الصحيح المسند من دلائل النبوة  129

الصحيح المسند من دلائل النبوة 129

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 129، الدرس التاسع والعشرون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة ... حتى أنزل الله:ليس لك من الأمر شيء.أخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأهمية الهمة العالية

يتحدث الشيخ عن فضل العلم ورفعة أهله، ويشدد على أهمية الهمة العالية والصدق مع الله في انتفاع طالب العلم بعلمه. العلم يرفع صاحبه رغم العاهات أو الانتماء.

دلائل النبوة من استجابة الدعاء

المقطع يتناول دلائل نبوته وصدق رسالته من خلال استجابة دعائه، ويشرح الأحاديث الدالة على ذلك. كما يستفاد منه مشروعية قنوت النوازل.

أحكام القنوت ولعن الكفار

يناقش حكم لعن الكفار والمشركين وأحكام قنوت النوازل، مشيرا إلى عدم جواز لعن المعين منهم وأنه لا يستمر القنوت أكثر من شهر.

التمسك بالوسطية في الإسلام

يجب على المسلم الالتزام بالوسطية وفق الدليل الشرعي، وهي المنهج الأمثل للمسلم كما جاء في الشرع. الله تعالى أعلم بالصواب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء البغلاني. أحصله من قرية ببلدة بلخ، ولكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». قال: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، وهو مغيرة بن عبد الرحمن بن خالد الأسدي، من أولاد حكيم بن حزام، أحد الثقات، وله غرائب، وفيه فضل العلم على أهله. قال: عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي، مولى من الموالي، وصاحب عاهة، ومع ذلك رفعه الله عز وجل بالعلم، حتى قيل: إن مجلسه كان يضاهي مجلس الأمير. قال الليث بن سعد: حضرت أبا الزناد وعنده أكثر من ثلاثمائة طالب فقه وعلم، من سائل ومتعلم ومستفت في معضلة. رفعه الله عز وجل بالعلم، وهو مولى من الموالي، كان مولى لرملة بنت شيبة، امرأة عثمان، رضي الله تعالى عنه وعنها. قال: عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدني، كذلك مولى من الموالي، كان مولى لمحمد بن ربيعة. رفعه الله عز وجل بالعلم. وهكذا يتحقق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». كان أعرج، كغيره من العلماء الذين ابتلوا بعاهات، أعرج، ولم يمنعه ذلك العرج من أن يكون مبرزا في العلم، كما أن في العلماء من هو أعمى، ولم يمنعه عماه من أن يكون مبرزا في العلم. فالعبرة بهمة الطالب، إن كان للطالب همة عالية وصدق مع الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يرفعه بهذا العلم، وينفع الله عز وجل به العبادة والبلاد. والعبرة، كما يقال، بخواتيم النهايات، لا بنقص البدايات. العبرة بخواتيم النهايات، لا بنقص البدايات. قد يبتدئ طالب العلم مشوار الطلب بشيء من المشقة والصعوبة، خصوصا إذا كان في شدة من العيش، أو فيه شيء من العاهات، أو من بلدة غريبة بعيدة عن العلم وأهله، فطلبه للعلم سيكون فيه شيء من الشدة والمشقة، لكن إذا صبر، رفعه الله سبحانه وتعالى ومكنه، خصوصا إذا جمع معه الهمة العالية الصدق. والصدق له شأن عظيم في انتفاع طالب العلم بعلمه. وكما سبق، العبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات. كم من إنسان يبدأ الطلب كما يقال بصولة وجولة وزهبقة، ولكن سرعان ما يزول ويذهب ذلك، ولا يبقى إلا الصدق وأهل الصدق. ولهذا ينبغي للإنسان أن يعتني، كما يعتني بطلب العلم تحصيلا، أن يعتني بالعمل به، والصدق مع الله سبحانه وتعالى، لا يرجو بطلبه العلم الدنيا. فهؤلاء لم يبالوا بما في أيدي الناس، ولا بما يتنافس فيه الناس. كانت لهم حياة غير حياة الناس. الناس يعيشون في حياة أخرى خلاف الحياة التي يعيشونها، لأنهم أقبلوا على العلم وعلى الله سبحانه وتعالى، فرفعهم الله ومكنهم من هذا العلم. وأما الذي يريد أن يتوصل بالعلم إلى شيء من الدنيا، فإنه قد يتوصل به، لكنه سرعان ما سيذهب أثر العلم عليه. ربما يشار إليه بالبنان فترة من الزمن، لكن سرعان ما يزول عنه العلم، ويذهب أثره عليه، ولا يذكر إلا أهل الصدق. كم كان لأبي الزناد من أقران، وكم كان للأعرج من أقران؟ ذهب أولئك كلهم، وبقي هؤلاء، أمثالهم من أهل العلم والعمل. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم حريصا على علمه، ومع ذلك حريصا على عمله. ومن تتبع بتراجم هؤلاء وجد أنهم كما جمعوا العلم، جمعوا كذلك العمل، حتى مكنهم الله سبحانه وتعالى، ورفع ذكرهم. قال: عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد من أصح الأسانيد عند الإمام البخاري، رحمه الله. قال الإمام البخاري، رحمه الله: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، رضي الله عنه. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: «اللهم أنجي عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجي سلم بن هشام، اللهم أنجي الوليد بن الوليد، اللهم أنجي المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشتد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسن يوسف». وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله». والحديث كذلك رواه الإمام مسلم. قال شيخنا: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو التبوذكي المنقري. قال: حدثنا إبراهيم بن سعد. قال: حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي السلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد». «اللهم أنجي الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسن يوسف». يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته، في صلاة الفجر: «اللهم ملعن فلانا وفلانا»، لأحياء من العرب، حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أخرجه مسلم. أورد شيخنا، رحمه الله، هذين الحديثين في سياق ذكره لدلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وفي موضع ذكره للأدلة التي كان فيها عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة. وهذا موضع من مواضع صدق رسالته ودلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد من هاتين الروايتين: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بنجاة هؤلاء الثلاثة الذين هم من قدامى الصحابة، فعياش بن أبي ربيعة القرشي، صاحب الهجرتين، أخ لأبي جهل لأمه، وسلمة بن هشام المخزومي، والوليد بن الوليد، كذلك. وكل هؤلاء دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنجاهم الله، وأنجا من دعا لهم من المستضعفين من المؤمنين. ودعا على مضر، فشدد عليهم، وأصيبوا بسنين كسني يوسف، حتى طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع عنهم البلاء. ودعا لغفار وأسلم، فجاء الله عز وجل بها مسلمة. وهكذا كذلك قبيلة أسلم. وهذا هو موضع الشاهد من هذين الحديثين: استجاب الدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام، استجاب الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وهذا من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام، فقد كان مجاب الدعوة، ولهذا نظائر كثيرة تحقق وتصدق هذا المعنى. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، من أهمها في هذا الحديث: مشروعية قنوت النوازل، وأنه يجوز للمسألة العامة والخاصة، ويجوز بالدعاء العام والدعاء الخاص. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره كثير في قنوت النوازل دعا على الكفار والمشركين، وعين بعض هؤلاء، ودعا بنجاة بعض المؤمنين، وعين بعض المؤمنين، فيجوز ذلك. وهل هذا منسوخ؟ أي التعيين باللعن في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه إذا كان الشخص حيا وهو كافر، فلا يجوز أن يلعن بعينه، حتى لا يطرد من رحمة الله، ويرجى أن يكون ذلك غير مانع له من إسلامه. وأما إذا مات على الكفر، فيجوز أن يلعن الكافر والمشرك إذا مات على الكفر، هكذا قال جماعة من أهل العلم، تفصيلا وجمعا بين الأدلة. وعلى هذا يحمل قول الله جل وعلا في نزول هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ لأنهم كانوا أحياء. فالكافر لا يلعن ما دام حيا، لعل الله عز وجل يهديه، وأن يرده إلى الإسلام ردا جميلا. ولا بأس أن يلعن المشركون والكفار عموما، وأن يدعى عليهم، ويدعى على الظالم منهم بعينه، لكن لا يطرد من رحمة الله إنسان بعينه، ولو من الكفار، لا يطرد من رحمة الله. لأن أهل الإسلام أرحم الناس بالناس. وكما ذكر أهل العلم: ينظر إلى هؤلاء من الكافرين والمشركين والمجرمين بنظرين: ينظر إليهم بنظر الشرع، وبنظر القدر. فبنظر الشرع نبغضهم، وبنظر القدر نرحمهم. فنرجو أن الله عز وجل يهديهم، ويردهم إلى الحق ردا جميلا، كما ذكر معناه الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى. وفيه من المسائل كذلك: شيء من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت النوازل، كيف يكون الدعاء؟ فهذه بعض صيغ الدعاء التي كان يدعو بها عليه الصلاة والسلام. ولقنوت النوازل أحكام كثيرة تذكر في كتب الفقه. ومن أهم هذه الأحكام التي ينبه عليها: أن قنوت النوازل لا يخص بصلاة الفجر، فأحيانا يكون في الفجر، وأحيانا يكون في الصلوات الأخرى. فقنت عليه الصلاة والسلام في الصلوات الخمس، وقنت في المغرب والفجر، وقنت في الفجر. وليس معنى ذلك إثبات قنوت الفجر، كما زعمه بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم. فقنوت الفجر على ما يفعله بعض الفقهاء اليوم، فهو ليس له أصل. أما قنوت النوازل، ولو كان في الفجر أحيانا، هذا له أصل. ولهذا فإن قنوت النوازل كذلك لا ينبغي أن يكون على وجه الاستمرار، بل يقنت بما لا يزيد عن الشهر، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهرا، فلا يزاد عن ذلك، ولو استمر السبب. ولو استمر السبب، فإذا تجدد سبب آخر، دعي مرة أخرى، إلى أن يزول السبب، أو يستمر شهرا، لا يزيد على ذلك. وكذلك في هذين الحديثين من المسائل: شيء من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك القنوت بعد الركوع، أي قنوت النوازل. ومن ذلك الدعاء بعد قول الإمام: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد». وهكذا كذلك في هذا اللفظ: صفة وصيغة من صيغ وصفات قول: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد». فـ«ربنا لك الحمد» فيها صيغ من هذه الصيغ: حذف الواو، وإثبات اللهم. «اللهم ربنا لك الحمد». ويجوز: «ربنا لك الحمد» بدون اللهم. ويجوز بالواو. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الاستشعار لأحوال المسلمين بعضهم لبعض. فالمسلم للمسلم كالبنيان، فلا ينبغي أن يكون أهل الإسلام في معزل عما يجري لإخوانهم المسلمين، ولو بعدت أوطانهم وتفرقت أمصارهم. بل ينبغي أن يكون الجميع كالجسد الواحد. إن لم تستطع أن تنصره بجسدك ومالك وقدرتك، فلا أقل أن تنصره بالدعاء، لكن في حدود المشروع، وفي كذلك المأذون فيه. فلا نكن من أهل الجفاء الذين لا يبالون بما يجري للمسلمين، ولا نكن كذلك من الذين تتلاعب بهم العواطف بغير الضوابط الشرعية. فهم في دعاء مستمر، وكذلك تتبع بالعاطفة وبغير الشرع لأحداث المسلمين ومآسيهم. وكل هذا خطأ. والوسط بينهما. وهذا هو المطلوب: أن يكون المسلم على الوسط الذي دل عليه الدليل الشرعي. إلى هنا، والله تعالى أعلم.