الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 135، الدرس الخامس والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام الترمذي رحمه الله:حدثنا محمد بن بشار ... هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح حديث يدل على فضل عمر بن الخطاب حيث دعا النبي محمد أن يعز الله الإسلام بأحب رجلين إليه، واستجاب الله دعاءه بإسلام عمر. هذا يبرز دلائل نبوّة النبي محمد من خلال استجابة دعائه وإسلام عمر الذي عزّ به الإسلام.
هذا الفصل يتناول علامات أولياء الله تعالى وهداية المخالفين، حيث يشرح أن الولاية تزيد وتنقص بحسب الإيمان والتقوى. كما يبين أهمية الرفق بالمخالفين والحرص على هدايتهم، ويستشهد بفضل عمر بن الخطاب ودعاء النبي له.
يناقش هذا الفصل مشروعية الدعاء للكافر بالهداية أو إصلاح حاله في الدنيا إذا كان يراد به ترغيبه في الإسلام. كما يوضح أن الدعاء له بالمغفرة أو الرحمة في الآخرة لا يجوز إذا مات على الكفر، والدعاء على الكفار الأحياء باللعن غير مشروع لاحتمال هدايتهم.
هذا الفصل يشرح أن المحبة تتفاضل بين العباد، حيث يحب الله أنبيائه ورسله أكثر من سائر المخلوقات. يبين أن حب الله تعالى يليق بجلاله وعظمته، وأن هذا التفاضل في المحبة يظهر في حب الله لعباده وحبهم له.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الترمذي، رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، وابن عثمان الملقب بن دار، لسعة علمه وحفظه، أحد الثقات الحفاظ ممن أخرجا له في الصحيحين. قال: ومحمد بن رافع، وهو ابن سابور، أني سابور، أحد الثقات الحفاظ كذلك، ممن أخرجا له في الصحيحين. قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، وهو عبد الملك بن عمر القيسي، كذلك أحد الثقات الحفاظ، أخرجا له في الصحيحين. قال: أخبرنا خارجة بن عبد الله الأنصاري، وخارجة بن عبد الله الأنصاري من أحفاد زيد بن ثابت، رضي الله عنه، فجده زيد بن ثابت الأنصاري. وقد كنا يكنى بأبي زيد، وهو صدوق له أوهام، وضعفه الإمام أحمد، رحمه الله. وهذا الحديث له شاهد من حديث ابن عباس، ولهذا قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله، عن هذا الحديث: حديث ابن عمر فيه خارجة بن عبد الله، صدوق له أوهام، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس. وحديث ابن عباس فيه ضعف كذلك، لكن يشتد بهذا الحديث، فالحديث حسن. قال: عن نافع، وهو مولى ابن عمر، أحد أئمة الأعلام، ويتبين بمن قرأ في ترجمته فضل العلم على أهله، كيف رفعه الله عز وجل بالعلم، وهو مولى من الموالي. وفيه كذلك إعانة المرء غيره على العلم، سبب لخير الدنيا والآخرة، فأعان ابن عمر نافعًا على العلم، فصار له ما صار، فهو أحد أئمة المسلمين. قال: عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي الجليل، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب». قال: وكان أحبهما إليه عمر. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق لذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وصدق رسالته في إجابة دعائه. فإن الله عز وجل أجاب دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام في مواضع كثيرة، وكل موضع من هذه المواضع هو دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته. فاجتماعها يؤكد ويدخل اليقين عند كل منصف أنها من علامات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فإنها ليست حادثة ولا اثنتين ولا ثلاث ولا عشر، بل عشرات ومئات الحوادث التي تؤكد أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. فأجاب الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فهدى أحب الرجلين إليه، فكان أحب الرجلين كما قال في الحديث عمر. كيف علم هذا؟ لأن الله هداه للإسلام، وهداه وأعز به هذا الدين. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك» فيه هذا الفضل كذلك لعمر، رضي الله عنه. فوجه الشاهد منه إجابة دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، الذي هو موضع من مواضع صدق رسالته ودليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل في هذا الحديث فضل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. فتبين بهذا الحديث أن عمر أحب الرجلين إلى الله عز وجل، فقد استجاب الله لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام بإسلام أحب الرجلين إليه جل وعلا أن يعز بأحدهما، وأحبهما إليه الإسلام والمسلمين، فكان عمر، رضي الله عنه أرضاه. ومن تتبع سيرة عمر، رضي الله عنه، وجد صدق ومصداق ما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام، فقد عز الله عز وجل بعمر الإسلام والمسلمين، من أول إسلامه حتى ذكر الصحابة، رضي الله عنهم، أنهم ما كانوا يستطيعون أن يصلوا عند البيت حتى أسلم عمر، رضي الله عنه أرضاه. حتى أسلم عمر، رضي الله عنه أرضاه، فكان إسلامه سببًا لعز الإسلام والمسلمين، لقوته وشجاعته، رضي الله عنه وأرضاه، وعظيم نصرته لهذا الدين وأهله. وقد ورد في فضائله الشيء الكثير، فهو، رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال مكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في هذه الأمة أحد أو قال في أمة أحد فعمر»، رضي الله عنه أرضاه، من المكلمين، يعني ممن يلهمهم الله عز وجل من الوحي. وقد وافق القرآن في مواضع، وألهمه الله عز وجل الحق في حوادث كثيرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كذلك بعد مماته، رضي الله عنه أرضاه، فكان رجلًا ملهما، رضي الله عنه أرضاه. فصح فيه ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه أحد الرجال الملهمين في هذه الأمة. وهل هناك غيره ملهم؟ قال بعض أهل العلم: لا مانع أن يكون هناك أحد، والإلهام غير الوحي، الإلهام غير الوحي، الإلهام هو التوفيق من الله عز وجل لعبد من عباده للصواب، وهذا ممكن أن يكون لكل أحد. وقد جعل معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، موضعًا من مواضع وعلامات معرفة الأولياء. فإن من علامات أولياء الله عز وجل الذين هم يعرفون بماذا؟ بماذا يعرف الولي المؤمن التقي؟ المؤمن التقي هو الولي لله عز وجل، ولهذا فكل مؤمن تقي فيه معنى الولاية، لكنها قد تزيد وقد تنقص، قد تزيد وقد تنقص بحسب قوة الإيمان ورسوخ التقوى وتصديقها. فكلما كمل الإيمان وصح الصدق في التقوى، فإن صاحبه يؤيد بمعاني الولاية والكرامة. ومن ذلك أن يكون موفقًا ملهما، موفقًا ملهما، فيجري الله عز وجل على قوله وفعله الحق، يجري الله عز وجل على قوله وفعله الحق. وأمثال هؤلاء كثير في الأئمة والعلماء، ممن كانوا خيرًا من تبع السلف الصالح بإمامتهم وهدايتهم للخلق، فكان ذلك علامة من علامات توفيق الله عز وجل لهم. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كذلك قال في حق عمر، رضي الله عنه، كما جاء في الصحيحين من حديث سعد: «أنه لو سلك طريقًا سلك الشيطان طريقًا آخر». قال: «ما سلكت فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر». وهذا يدل على فضل عمر وقوته، حتى أن الشيطان ينخنس ويخاف منه. وهكذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه رأى رؤيا لعمر أن له قصرًا في الجنة، وصح أنه رأى أنه سقاه فضل ماء، فأوله النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم. وصح أنه كذلك رأى عليه قميصًا يجره، ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالدين. وغير ذلك من الفضائل الكثيرة التي رويت في حق عمر، رضي الله عنه أرضاه. وهذا الحديث من هذه الفضائل. وفيه كذلك من المسائل حلم النبي صلى الله عليه وسلم بالمخالفين ورفقه بهم عليه الصلاة والسلام. دعا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء، وكل الرجلين ماذا؟ كافر، كل الرجلين كافر، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين أو بأحب هذين الرجلين إليك». وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عنده من الحلم والرفق بالمخالفين ما يجعل لهم كما يقال خط رجعة وموضع يكون به سببًا لهدايتهم، ولكذلك رجوعهم إلى الحق. كيف إذا انضاف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تأذى من أبي جهل الأذية العظيمة، خصوصًا أبا جهل آذى النبي صلى الله عليه وسلم أذية عظيمة، حتى كان من ذلك أنه كاد أن يقتله مرة من المرات، فهو الذي جاء فيه ما وقع في قصة أبي بكر، رضي الله عنه، حين خنق النبي صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يقتله، فجاء أبو بكر فدفعه وقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟» وكان هذا هو أبو جهل. وهو الذي رمى النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر حتى شج رأسه عليه الصلاة والسلام، وكان في هذه الحادثة سبب إسلام حمزة، رضي الله عنه أرضاه، فإنه بلغ حمزة ما صنع أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يخرج للصيد، فلما جاء وأخبرته إحدى الجواري بما وقع، جاء مسرعًا مهرولًا إلى أبي جهل، وأتى إليه فسبه على ما صنع بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أخيه ورضيعه، أخوه من الرضاع وعمه بالنسب، ثم اشتجر حتى كاد أن يقتتل كلا الحيين من بني هاشم وبني مخزوم، قبيلتي الرجلين، فكان ذلك سببًا في إسلام حمزة، رضي الله عنه أرضاه. ومع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب». وفي هذا كذلك ما أشار إليه بعض أهل العلم، كابن القيم، رحمه الله، أنه ينظر إلى المخالفين بنظرين: بنظر الشرع فنبغضهم، وبنظر القدر فنعطف بهم ونرحمهم. ومعنى أننا ينبغي علينا أن نعامل هؤلاء بما يقتضيه المقام وما تكون به المصلحة، فبالشرع نعاملهم ما يجب أن يكون في حقهم، وكذلك ما يكون من بغضهم البغض الشرعي، ليس انتقامًا للنفس ولا تشفيًا ولا كذلك لمعنى من معاني وحضوب وهوى النفس، ولكنه لله ولدين الله. وفي نفس الوقت نحرص على هدايتهم وعلى رجوعهم إلى الحق. وفي هذا المعنى كذلك أو في هذا الموضع معنى آخر من المواضع التي يستفيد منها الداعي إلى الله، وهي أن يحرص على هداية من يرجى أن ينصر الإسلام به، أن يحرص على هداية من يرجى أن ينصر الإسلام به. فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجى أن يعز الله عز وجل الإسلام بأحب هذين الرجلين إليه، خاصة لما كان من مكانة هذين الرجلين في البلد الحرام. ولهذا لما أسلم عمر، رضي الله عنه، كانت المنعة لأهل الإسلام، حتى أنهم استطاعوا أن يصلوا في البيت، وكانوا من قبل ما يستطيعون أن يصلوا في البيت، فأعز الله عز وجل الإسلام بإسلام عمر، رضي الله عنه أرضاه. ولا يعني ذلك أن يقدم الإنسان التنازلات ويكون له كذلك الضعف لدين الله عز وجل، ولكن بالأسباب الشرعية، مثل الدعاء أن تدعو له بالهداية، ومثل كذلك أن تبدل أسباب الهداية بالعلم وبالدعوة إلى الله وبالمعاملة الحسنة والخلق الحسن، وغير ذلك من إظهار محاسن الإسلام الذي يكون به إسلام من يظن أن الله عز وجل ينصر به الإسلام والمسلمين. ومن باب أولى إذا كان هذا في أصل الإسلام، فكيف بتمامه وكماله من كمال هدايته ورجوعه إلى السنة؟ فبمثل هذا كذلك ينبغي أن يحرص مع أهل الباطل، حتى أهل البدع والأهواء. فأهل البدع والأهواء كما أننا نبغضهم بما كان من بدعتهم وضلالتهم، لا يمنع أننا نحرص على هدايتهم، لا يمنع أننا نحرص على هدايتهم، خصوصًا من رجى أو رجى فيه الهداية من ترجى هدايته، فإنه تبدل الأسباب الشرعية في هدايته. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك مشروعية الدعاء للكافر، مشروعية الدعاء للكافر للكافر، والدعاء للكافر أو على الكافر على قسمين: منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مشروع. فمن الدعاء الذي للكافر المشروع الدعاء له بالهداية، مثل هذا الحديث، وما كان بمعناه من أحاديث فيها الدعاء بالهداية أو معنى الهداية للكافر. وكذلك من المشروع الدعاء بشفائه، وكذلك صلاح حاله في الدنيا، لا في الآخرة، لما في ذلك من معنى التأليف، يكون مضمنًا معنى التأليفيع والترغيب في الإسلام، ويدل عليه ما جاء في حديث أبي سعيد في قصة اللذيغ، فإنه كان رجلًا كافرًا ورأسًا من رؤوس أحياء العرب، ومع ذلك رقي ودعي له، لماذا؟ لأن هذا فيما لا ينافي كفره، ويرجى أن يكون هذا سببًا في إسلامه وهدايته. وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا شابًا يهوديًا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فعيادة المريض، وكذلك الدعاء للمريض، والدعاء بإصلاح حال كذلك دنيا الكافر، بما يرجى به صلاحه وهدايته ودخوله في الإسلام، هذا مما أجازه الشرع ونص عليه الحفاظ في شرح هذا الحديث. وهكذا كذلك ما كان بمعناه مما هو من أمر الدنيا، مما يرجى به أن يكون سببًا في إسلام هذا الكافر وترغيبه في هذا الدين. وأما ما كان من أمر الآخرة فلا يجوز الدعاء له، لا يجوز الدعاء له بالمغفرة ولا بالرحمة ولا الاستغفار له، لهذا نزلت الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يستغفر لمن لعمه، لعمه أبي طالب، لأنه مات على الكفر. وهكذا كذلك المنافقين، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لهم، ففهم العلماء من هذا أن الكافر يجوز أن يدعى له في مواضع، ولا يجوز أن يدعى له في مواضع أخرى. فمن المواضع التي لا يجوز الدعاء له بصلاح آخرته، فإنه مات على الكفر، فلا يجوز أن يدعى له بذلك، لا بمغفرة ولا برحمة ولا باستغفار ولا غير ذلك، حتى ولو كان ماذا؟ أبًا ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزار قبرها وبكى بكاءً شديدًا عليه الصلاة والسلام»، كونها ماتت على الكفر. فهذه أم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يأذن له ربه سبحانه وتعالى أن يستغفر لها، لم يأذن له أن يستغفر لها، فدل على هذا التفصيل هذا المعنى، ومثله كذلك الدعاء على الكفار، منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع. فما كان من أمر اللعن والطرد من رحمة الله، وهو حي، فإنه على الصحيح من أقوال أهل العلم لا يجوز، فضل الله واسع، وكذلك رحمته وسعت كل شيء، فلا تحجر رحمة الله وفضله، وإنك لا تدري في أي أمر يكون الخير. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يدعو على المشركين فيلعنهم، حتى نزل عليه قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فكان بعد ذلك لا يلعنهم. وهذا هو الصحيح في توجيه هذه الآية، أن الآية لم تنهه عن الدعاء على الكفار، ولكن جاءت للنهي عن لعن الكفار، أي من كان حيًا منهم، فإنه كان يلعن أحياء وأفرادًا من المشركين ممن آذوا أهل الإسلام. ومن تأمل هذين المعنيين في الممنوع والمشروع في الدعاء للكافر وعلى الكافر، يعرف أن المقصود من ذلك هو التفريق بما يكون من أمر صلاح الدنيا الذي يكون به ماذا؟ سبب إسلامه وهدايته، ومن ذلك أن لا نلعنه، وكذلك أمر الآخرة مما قد فرغ منه، فإنه لا يدعى له. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول: ما صحت قول ابن سعود: «ما زلنا عز منذ أسلم عمر»، قد روي هذا من غير وجه، وهو مشهور، واستدل به أهل العلم كثيرًا في كتب السير والتاريخ، وشروح الحديث، فهو وإن كان في بعضها شيء من الكلام، لكن مثل هذا في هذا الباب يتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره. يقول: هل في الحديث إثبات صفة المحبة لله؟ نعم، فيه صفة إثبات المحبة، هو أن المحبة تفاضل، فالله عز وجل يحب ويحب، وحبه لمن شاء من عباده يتفاضل، وكذلك هو يحب، وحبه من عباده يتفاضل، فليس حبه عند أنبيائه ورسله ومن اصطفى من خلقه كحبه عن سائر المخلوقات والناس، فالناس لا يستوون في حبه سبحانه وتعالى. وإذا أثبتنا لله عز وجل الحب، فهو حب يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. إلى هنا والله تعالى أعلم، ويزاكم الله خيرًا.