنها صفات أفعال، وهي كذلك من ملاق قد لا يعرف إلا عند القلة من الناس. وقوله: «ألم تر الجنة وإبلاسها ويأسها...» الإبلاس مأخوذ من الخوف، وكذلك الشدة من أمر ما «من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها»، من بعد إنكاسها يعني رجوعها، ولحوقها بالقلاص يعني القوافل، وأحلاسها يعني مخابئها. وقوله بعد ذلك: «فصرخ الصارخ فسمع الصوت وفيه يا جليح أمر نجيح»، جليح اسم، «وأمر نجيح» يعني أمر فيه خبر هام، «رجل فصيح» يعني النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: «لا إله إلا أنت»، وهي كهانة في ظهور النبي عليه الصلاة والسلام. وبعض هذا قد يكون من تكلف الكهان، فإنهم يتكلفون كما قلنا ما كان وعرا من الكلام ومتقعرا، وبعضه يخرج عن القواعد اللغوية وموارد أهل اللغة؛ لأن مقصود في ذلك الإغراب. وهذه طريقة الكهان مثل ما يكتبونه لبعض الناس من تلك الكتابات، ففيها تلك الغرابات. قال رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله: حدثنا الفضل بن سهل أبو العباس الأعرج البغدادي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن غزوان، قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش. ولما أشرفوا على الراهب هبط فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخلل لهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك -يعني وما أدراك-؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي -يعني الجنس الأحجار والأشجار، المثنى للجنس لا للأفراد- قال: وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، لحمة ناتئة مثل التفاحة -يعني مرتفعة، لكن نتوءها لم يكن كبيرا، يعني نتوء كثلث أو ربع التفاحة- قال: ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به، فكان هو في رعية الإبل، فقال: ارسلوا إليه. فأقبلوا عليه غمامة تضله، فلما دنى من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس ما لفيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة ما لعليه. قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهب به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه وعرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإن قد أخبرنا خبره، فبعثنا إلى طريقك هذا. فقال: هل خلفكم أحد وخير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى. قال: قال المباركفوري رحمه الله -يعني في شرحه- قال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح أو أحدهما. وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وعده إمتنا وهما، وهو كذلك، فإن سن النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين -يعني بسنتين- وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت. انتهى. قال: وقال في «ميزان الاعتدال»: قيل مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، وبلال لم يخلق بعد، وأبو بكر كان صبيا. انتهى. وضعف الذهبي هذا الحديث لقوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك مشتري بلالا. وقال الحافظ بن حجر في «الإصابة»: رجاله ثقات، وليس فيه سوى هذه اللفظة، ويحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر، وهما من أحد رواته، كذا في «المواهب اللدنية». وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله كما في «زاد المعاد»: ثم كفله عمه أبو طالب، واستمرت كفالته له، فلما بلغ اثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام، فقيل: كانت سنة تسع سنين. وفي هذه الخرجة رآه بحيرا الراهب، وأمر عمه أن لا يقدم به إلى الشام خوفا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة. ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في مسنده هذا الحديث ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالا، ولكن قال: رجلا. انتهى من «التحفة». قال ابن إسحاق رحمه الله: أولا هذا الحديث كما ترون أورده رحمه الله تعالى لما فيه من أصل القصة، ولو كان في ثناياها بعض ما هو ليس بصحيح، فأصل قصة الراهب بحيرا جاء ذكرها في أحاديث، ومنها هذا الحديث، وهي قصة صحيحة، لكن بعض التفاصيل التي فيها لم تصح. فبعضهم بين مثل هذه اللفظة ذكر أبي بكر وبلال في آخر الحديث، وبعضهم ذكر أشياء من ثنايا هذا الحديث، وأنها ربما كانت من زيادات بعض الرواة، فتكون من المدرج أو من أوهام بعض الرواة. وأما أصل القصة فهي قصة صحيحة، أصل القصة قصة صحيحة. وأما الزيادات فهي قد تكون ضعيفة. وسبب ذلك أن الشيء ربما إذا اشتهر واشتهر بحق وباطل اختلط الحق بالباطل مع كثرة الرواية، اختلط الحق بالباطل مع كثرة الرواية، خصوصا إذا كانت قصة ويطول فيها الكلام، وخصوصا إذا كان معها روايات أخرى هي كالتفسير والزيادة، فربما يدرج بعض الرواة أشياء يظن أنها من الإيضاح، فيختلط ذلك، خصوصا إذا كان من الرواة الذين ليس لهم بالقوة كقوة أهل «الصحيح». فالمهم أصل القصة صحيح، والزيادات بعضها ضعيفة. وهذا فيه ما أراد الشيخ من أن رهبان الروم وفيهم النصارى واليهود قد تكهنوا بخروج النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك عرف النبي عليه الصلاة والسلام بصفته، كما في قصة هذا الراهب. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.